الرئيسية / دراسات / إشارات واحالات الاحتفال الشعري بين التجريد والتحديد في “ابتهالات غائمة للشاعر محمد ضرفاوي – عبد الله الطني

إشارات واحالات الاحتفال الشعري بين التجريد والتحديد في “ابتهالات غائمة للشاعر محمد ضرفاوي – عبد الله الطني

كان ولازال، سؤال يفيض ويستفيض، بشكل أو بآخر، منذ أن اقتحم الانسان ألغاز الوجود وأسراره، بشتى أنواع المعارف والخطابات، وعلى رأسها خطاب الشعر بما يستضمره من إشارات واحالات؛ إنه السؤال عن ماهية هذا الأخير وعن جدواه. وهو سؤال يستهدف في العمق فك شفرات العلاقة بين الكينونة المحاثية الماثلة للتجربة، والكينونة الحالمة والمتعالية عليها؛ ومن ثمة كان ذلك الجدل الخلاق، الواضح والمبهم في الآن نفسه، حول علاقة الشعر بأنا الشاعر وغيرها من الأنوات والذوات، وبالكينونة، وبكل تلاوينها ومفارقاتها، وكذا عن علاقته بباقي الأجناس المعرفية، والتعابير الأخرى، فلسفية كانت أو صوفية، أو موسيقية، أو روائية، أو مسرحية، أو تشكيلية، أو حتى جسدية رقصية أو سيمائية، وعن موقعه بالأساس بين لغة العبارة ولغة الرمز والإشارة، وهل هي علاقة تواشج واتصال، أم علاقة اختلاف وانفصال؟

شخصياً، أميل إلى الموقف الذي يرى بأن الشعر إما أن يكون شجراً في أرض الكينونة، ومن تربتها ترعرع، يتماهى معها برذاذ الكلمات، ليكون كما يشتهي ولو حلماً، ويحلق بالرؤى ليعطي الكينونة الكسيحة المعتقلة في ضرورتها العمياء أجنحةً وفضاء للتحليق، وابتهالا للاتحاد والتجلي والاشراف ترحالا في عوالم الغربة والغرابة، أو اغتراباً عن المألوف والرقابة، تأسيساً لأَيْسَات المعنى عن “ليس” أو لا يكون.

وعندما عدت إلى قراءة “ابتهالات غائمة؛ (وهي مجموعة شعرية للشاعر المغربي محمد ضرفاوي، المغترب ببلد الوليد، ببقايا حدائق الأندلس التي…)، وجدتُ بها لذة “العود الأزلي”، وبصوته الشعري نبضا لا ينتهي… وكان به وَشْمٌ من كل ما قلتُ أعلاه وأكثر، طبعاً بأسلوبه، وَرَقصه وتَرقيصه الخاصين، راحلا في معارجه الشعرية، من سفر إلى سفر، ومن مَقام إلى مقام، من ابتهال إلى ابتهام، ومن قيامة إلى أخرى، يقول عنها جميعا أنها “ابتهالات غائمة”، ولكنها في العمق أناشيد بربيع جديد مديد، ولو عبر نتوءات، كما لو كانت تخفي ألغاماً تُنذر بالانفجار، أو غيما كثيفاً يشي بالعواصف والضخات.

لقد جاء الديوان، على مستوى بنائه العام، مهرجاناً من الأناشيد، من نشيد “القيامة” إلى نشيد “الإحتراق والعطش”، مروراً بنشيد “السفر”، ونشيد “العشق”، ونشيد “الفصوص”. وكل نشيد من هذه الأناشيد جاء مُمًفصلاً بمحطات أو تلوينات تُجلي ما يستضمره من أبعاد ودلالالت. وهي أناشيد أو تراتيل، بعضها من فرط الفرح الوجودي، وبعضها من فرط الألم, وهو على مستوى هذا الأخير يتماهى مع فلسفة جلال الدين الرومي في مواجهته للألم، وجعله ضرورة للشقاء، حيث يقول في إحدى شذراته: “لا تهرب/ تألم حتى تُشْفى”. وديوان “الابتهالات” هذا يطفح بالعديد من الإشارات والإحالات التي تكشف بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن قناعاته ووعيه بوظيفة الابداع الشعري، وبالاحالة إلى أهم منابعه ومرجعياته. ويمكن اجمالها في العناصر التالية:

أ: على مستوى الإشارات:

  1. بالنسبة للشاعر محمد ضرفاوي، إن الشعر ليس مجرد ترف كلامي، أو تزويق بلاغي، وخطاب تواصلي، وإنما هو تطهير للذات الشاعرة وللمتلقي على حد سواء، إنه كالحلم والماء وتجديد الثوب وسيلة للخلاص. حيث يقول في القيامة الأولى من “قيامات الألم”، [أَبْحَثُ عمن يطهرني/ من خطايا لم أقْترفها/ أبحث عمن يرشدني لطريق الخلاص/ ابحث بين الأحياء الموتى والموتى الأحياء/ عن مكان لي بين الأنبياء] (ص7).
  2. وبالشّعر نُجَلّي ونتجلى، وهو في جوهره تَجلّ وشروق، إبانَةٌ وبيان. إنه خروج من العتمة والإلتباس، إلى البوح الوجودي والإنبجاس، الذي يعني في الفلسفات الصوفية “التجلي” وفي الفلسفة الطبيعية “الفطرة”. يقول الشاعر محمد ضرفاوي تواقاً إلى النور والتجلي: [ماذا لو كنتُ صبياً في عمر الورد/ لكسرتُ جوف الصخر/ لصرتُ نبعاً يُغني/ فيذوب التراب/ لفطمت بالروح اذيب الأسى/ أرفل في غلائل النور المضمخ بالبخور/ علني أزيح عني العتمة الحجاب] (ص8).
  3. والشعر بالنسبة إليه اعتزال وتوحد، دفاعاً عن صفاء الذات وفطرة الطبيعة، حيث يقول: [الصحابةُ الذين اصطفيتهم/ هجروني واحداً واحداً/ اتهموني بتمجيد المحار/ منحتهم أعشاب قلبي/ وهُم/ ناولوني دماً فاسداً/ وصولجاناً من نار] (ص9).
  4. والشعر افتتان بالغربة والاغتراب. والنفي الاختياري، وتحمل وجودي لهذا الاختيار. يقاوم محمد ضرفاوي قائلاً: [اسائل نفسي/ هل كُتبت عليّ المنافي/ وهل كُتب الغياب عليّ من أكون أنا من أكون؟/ لا الكلمات/ كلماتي/ ولا المُقلة مقلتي/ لا المرأة مرآتي/ ولا التربةُ تربتي/ مفرداً مفرداً/ أصارع غربتي.
  5. والشعر لدي الشاعر محمد ضرفاوي سفر في المكان والزمان والخارق واختراق للممكن والمستحيل: فهو تارة يتحدى النار ويهزمها بحكمة الفيلسوف طاليس عندما ينشد في وجهها: [يانارُ/ كوني برداُ وسلاماً على هيكلي/ يا نارُ/ عودي لأصلك عودي للماء] (ص13)؛ وتارة يراوده حلم الاتصال بالخالق المطلق حيث يقول في شنشنة صوفية: [أقم قداس حلمك… فهذا أوان اللقاء/ وإن إلى ربك المنتهى]، بل ويدعي التحديق به عبر ملكوته بعينين مفتوحتين: [أنا الدم الشاهد الذي يمضي واثقاً/ لا يلتوي في خطاه المحذقُ في ملكوت الله] (ص 17). وهو يؤمن بأن السفر إلى النعيم لا يمكن سوى عبر المشقة وتحملها: [وكل عذاب يوصلني إليك/ فهو النعيم الذي أشتهيه] (ص 68)؛ وأن أجمل ما في الوصول إلى ما نحب دهشة الاتصال به [يا عاشق المستحيل/ عين على الشمس هناك/ وراء اشرعة الفناء/…/ لا تنظر إلى وجهها كي لا تصاب بالعمى] (ص 69)، ويؤكد في “وثوق” الشعراء قدرته على الإسراء بمن معه إلى أبعد ما يشتهيه: [جرد قلوبهم/ من رداء الهوى/ أرهم مركز الأوتاد/ زملهم بثوب المحبة… واسر بهم/ من حرم الأكوان إلأى قدس الجنان] (ص 28).
  6. والشعر في نظر الشاعر أجمل أنواع الشرود، يساهم بشكل ما في تخليصنا من قبضة اليقظة الحارسة لأحلامنا، والشرود غالباً ما يقودنا إلى عوالم منسية فينا، عن أسماء أخرى لأشياء ذبلت اسماؤها في الواح وجودنا. يقول الشاعر محمد ضرفاوي عن ذلك: [أنت الشمس في توهجها/ وأنا الشارد في الأسماء] (ص35).
  7. والقارئ لنصوصه، سيجد الشاعر المتماهي بامتياز، في نوع من التماهي يصل إلى درجة الانيمية أو الاحيائية في علاقتها بالأشياء والاحياء، عبر اختراق لا يكون الا للصوفية والشعراء الواصلين، حيث يقول في “ابتهال الاختراق”: [في لحظة/ تصمتين/ أدرك أني كي أراك/ عليَّ أن أخترق الأشياء] (ص34).
  8. وهو أيضاً قابل للأختراق، حيث يقول ما معناه إن قلب الشاعر مفتوح للغرباء والتائهين، إنه مأوى لمن لا مأوى له: [أبكي صاغراً أكثر من صلاة الغائبين/ علني يحيلني الموت/ قمراً سديميا متعرجاً/ أغويته فغفا/ لما سرتُ قوساً قزحياً/ وأعلنتُ للعابرين سري/ وتركت باب القلب مفتوحاً/ كي يدخله الغرباء] (ص90).
  9. والشعر بالنسبة إليه كالخمر المعتق مُسْكر، والسكر به مختلف عن جميع أنواع السكر، وقد جلى الشاعر هذا المعنى في مقام مقامات “مسك الختام”، في ديوانه هذا سماه “مقام السكر”، حيث يقول: [أنا الآن/ في حضرة أحْرُف من نار/ مزْهُواً أُسرج للقصيدة عنفواني (…) نتوحد/ نندس وراء الظلال/ وأقول من نفسها/ كل مسكر حلال] (ص 40 ـ 41)؛ ومعنى السكر ها هنا يُكَثف كل ما تريده القصيدة الشعرية، في احدى حالاتها، من تجلي واعتزال، واغتراب واعتزال، واختراق، واتصال، ورؤية، واسراء، ومعراج، وشرود، وتماهي… وكأنما كأسه فَيْصَلٌ بين الما قبل، والماهو، والمابعد، رتق بينها وتفكيك في الآن نفسه، في لحظة اسمها الطمأنينة الجمالية الشعرية المشتهاه.
  10. إن هذه الطمأنينة بالذات، رغم سلميتها فهي تستهدف خلخلة ابجديته الكينونة وإعادة تشكيلها وفق جدل صاعد نازل، يخفف من صدمة التناقص، بل ويجعل منها أساس شهوة الدهشة. يقول شاعرنا في هذا السياق: [قُلتُ لها/ أنا/ شاعرٌ/ على سُنة الطيور دعيني أشعل الأضواء حولنا/ كي أجدد شهوة الأبجدية/ وأضيء أقماراً بعض الفواصل/ ألا بالقوافي تطمئن القلوب/ (…) / وانشغلنا/ وهممتُ بالصعود/ لكنني كنت نازلا/ فعلمتُ أنني في أول الحلم] (ص 47 ـ 48 ـ 49).

ب: على مستوى الاحالات:

ان الخطاب الشعري لمحمد ضرفاوي في “ابتهاجات غائمة”، جاء محملا بالعديد من الاحالات إل مرجعيات ذات حضور قوي في وجدان الشاعر والمتلقي العربيين، في حمولتها الأسطورية العجائبية والبيانية الإعجازية، بهدف تكثيف المفارقات وخلق ما قد تستير من إدهاش.

في هذا الاطار لاحظنا حضور المتن القرآني بصيغ متعددة، وفيما يلي شهادات على ذلك منها قوله: [رأيت عوسجةً تخضرُّ احتراقاُ/ قلتُ هذا ربي/ وَلمَّا ذبُلت/ قلتُ إني لا أحب الرماد] (ص43)، وقوله في سياق آخر: [كلما رأيتُ البحر موعوداً بالشوق العالي/ قلت هذا ربي/ ولما انحدر الموج اشتاناً/ قلت إني لا احب الهبوط] (ص 44). وقوله في الصفحة 50: [وهاتف يقول لي/ وما تلك بيمناك يا محمد/ قلت هي قصيدتي/ عليها توكأت/ وبها أكسر صمتي/ أمتص بها ألمي/ ولي فيها مآرب أخرى/ قال ألقها يا محمد/ ألقيتها/ فاذا هي فراشة تضئ الخطى الموغلات في الظلمات]، ثم يواصل هذا النوع من الاستلهام، فيقول في ص 54: [طيبٌ/ كفراشة الشعراء/ مفتون بشعري/ لو كنت فضاً غليظ القلب/ لا نقض عمن قلبي القمر]، ويقول في ص 56: [السلام عليك يوم تزهرين/ ويوم تضيئين ويوم تحترقين ويم تبعثين مأوى للغرباء مثلي]. وهو يصدر قصيدته الموسومة “الحيرة الإلهية”، بفيض أية قرآنية [وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى] (ص 67).

ثم يعمد مرة أخرى، إلى الإحالة على حديث نبوي شريف، في تناص شعري جميل، حيث يقول: [يقولون/ لا يلذع الشاعر من قلبه مرتين/ فتستأنف أنت/ قلب الشاعر لا ينبض الا ملذوغاً أكثر من مرتين] (ص 77).

مقابل ذلك تحضر في خطابه الشعري شذرات صوفية حيث يقول: [فوجه الحقيقة/ أجمل من أن يرى] (ص 70)، ومرة أخرى يقول في الصفحة 57: [واذا لم نَعُد تر الوانك المحسوسة فاعلم/ أنك المريد الواصل سدرة المنتهى]، ثم يصدر قصيدة “الرحيق المختوم” بشذرة معروفة للمتعرف محيي الدين ابن عربي: [المكان الذي لا يؤنث لا يعول عليه] (ص 66).

ومن إحالاته إلى فلسفة الحكماء الطبيعيين الأوائل، بالخصوص إلى فلسفة هيراقليطس القائل بالأصل الناري للكون، وبقانون الصيرورة، حيث يقول: [أنا الموجود في اللهيب المسكون بالنار/ أنا العطش اللاهث الضامئ الخطي/ مُبحراً أتيت] (ص 83). ويحيل في سياق آخر إلى الاساطير الاغريقية القديمة، حيث يتماهى في تحليله الشعري مع “الإله بروميثيوس”، قائلا: [أنا بروميثيوس/ المنسي إلا من إسمي/ (…) / أقسم أن لن أمنح صوتي/ إلاًّ لمن يعشق صورتي] (ص 88).

ومن خلال هذه العلامات يمكن القول إن الشاعر محمد ضرفاوي من الأصوات الشعرية الحداثية المسكونة بتراثها الإنساني العام والخاص، والحريصة في الآن نفسه على استثماره في بناء صور جديدة للكينونة، لافراح الكتابة الإبداعية النابضة بالحياة، وتحدي حواجز إلغائها ما دام الأصل في الأبداع فكُ القيد والإتِّباع.

 

باحث وشاعر من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *