الرئيسية / دراسات / “أشتاق إليك… إلي” للشاعر الحسن الكامَح موضوعة الأنا والآخر ومقومات الديوان الفنية -كريم بلاد

“أشتاق إليك… إلي” للشاعر الحسن الكامَح موضوعة الأنا والآخر ومقومات الديوان الفنية -كريم بلاد

“أشتاق إليك… إلي” للشاعر الحسن الكامَح موضوعة الأنا والآخر ومقومات الديوان الفنية كريم بلاد

 

الشاعر الحسن الكامح شاعر مغربي من طينة قريبة من تلك التي جبل منها جيل الرواد الكبار في الشعر المغربي، متيم بالقراءة والكتابة حتى النخاع، ضارب بجذوره في ثقافة الحب، حب الحرف والتملي في التكوين الإبداعي، يقرأ بنَهَم، ويكتب باستمرار، ويعد من الشعراء القلائل الذين أعرف عنهم مواظبتهم الشديدة في الكتابة والتأليف، بل حتى في ارتياد المقهى والجلوس فيها زمنا محددا بدقة. لا ساعة تفضل من وقته، فهو القائم على مجلة مدارات الثقافية، ينضو لها ثوبا جديدا قشيبا كل شهر بإصرار المهتز العاشق للوتر، وباستماثة المظلوم المقهور على هامش الوطن.

يعد إبداع الحسن الكامح غزيرا بالنظر إلى عمره الذي بلغه، وإلى المرحلة الأولى التي أصدر فيها ديوانه الأول “الاهتزاز الأول” عام 1992، وبالنظر إلى سيولة تدفق إنتاجه، وما راكمه في خزاناته من مخطوطات، ومرقونات، من قصة وشعر ورواية، وهي الكتب المنسقة منذ ثمانينات القرن الماضي.

صدر للشاعر الكامح خمس عشر ديوانا شعريا، تحت مسميين هما الاهتزاز والتقاطع، فكان الاهتزاز الأول تحت عنوان “اعتناق ما لا يُعتنق“، وكان الأخير الاهتزاز الحادي عشر، تحت عنوان “أشتاق إليكَ.. إليّ” 2021، وبينهما تقاطعات أربعة، أولها “صرخة يد” 2017، وآخرها “ضوء على جدار البياض” 2021.

العنوان:

جاء عنوان المجموعة الشعرية التي نحن بصددها اليوم مؤلفا من جملتين فعليتين متكاملتين الأولى أشتاق إليكَ، والثانية أشتاق إليّ. وبعنوان فرعي هو “سيرة اشتياق”، وهي جملة فعلية فعلها مضارع دال على الحال والاستقبال، وعلى الكينونة القائمة بلا زوال. أما نقط الحذف التي تفصل الجملتين، فدلالة واضحة على أن بين الوضعين أو الحالين ترابطا خاصا، ترجمته ارتباط الشوق إلى الآخر بالشوق إلى الذات الشاعرة، ما يزكي هذه اللحمة التي ينسجها الشاعر بين ذاته والآخر، أو بين ذاته في صورتها الأولى وذاته في صورتها الثانية، وتدل تلك النقط كذلك على مسافة فاصلة بين الحالين، كلما اشتاق الشاعر إلى نفسه، اشتاق إلى الآخر فيه. وهذه النقط هي التي جمعت بين الحب والحرب وفصلت بينهما كذلك في روايتي أوان الحب… أوان الحرب. وذيل الشاعر العنوان الرئيس بعنوان فرعي هو “سيرة اشتاق” وكأنه بذلك يحصرنا نحن القراءَ في تتبع الاشتياق سيرةً تحكى لا غير. صحيح أنه مجرد إطناب، ولكنه محمود لتوهيم القارئ، وخرق أفق انتظاره.

ومعلوم أن العنوان الذي وضعه الشاعر لديوانه وسم به قصيدة منه، بالعنوان نفسه، تقع في الصفحة 28 منه، وترتيبها ثالثة.

يقع ديوان الحسن الكامح في 199 مائة وتسعة وتسعين صفحة من القطع المتوسط، صدر عن مؤسسة آفاق للدراسات والنشر والتوزيع بمراكش، في طبعته الأولى عام 2021، صدره الشاعر بإهداء خص به نفسه دون الآخر، قال فيه:

“للشوق الآتي من عمق الذات الموشومة بالعشق بين ظلال الاعتناق

وللحاء الكاتبة الناطقة الذات هذا الشوق الأخاذ في ظل الاشتياق”[1].

والملاحظ أن الإهداء كذلك يعضد دلالة العنوان التي سبقت الإشارة إليها أعلاه؛ بحيث نجد طرفي العلاقة حاضرين معا كذلك، وهما: الذات الشاعرة وصاحب الحاء الكاتبة الناطقة وهو الحسن. وبينهما مسافة مليئة بالشوق الآتي من الأعماق، والمتوجه إلى الشاعر الكاتب الناطق المأخوذ بالشوق في ظل اشتياقه إليه.

كما أن هذه الثنائية حاضرة في مختلف عناوين القصائد التي تضمنها الديوان، وعددها 24 قصيدة. من ذلك مثلا التقابل بين: هذا وذاك في “أسابق هذا وذاك”، بيني وبينك في “أقيمي الوصل بيني وبينكِ”، كأنك أنت في “تصورْ بربك كأنك أنتَ”، والحضور والغياب في “حاضرا كغائب لا يغيب”، والأميرين في “كأميرين على مقعد”، والذات والقصيدة في “كقصيدة تتلوى وجعا”، والذات والموجود واقعا في “كمن كان هنا يوما”، ولي وله في “هو لي وأنا له”، واليدان اللتان من طين، والحيرة بين ذا وذاك في “أحتار بين ذا وذاك”. وكل هذا يزكي الطرح الذي أومأنا إليه، القائم على التقابل بين الذات وتشكلاتها المختلفة مصبوبة في ذات أخرى أو في ذات الشاعر نفسه.

الاهتزاز الحادي عشر: اتساق الدلالة الكلية

يحكم هذا الاهتزاز بناء محكم، قوامه الاتساق الجامع بين البداية والنهاية على مستوى الشكل كما على مستوى المضمون؛ ذلك أن هذه الاهتزاز يحمل من الإصرار على الرحيل ما لا يحمله أي اهتزاز آخر من الاهتزازات التي سبقته، كما أنه محكوم بالشوق إلى الغياب أكثر من الاشتياق إلى الحضور. فالحضور ما هو إلا ذكرى ينبعث منها الاشتياق في حالات الشوق إلى الغياب. هكذا يصير الشاعر ذاتا وذاتا أخرى، حاضرا وغائبا، كائنا حالا وكائنا ماضيا، إلى جَسر هذه المسافة التي تفصل بينه وبين ذاته أو روحه فها هو في أول سطر من الديوان يقول:

“لا شك في أني راحل صوب البياض”[2]. فهو مرتحل في الزمان والمكان من نقطة بداية إلى نقطة نهاية، ليس معه أحد غيره، لكنه سيلقى أحدا هناك غيره يتجسد في رؤاه. فها هو في آخر سطر يكتب: “وأستبق الآن أو يوما إلى حفرتي حلمي المؤجل”[3]. والملاحظ أن العبارتين معا تلتقيان في أمور وتختلفان في أخرى، أما التقاؤهما ففي الرحيل والوصول، واليقين واندحار الشك، والحلم المؤجل والرؤى. وأما افتراقهما ففي النفي الذي وسم الأولى، والإثبات الذي خص به الشاعر الثانية [لا أشك =/= أستبين الآن]، وفي البياض في مقابل الحفرة التي هي في عرف الشاعر قبره وظلمته.

ويتعزز هذا الطرح المتمثل في التشاكل والتباين حتى على مستوى عنواني القصيدتين الأولى من الديوان والأخيرة منه، فالأولى منه “أسابق هذا أو ذاك”، والأخيرة “أحتار بين ذا وذاك”، ولا يخفى على القارئ اللبيب ما بينهما من تشاكل على مستوى بناء العبارة، وتنافر على مستوى الدلالة الثاوية فيهما؛ فالتأكيد سمة الأولى، والحيرة والشك سمة الثانية. وتانك السمتان وجها الشاعر في الديوان ككل، ووجها عملة الدلالة في موضوعاته وتيماته التي تنحصر في الشوق إلى الذات مجسدة في أنثى الشاعر أو في ذاته المزدوجة أو في الله ذاتا عظمى لا يقدر الشاعر أن يعيش من دون شوق إليها واشتياق ولوعة.

الأنا والآخر تعاضد وتنافر

يصر الشاعر على أن الأنا في ذاته، وأن أناه الأخرى في جهة أخرى من العالم ، في أرض البعاد، بينهما القصيدة سفينة قد تحمل الأولى إلى الثانية، وبينهما شوق حار. وإذا غابت القصيدة وتخلفت عن مهمتها حضر البحر بساطا يحمل الذات وينشرها نشرا، ففيه الماء، والماء صنو الحياة وصنو العدم أيضا، فهو واهب الحياة، وهو الفاني القادر على الإغراق، يقول الشاعر: “البحار التي موجاتها تجتاح البر دمرت السواحل عسفا” ص. 22. ولعل جملة من العبارات أن تشهد بصحة ما ندعيه، من ذلك:

“هي القصيدة وزر واشتياق يوجع الروح

لكني لا أخشى علي من الغوص في هواك” ص.6.

“كيف لي أن أخيط الكون قصيدة

وأرتديها عمرا بباب عرشك وأنا غارق في هواك؟” ص.8

“ظلان تعاشقا فاعتنقا

على بياض القصيدة

وامتدا يقيمان جسر الوصل عشقا”. ص. 11

“ترتديني القصيدة كما تهوى لا كما أهوى

وأطير مع الحمام بعيدا في سماك”. ص. 12

“أسابق عمري في منحدر لا ينتهي

شيخ امتطى سفينة الله”. ص. 12.

“كي نمضي على جناح القصيدة

بعيدا في الروح… بعيدا في المدى”. ص.16.

“في خلوة قصوى

تأخذني القصيدة إلى أرض البعاد”. ص. 16.

“أنا متعب لكني مصر في هذه الدنى

أن أركب البحر قصيدة تؤسس للآتي أفقا

وأمشي حيث يمضي الماء” ص.17.

“واركب معي بحر الردى بلا تأشيرة من ورق” ص. 35.

إن الذات الشاعرة من جهتها مصرة على الرحيل، بل إنها تتنبأ بالموت القريب، لا لشيء إلا لتكون قريبة من ذاتها الأخرى، بالرغم من أنها لم تطلعنا على مستقرها، فالحلم والبياض والبعاد والرؤى واللظى والسنا… كلها كلمات تشكل ترادفات لمكان وجود الذات الأخرى على ما بينها من تنافر بين، نستشفه على مستوى الدلالة المعجمية خاصة.

هكذا ستكون الذات في رحلة البحث شوقا واشتياقا إلى الله.

تنماز الذات الشاعرة بسمات، لعل أبرزها:

  • عدم الخوف من الموت على خلاق كافة المخلوقات على وجه البسيطة؛
  • الشوق إلى المكان الذي سيلتقي فيه مع ذاته الأخرى مهما كانت شاكلتها التي لا نقدر على الجزم بكنهها؛
  • الاغتراب في الزمان والمكان الذي يعيش فيه حالا، متطلعا إلى زمان ومكان آخرين بسمات أخرى؛
  • الوحدة التي تجعله يكرع من كأس الوقت وحيدا بلا انيس، بعد ان تركه الراحلون المنسيون المعلقون؛
  • رأسمال الشاعر حروف قصائده لا غير، فهو المالك الذي لا يملك شيئا، وهو الوارث الذي لا يورث شيئا، وهو المفكر الذي لم يعد يفكر في شيء، غير يقينه بحتمية الأجل، وترك الدنيا؛
  • اطمئنانه إلى الحق في التساؤل، وبناء التكهنات التي ستفضي به إلى الجنان، ولا أدل على ذلك من توقف الوقت عند باب المقبرة، وحفاوة الطريق بالزهور؛
  • تفضيل الشاعر التريث في الرحيل، والانغماس في حبر القصيد، ربما يعطي ذلك الانطباع بالخلود، لكنه الإصرار على الرحيل يعود من جديد. يقول:

ولما الطريق تعبرك قل: أسير لقبري وحدي

نعشي في يدي… وعلى كتفي كفني

لا أخشى موتا يفاجئني وأنا أتوق في نفسي إلى ربع يرضي“. ص. 27.

وبالمقابل ينماز الآخر بسمة التأرجح بين:

الحضور والغياب: “كأني من جديد أولد في حضنك” ص. 16.

التحول وعدم الثبات: “فاكتب ما شئت في كي أكون دوما لك أفقا” ص. 28.

الحلول في ذات الشاعر والانصهار بها: فأعود إلي لعلني ألقاني فيكَ” ص. 29. أزاوج بيني وبينك فأنسى جرح الألم” ص. 29. “بربك هل لي مكان فيك” ص. 32.

قابلية العبور والسموق الندِّيِّ: أسافر عبر ذاتي إليك” ص. 30، “هذا أنا فكن أنت كما أنت… هذا أنا فكن أنت كما أنت… هذا أنا فكن أنت… هذا أنا العاشق، فكن حروفا تكتبني… إني في مكاني، فهل لك أن تسوي الألق.. وكن لي ضوء الشفق” ص. 36- 37.

على أن بين الشاعر الذات وموضعه الآخر مسافة لا يملأها غير القصيدة. ولقد قلنا سابقا إن القصيدة بحر يمتد جسرا بين الذاتين. ولكن ما طبيعتها؟ وما سماتها الدلالية؟ ودورها في تأمين العبور؟

يوهمنا الشاعر في بداية قصيدة “أقيمي الوصل بيني وبينك” أن المخاطب أنثاه، ذاته الأخرى التي يتغيى الوصول إليها ووصلها، لكن التأني في قراءة النص، يكشف لنا عن كنهها، فالمخاطب القصيدة نفسها. ودليلنا إلى ذلك بضع نقاط:

الأولى: تماهي الشاعر مع القصيدة في العبور والسفر عبرها إلى الآخر القابع في ركن قصي من العالم؛ يقول في هذا الصدد: “على البياض أستلقي… كأني كلمات ترتاح من تعب” ص. 57. ويقول: أعانق حبري شوقا شاق من شوقه” ص. 57.

الثانية: طلب الشاعر من القصيدة التريث قبل السفر، فقد غدا رجلا كامل راجح العقل، مهووسا بالكتابة الشعرية التي ينصهر فيها كليا. “وتكتبني شاعرا يسبح في مداد الحبر عمرا” ص. 59. “على البياض أستلقي كأني من جديد ولدت” ص. 60.

مقومات الديوان الفنية

يصعب في هذا المقام القصير الإلمام بكافة المقومات الفنية التي يمتاظ بها ديوان الحسن الكامح “أشتاق إليك… ألي”، نظرا لعدة عوامل، منها: طول الديوانن وتضمنه لاكثر من عشرين قصيدة، وكثافة الجمل الشعرية وطولها البالغ أيضا. وهما عاملان كفيلان بتحري الاختصار غير المسف.

أولا: اللغة

ينتمي معجم قصائد الديوان إلى الحقل الديني والأدبي، وبين الحقلين تكاملا على مستوى ترابطهما معا، وتكامل ألفاظهما معجما وسياقا. فالحقل الديني يطغى في القصائد بالنظر إلى تأثر الشاعر بالقرآن الكريم لغة وأسلوبا، وبالنظر كذلك إلى موضوعة الشوق والاشتياق التي تصطبغ لديه بصبغة صوفية، وهذا الأمر ليس غريبا على الشاعر، فمن يطلع مثلا على ديوانه “صاعدا لا أرتوي، سيرة متصوف” سيدرك ذلك لا محالة. ومن العبارات التي تنتمي إلى هذا الحقل: الروح، القلب، الحياة، اللهيب، العصا، المشتهى، المنتهى، الوصل، الرهب، لا يخشى لومة، يستقيم، نظلم…

أما الحقل الثاني فهو الحقل الأدبي، وهو الأكثر طغيانا، لسبب وجيه، هو قدرة الشاعر على التحكم في قيادة دفة القصيدة منطلقا من ذاته ومنتهى غلى غايته التي يسعى إليها. فمعظم ألفاظ وعبارات الديوان تنتمي إلى الشعر والكتابة والقصيدة على اعتبار أنها موضوعات أثيرة لدى الشاعر الكامح، ولا يخفى اطلاع القارئ على ديوانه “أنت القصيدة” الذي يعد قصيدة واحدة تشمل الديوان ككل، وتقع في 135 صفحة من القطع المتوسط. والأمثلة على طغيان هذا المعجم كثيرة لا تحد.

ثانيا: التكرار:

أعتبرها أبرز سمة تميز هذا النص، لأننا نجده في كافة قصائده، ونحن نعلم ما يضطلع به التكرار من موسيقى داخلية، تعزز إيقاع القصائد، كما تعزز خفة روح الشاعر كاتبا وشخصا في القصيدة. ويتأرجح هذا التكرار بين تكرار أصوات بعينها، وتكرار كلمات، وتكرار عبارات، وتكرار صيغ صرفية أو نحوية. على أن أقصى درجاته هي التي تحققت في القصيدة التي تحمل اسم الديوان، بحيث تكررت لازمة “أشتاق إلي… إلي” ستا وأربعين مرة. كما تكررت أصوات بعينها، مثل الكاف التي للخطاب، لما في ذلك من إصرار على التأكيد على الذات الآخر متصلة بذات الشاعر حتى على مستوى تخطيب القصيدة [رؤاك هواك علاك أبهاك هناك أناك سواك دجاك سماك ألقاك مداك… كما أن تكرار ألفاظ بعينها لخ دلالته من حيث تعزيز معجم الديني والشعري، فنجد القصائد طلها تقريبا كلمات مثل: القصيدة، الشعر، الهوى، الوصل، الظل، المنحدر، السنا، العشق، التعب، الشوق، الاشتياق، اكتبني، الكلمات… والتكرار أيضا شمل صيغا بعينها، مثل صيغة النداء يا أيها الكلمات… وصيفة الأمر أقيمي، امتدي، وصيغة السؤال، وصيغة الاختيار، وصيغة التشبيه وغيرها.

ثالثا: الضمير

وظف الشاعر بجدارة توليفة غنية من الضمائر التي استعملها بحسب ما يتطلبه الخطاب، وما يفرضه المقام الشعري، فاستعمل ضمير المتكلم المفرد الذي يحيل عليه، وتوظيف بكثرة ضمير المخاطب المفرد، كما استعان بضمير الغائب عائدا على أنثاه أو على قصيدته، ولم يعدم توظيف ضمير المثنى خاصة في قصيدته “كأميرين على مقعد يجلسان”، وهذه التوليفة ساهمت في تنويع تركيب العبارة، كما في خلق نوع من الاتساق الذي تحقق بالضمير وما يحيل عليه قبلا أو بعدا. ولا داعي لذكر الأمثلة ها هنا، فالديوان غني بها.

رابعا: الصورة الشعرية:

لا يخفى على أحد قيام الشعر على الصورة الشعرية، ولا يخفى أيضا أن المفاضلة بين الشعراء تكون على أساس الإجادة في توظيف الصورة الشعرية، وأن السرقات التي كانت موضوعا للنقاش في الأدبيات القديمة كان أساسها تكرار الصورة الشعرية لدى شاعر متأخر عن آخر متقدم.

من هنا، فإن العناية بالصورة الشعرية في ديوان “أشتاق إليك… إلي” ملحوظة لاعتبارات، هي:

حرص الشاعر على شعرية القصيدة الشوقية، المطعمة بنفحات ربانية شعرية خالصة، سمتها الأساس ارتقاء الشعر إلى منزلة الحامل لروح الشاعر السابحة في ملكوت الله والقصيدة، من ذلك: بحيرة الشوق، سماء الكفيف، أوراق تعانق عمره، يسير على حبل الشوق، سباتك الناري، رصيف الماضي، يعانق ظل أشجار البرتقال، يستحم بالشمس وبالغيث القصيف؛

قيام الصورة الشعرية عنده على المجاز، وعلى تركيب العبارة تركيبا غير مألوف، من ذلك: لهما جنان الخلد مترع ومتسع، فاكهة المنى، الدم في الشوارع يجري ثورة على القمع، نار الفقر، حر الجوع، أقرع كأس الحسرة، أراقب موتي، ظلمة الفقر. وهذه الصور كلها كما نرى قائمة على وجود علاقة فير منطقية بين مشكلاتها، مع العلم أن أساس بنائها هو الإضافة. وتكاد تلتقي على مستوى دلالتها في التعبير عن امتعاض الشاعر من واقع بئيس يعيش فيه الأميران غير مباليين.

ونخلص إلى أن في هذه الصور الشعرية جمالية، كما فيها قوة إقناع على تبني موقف الشاعر والانقياد إلى جانبه.

خلاصة وتركيب

إن قراءة تجربة الشاعر الحسن الكامح من خلال ديوان واحد، كفيلة أن تلقي بظلال القراءة على التجربة ككل، لا أقصد أنه شاعر يكرر نفسه، ولكنه شاعر له مشروع شعري متكامل، يكفي أنه وسم التجربة بالاهتزاز، ما يدل على اتصال فعل الكتابة لديه، وعدم انتقال تأثير القصيد في حياته الشعرية وسلوكه المجازي واللغوي، إنه شاعر يعرف من أين يبدأ وإلى أين يريد أن يصل بالقارئ المتذوق. وهذي سمة الشعراء الكبار ممن وهبهم الله تعالى موهبة الشعر وفرصة قرظه نغما وشوقا واشتياقا.

الشاعر الحسن الكامح آلمنا باهتزازه الحادي عشر هذا، بالنظر إلى طوله، وبالنظر أيضا إلى لوعة المشتاق التي عبر عنها في أكثر من قصيدة، بما يشكل وحدة تيماتية متفردة، زكاها هذا التقابل بين الذات والآخر، في بوتقة خصوصيات فنية رائعة، كاللغة الجذابة، والتكرار المتناغم، والضمير المزدوج، والصور الشعرية القائمة على خرق البناء المنطقي للغة الكلام. وفي كل ذلك سر لا يدركه غير الله تعالى نجيِّ الشاعر ونجيِّنا نحن القراء على حد سواء.

 

 

وحرر بأكادير يوم 3 أبريل 2023 موافق 12 رمضان 1444هـ.

 

ناقد ورائي من المغرب

 

 

[1]  الكامح، الحسن، أشتاق إليك… إلي، سيرة اشتياق، مؤسسة آفاق للدراسات والنشر، مراكش، 2021، ص. 5.

[2]  الكامح، الحسن، أشتاق إليك… إلي، مرجع سابق، ص. 6.

[3]  الديوان، ص. 197.

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *