الرئيسية / اهتزازات / أگادير فتنة الدنى… (الجزء الأول) الحَسن الگامَح

أگادير فتنة الدنى… (الجزء الأول) الحَسن الگامَح

لماذا الشعر…؟؟

(أتيتك من بعيد

من مكناسة الزيتونِ أحمل شوقي إليكِ

وبعض مما قرأت عيناي عنكِ في ذهولْ

أنك تستقيمين على عرش

نصفه على الماء

ونصفه الثاني بين الجبال والسهولْ

منْ أتاك يستمتع بالشمس والشط والبحار

ومتعة الغوص بين جنائن الجمال  تطولْ

كيف لي أن أدخل بابك

وأنا لم أتطهر بعد من نجاسة المدن الأخرى

أحمل شوقي إليك

وبين يديك أنحني عساك تمنحني بطاقة القبولْ)

زيارتي لأكادير لم تكن زيارة سياحية كما يفعل الكل، ولكن كانت زيارة عمل، فحين اقترح علي جون بيير  العمل بها، لم أصدق نفسي أبدا، لأنه كان حلما راودني منذ الطفولة أن أستقر في مدينة ساحلية أولا، ثانيا فقد سبق لابن خالتي أن حدثني عنها عند زيارته الأولى لها في بداية الثمانينات. وهكذا جئتها عاشقا قبل كل شيء، لا يصدق أنه سيرتمي في حضنها معتكفا سنوات وسنوات، وسيحقق حلمه بعد أعوام. لم تكن الزيارة محدودة بوقت بل مفتوحة على العمر كله، هنا أسست مملكة الحاء بكل عشق وتفان، وهنا ترعرعت شجرة الاهتزازات بكل انفعالات مع كل المخاضات، وهنا زدت عشقا وغوصا في الكتابة والقراءة والثقافة:

(أتيتك متيما

أحمل هم الاستقرار فيك

ففتحت لي صدرك في حب

منحتني مملكة لا تغربها شمس الأصولْ

كلما أجلس قبالة البحر

أرشف فنجان قهوة وأستريح من تعب

ينخر في صمتٍ العمرَ العجولْ

أتيتك أحمل هذا القلب

المنتمي للقصيدة

فاكتبيني رحلة تبدأ بين ثناياكِ

ثم ستنتهي بين ثناياك وشما

مرسوما على جسد ممدد تحمله الخيولْ)

 

وأنا في الطريق باتجاه أكادير كان الوقت يمر بسرعة والسيارة تشق الطريق بين الجبال، وكلما اقتربنا منها كلما تزداد النبضات تخترق الهيكل الصدري، وأنا هائم في قصيدة لم تكتبني بعد، تأخذني بين استعاراتها وتعصرني كأني في مخاض لا ينتهي دون ولادة، أبحث عن الكلمات الأولى، أبحث عن ثقبه أطل منها على الحروف التي تراودني كل حين، لكن بلا جدوى، كانت القصيدة مستعصية، كلما نقترب أكثر وجع المخاض يرتفع، وأنا في حالة ترقب لا أستسيغ الوقع الغريب:

(صامتا يعصرني الوجع القاتلُ

أنا الجالس في الخلف

أراقب الطريق تلتوي بين عيني في أفولْ

وديان تعبرني استعارات

جبال تحرسني من السقوط المفاجئ

منحدرات تأخذني إلى هاوية الحقولْ

وأنا كالطفل الصغير

أتأمل في قرى الجبال

ممتدة تؤرخ المكان، والمكان منفلتٌ من حضارة البروتكول )

توقفت السيارة بشارع الحسن الثاني، وبعد ساعة وجدتني قبل الالتحاق بالفندق المجاور، أطلب من السائق أن يحملني إلى الشط الساحر الذي كتبت عنه أقلام وأقلامٌ، وحكت عنه ألسنة وألسنة بكل اللغاتِ، البحر أمامي بجماله الأخاذ، الموجات في هدوء بين مد وجزر تكتب سنفونيتها، النوارس تحط على الشط ثم تحلق بعيدا، السواح مثنى مثنى يتجولون بكل أريحية.

كل شيء هنا مختلف، كل ما يؤثث المدينة خارجا عن تخيلي القبلي، إني هنا سجين اللحظة ذات الأبعاد اللامتعددة واللامتناهية، هنا وجدتني عاجزا عن البوح بما يمتلكني من خجل أما هذا الجمال الضارب في الأزمان، وقبالتك أكادير أوفلا بتاريخه شامخا واقفا يحكي عن آلام ألمت به بوم زلزال.

(من أين أبدأ الآن الكلام،

والكلام عبارة عن صمت لا تطيقه العقول،

أكادير تفتح باب البحر

 فأدخله زاهدا

تستهويه الموجات تتكسر على قدميه،

نوارس تطوف بي أينما أجول

الوقت خرافي لا شك فيه

أوراق تفر من يدي إلى غيابات الجنونِ

والشمس مائلة إلى أفولْ

كيف لي أن أسوق المعنى كما يجبُ

وأنا عار من كل حقيقة منطقية

أجول على بساط ساحر في ذهول…؟)

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ما جدوى الشعر إن لم يَكْتُبْ مأساتنا…؟ الحَسَن الگامَح

  لماذا الشعر…؟؟ (ما جدوى الشعر إن لم يعبر عن ذواتنا لما تصيبها الآلامُ قرحا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *