الرئيسية / دراسات / التراسل الحواري في رواية رغبات مهشمة – ستار زكم

التراسل الحواري في رواية رغبات مهشمة – ستار زكم

التراسل الحواري في رواية رغبات مهشمة ستار زكم

صدر للكاتبة اللبنانية اخلاص فرنسيس رواية بعنوان (رغبات مهشمة) عن دار يافا العلمية للنشر لعام 2020 حيث تتحدث هذه الرواية عن العشق والألم / عشق الآخر البعيد الذي يسوّر حياة البطلة ( ريتا ) حيث الصراع واللهفة والقهر والإنتظار الطويل والعشق الذي لايعترف بالمسافات البعيدة فهو ينطلق من ذات راغبة ومتلهفة تعشق وتحب بصدق .

تبدأ الرواية من خلال علاقة جمعت بين ( ريتا ) عن طريق الفيس بوك و شاب لبناني يعاني من الغربة والقهر وهي ظروف مماثلة الى بطلة الرواية فهما شخصيتان متساويتان بالظروف القاهرة والتغرب الطويل عن البلاد ( لبنان ) لكن كل واحد منهما يعيش في بلد معين ، لكن لن تبعدهما فواصل الجغرافية من خلال علاقة صداقة عبر المواقع الالكترونية الافتراضية .

اعتمدت الكاتبة اخلاص فرنسيس في اشتغالاتها الفنية على طريقة التراسل الحواري والسرد عبر الراوي العليم ، بعد ان وظفت طرق عديدة في ( التراسل الحواري ) ومنها :

1 – حوار مباشر عبر رسائل نصية بين ( ريتا والغريب ) لم تكشف من خلاله الكاتبة جميع اوراقها بل مهدت في بادئ الأمر الى وجود علاقة معينة بين الشخصيتين ووصلت فيما بعد للقاء جمعهما في لبنان حيث الإستئناس بالنظرات المتبادلة وشرب النبيذ والرقص على أنغام الموسيقى وذوبان الجليد الفاصل والزفير الحار الذي يرخي التوتر في علاقة جديدة سادها الخجل في بادىء الأمر .

2 – حوار داخلي ( مونولوج ) لكلا الشخصيتين وجاء هذا الإستخدام كي يكون معادلا لسرد ( الراوي العليم ) كي تبعد الكاتبة حالات الملل عند القارىء وتضفي جوا من المتعة والتشويق في فضاء الرواية ، وقد جاء الحوار الداخلي مقسوما الى قسمين :

 

القسم الاول / حوار بمثابة ( مناجاة النفس ) يعبر عن كلا الشخصيتين عن عواطفهما وخلجات النفس المرهفة التواقة الى اللقاء والشوق والألم وبذلك قدمت الكاتبة صراعا داخليا لهما بسبب بعد المسافة بينهما والرغبة الجامحة في تلك العلاقة الصادقة غير المزيفة .

القسم الثاني / حوار غلفته الكاتبة بأطار تساؤلي حيث اثارة الأسئلة والأجوبة في آن واحد وهو حوار تسرده شخصية ( ريتا ) ولكن هذا الحوار هو حوار افتراضي غير مدوّن في رسائل نصية حيث يختلف عن التراسل في اعلاه ، حيث اعطى هذا الحوار ابعاد نفسية مؤلمة تعيشها البطلة وهي الشخصية المحورية في الرواية حيث الألم والشغف والصدق ، لتصل معاناة ( ريتا ) نتيجة كل هذه الحوارات الذاتية وهي حوارات تستفسر فيها الشخصية مع ذاتها عن سر اختفاء عشيقها ( الغريب ) لتعلم فيما بعد انه اصيب بحادث سير مروع وتعرض لرضوض وكسور معينة في جسمه بعد غيابه المفاجىء دون سابق انذار ، وهذا ماجعل ( ريتا ) ان تصاب بحالة نفسية حادة لتكتشق لاحقا انها مصابة بالسرطان بعد هزالة جسدها وبانت عليها ملامح التعب والقهر والضعف لتخضع الى جلسات علاجية مكثفة ومؤلمة فيما بعد .

استطاعت الكاتبة من خلال هذه الإشتغالات الفنية اعلاه ان تخلق مشاهد درامية مشوقة وصادمة حيث توزيع تلك المشاهد والحوارات بطريقة فنية رائعة عمقت من قوة ورصانة الرواية .

لم تكتف الكاتبة بهذه الإشتغالات فحسب بل وظفت التذويبات الشعرية داخل المتن النصي في الفضاء السردي ، حيث كان التوظيف الشعري هنا بمثابة تهيئة للأحداث والمشاهد اللاحقة بعد ان وزعت المقاطع الشعرية في بداية العناوين المفترضة ، وهذا إشتغال فني يحسب للكاتبة ويعبرعن قدرتها في ملء المساحات السردية بطريقة منتظمة وفاعلة .

الكاتبة اخلاص فرنسيس تجيد اللعبة السردية بطريقة فائقة وهذا يتضح في الكشوفات النصية اللاحقة بالثلث الأخير من الرواية بعد ان نوهت عن شخصية ( ريتا ) التي اوضحت لنا بأنها تعاني من تجربة فاشلة بالزواج سابقا ، وهذا يعطي للقارىء صورة مكتملة وواضحة بعد سرد العديد من الأحداث عن شخصية ( ريتا ) التي تعاني من ضغوطات نفسية سابقة كانت سببا واضحا في ملء فجوة كبيرة وفراغ هائل تعاني منه الشخصية ، لذلك جعلت الكاتبة من شخصياتها تتسم بالمصداقية بعد ان يجد كل ضالته حيث بروز شخصيتين رئيسيتين ( ريتا والغريب ) يتصفان بالتوئمة والتشابه في العديد من الصفات والمعاناة ايضا .

ومن جملة الكشوفات التي تحدثنا عنها في اعلاه بينت الكاتبة عن سبب اختفاء الغريب لاحقا وهذا يضاف ايضا الى درامية المشاهد بعد ان غاب عنها بطريقة مفاجئة ، ليتضح لاحقا كما أشرنا في اعلاه انه تعرض لحادث سير مروع ، لذلك تعمدت الكاتبة الى تأجيل حبكاتها الفنية لغرض خلق حالة من حالات الإدهاش وتكون ايضا بمثابة اجوبة للعديد من التساؤلات المنطقية التي تدور في خلد القارىء بعد ان تعمدت الكاتبة في اخفائها في بداية الرواية .

تعتبر رواية ( رغبات مهشمة ) من الروايات المهمة والصعبة في آن واحد كون الكاتبة تقصدت في اشتغالاتها الفنية في حصر الأحداث والحمولات السردية وجميع الروابط الجدلية في شخصيتين رئيسيتين ، لذلك نجد في هذه الرواية تهميش واضح للشخصيات المجاورة بعد ان حافظت الكاتبة اخلاص فرنسيس على ثيمة احادية غير منشطرة بأتجاهات مختلفة إلا بحدود مختصرة وكشوفات مقننة مع تلك الشخصيات .

 

كاتب من لبنان

 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *