الرئيسية / دراسات / التَّسارُرُ إلى النَّص والتَّساكُن إليه من الكتابة المحترقة إلى القراءة العاشقة – محمد إكيدر

التَّسارُرُ إلى النَّص والتَّساكُن إليه من الكتابة المحترقة إلى القراءة العاشقة – محمد إكيدر

  1. فصل المقال فيما بين الكتابة والقراءة من اتصال:

لكل كاتب خُلوته وهواجسه وأسئلته الوجودية ونظرته للعالم والكون.. والكتابة كون من هذه الأكوان التي تشغل العقول وتحير الألباب.  ولا شك أن كل كاتب اختلى، يوما، بنفسه ليتسارر إلى نصوصه، ويتساكن إليها، كي يسائلها عن سر بهائها.. ومع أن سؤال الكتابة محير ومقلق ومتمنع إلا أنه يأتي عليه حين فيبوح للكاتب والقارئ معا بسر من أسراره، ويعطي لكل منهما مساحة للتفاوض حول المعنى، والحق في هدمه وإعادة إعماره، ويفسح المجال للحوار الهادئ، والبوح الجميل، والتأمل العميق، والتدبر في هذا الفضاء المشترك بينهما.. ألا وهو النص.

وحيث إن النصوص تخضع لمنطق الاختلاف والائتلاف فلأنها تتمايز عن بعضها من حيث مياسمُها وبينوناتها وأدواتُ اشتغالها ومقاماتُها ومقاصدُها بين إخبار وإقناع وإمتاع … مما يجعل لكل نص بصمته وخارطته الجينية، وفي نفس الآن بينها قواسم مشتركة ووشائج قربى؛ إذ تتآخى في طينتها الأولى؛ لأنها ولدت كلها من رحم اللغة ورضعت لبن البيان..  ألفاظها بمنزلة العظم من الجسد، ومعانيها بمنزلة اللحم، ودلالاتها بمنزلة الدم الذي يسري في عروقها، والجمال الذي ينبعث منها بمثابة نفخة الروح التي تمنحها سر الحياة.. وحين يلبس النص ثوب القصيدة، يصير سؤال الكتابة أكثر إحراجا وأشد إعجازا؛ ذلك لأنها عصية على الإمساك كالظل، منفلتة من عقالها كالماء ، طليقة كالهواء، مستعصية على فتح أبوابها، مانعة ومتمنعة ، هلامية الملامح، زئبقية المعاني، هاربة كسرب حمام، تنط على كثبان متحركة كغزال بري تطارده فخاخ النقاد؛ خادعة كالسراب، تكتم أسرارها تحت رماد لغتها الفارهة؛ تقتحم القلب بدون استئذان؛ مائزة ومنفلتة ومثخنة بكمياء الجمال؛ مائية التكوين ودائمة التكون؛ معتقة بخميرة الفناء في ملكوت البهاء؛ معجونة ببهارات اللغة الحريرية الناعمة ، عذراء كأنفاس الصباح، تكتم لحنها خلف خمار الاستعارات، وتغمز القارئ بسهم الغرام، وتلسع قلبه بعطر المجاز  فترديه صريعا في ساحة الشهادة، مصلوبا على عمود البيان ، ثم تخفي سيف المجاز في غمد الروح.. ممتلئة بأسئلة الوجود؛ لا تحدها جغرافيا البيان ولا أبعاد الزمان المكان، ولا تحيط بها لوغاريتمات العلم ولا قوانين المنطق؛ زاهدة متزهدة، مخالفة ومختلفة؛ منسلخة من جسد اللغة المبتذلة؛ لا تتكئ على إرث السلف ولا تقدس الجاهز؛ تحرث أرض اللغة، وتسقيها بالحب، وتعجن قمح المعاني خبزا للبهاء، لتقدمه قربانا “تأكل منه الطير”.. تتقن الغواية، وتفتك بالقارئ، وتراود القارئ عن نفسه دون أن يدرك كيف ومتى ولماذا سقط صريعا في ساحة الإعجاب، مسحورا بفتنة المجاز.

بين الكتابة والقراءة رحم ووشائج قربى وحبل سُري يمنح للكلمات إكسير الحياة، وخيط رفيع من نور المجاز؛ تعمى عن رؤيته الأبصار، وتدركه البصائر التي في الصدور.. بين الكتابة والقراءة مناجاة الروح في محراب اللغة، ونهر متدفق من عين المعاني، دائم التجدد والجريان؛ لا يسبح فيه القارئ مرتين، وبحث مُضْنٍ عن معنى المعنى في طبقات النص وأعماق الوجدان، ومغامرة في فلوات البيان، وبحث دائم عن وميض البهاء ولحظة الافتتان..  بين الكتابة والقراءة مكابدة ومكاشفة وتوق متواصل إلى لمس المطلق، ورغبة في التخلص من البديهيات والمسلمات.. بين الكتابة والقراءة صلاة وطهارة من براثين المادة، وحنين إلى انوجاد الروح، وعروج إلى ملكوت الجلال، وبحث، خارج الدوائر، عن شجرة المجاز التي سُقيتْ بماء التأويل، فأثمرت فاكهة الجمال.

الكتابة عطش والقراءة ارتواء.. الكتابة ابتلاء والقراءة دواء.. الكتابة نعمة والقراءة عطاء.. الكتابة جمر واحتراق، والقراءة عشق وانتشاء.

2- ما أضيق الكلام لولا فسحة المجاز:

المجاز صهيل الكلام، ووقوف على رسم المعاني، واقتفاء لأثر الغرام في ربع البيان.. المجاز هديل الوقت، ومحارة الزمان.. المجاز قميص البهاء على وجه القصيدة، وطريق الحرير إلى أرض الميعاد ومحبرة فاض من خصرها مداد الوجود.. المجاز أجمل خطأ في التاريخ وخروج من جلبة الكلام إلى حكمة الصمت، و”شجرة توتي أكلها كل حين بإذن ربها”.. المجاز قافية الوقت، وطريق إلى طريق الأحلام..  المجاز سنبلة الوجدان؛ كلما بعثرت حباتها رياح التأويل في حقول السؤال، تفتقت سبع سنابل، في كل سنبلة مئة قصيدة..  المجاز قافلة من المعاني؛ تحمل جرار الحكمة، قادمة إلينا من جنائن آدم، كأنها غيمة شفيفة من الوجد؛ تسقي القلوب بماء المجاز، وتغسل وجه القصيدة بسلسبيل البهاء.

المجاز “لمح تكفي إشارته”، و”لمع وأدلة” و”اقتراع للمعاني”، واختراق للدوائر، وهدم للبدائه، وبناء للبدائع “وبيان وتبيين” و”تبصرة” ورسائل في همس “التوابع والزوابع”.. المجاز بيضة اللغة وبكارتها، ونسج من بهاء.. المجاز دم يتكوثر في شرايين القصيدة، وماء يروي عطش التأويل.. المجاز رغوة البيان، ورعشة الزمان، وسكرة المعاني.. المجاز سنديانة الروح وإكسير البيان.. المجاز رحلة أبدية في أرض الشساعات من الكائن إلى الإمكان.. المجاز شريعة العراء، وحكمة السماء.. المجاز هو البداية والنهاية، ولا شيء بعد المجاز إلا المجاز.

المجاز واحة فيحاء، آهلة بأسرار المعاني، تنتشي برغوة الشاي على مرجل الهيام، وتسافر في تفاصيل الحناء وراء الخرائط كلها؛ تبحث عن شجرة الطلح في جنة التأويل، تروي أساطير القدماء من كتاب العشق، وتحضن أوجاع القصيدة في خفاء حتى لا يسمع الليل أنينها، ثم تمد جدائلها الخضراء كي “تساقط عليها رطبا جنيا”؛

المجاز نور الله في الأرض وظله في السماء، كلما ارتقينا في مقاماته فاضت علينا “إشراقاته”، وغمرتنا أسماء الله الحسنى حتى الثمالة، وخطفت منا إكسير الزمن، وبعثرت أشلاءنا في بحر الهوى كي نكون وليمة لأعشاب القصيدة.. المجاز “رسائل حب” تكوي أضلعنا بأحرف من جمر، تجعلنا نتحسس أنفاس القوافي في حضرة الغياب، وهي القريبة إلينا من حبل الوريد، تتكوثر في دمائنا عرسا كأنها أميرة بلقيس في قصر سليمان؛

المجاز فاكهة الطريق، وزاد الحجيج في ركب المعاني إلى قبلة البهاء، ونشيد الصحراء في شريعة العراء.. المجاز كحل العين التي ترى ما لا يرى، وتنصب الفخاخ لمن أحبت، والحب في شريعتها جنون.. المجاز خيط رفيع من سناء، ينسج ثوب القصيدة بحرير الجنة، ويرمم أشلاء الوجدان، ويرتق تجاويف المعاني بشهقات الروح، ويسقيها كأس البيان.. المجاز غفوة جميلة على سرير الحلم، ونطفة أودعها الشاعر في رحم اللغة، ثم مضى، وحمل القارئ أوجاعها حتى صارت قصيدة.

فما أضيق الكلام لولا فسحة المجاز.

3- باب في فقه الصمت:

الصمت سنم الحقيقة، ورأس الحكمة، وبحر المعارف السرمدية.. الصمت عبادة الأتقياء، وشريعة الأولياء، ومقام الأصفياء، وجنة الحكماء التي لا يدخلها إلا المتطهرون.. الصمت اغتسال من ضجيج اللغو بكوثر البهاء؛

.. فما أبلغ المجاز حين يكون الصمت /كلاما، والغياب /حضورا، والخواء /امتلاء، والعتمة /سناء.. حينئذ يكون الإبهام /وضوحا، والأسر /سراحا، والوجع/ انتشاء، والسقم /دواء، والفقر/ ثراء، والفناء/ بقاء.. وحينئذ ينطق الصمت بصمته، ويكشف عن فتنته من وراء حجاب.

الصمت عبادة وخشوع وطهارة وإيمان.. الصمت خلوة الناسكين، وسُبحة الزاهدين، وفِقه المتدبرين في ملكوت الرحمان.. الصمت قافلة محملة بالمجاز، لا تكشف أسرارها إلا الصحراء.. الصمت أحرف من بياض، وكتابة تحت “درجة الصفر”، وامتداد المعنى في شساعات اللغة.. الصمت “هبة الفراغ” وأنين الروح في برزخ المعاني، لا تسمعه إلا الملائكة؛

الصمت عرض مسرحي خلف ستارة المجاز، وناي يكتم في الوجدان سر أنغامه.. الصمت لغة تجرَّدت من ثيابها، وارتدت إحرام بيانها، وطافت حول كعبة التأويل.. الصمت أن تنسلخ من كل شيء عدا الصمت.

الصمت نورسة قادمة من الأعالي تقرئنا من الله السلام .. الصمت زنبقة الروح؛ تتعرى في حياء، تخلع عنها وشاح اللغو، وتغتسل بسلسبيل البيان كي تصلي في محراب العيون صلاة العشق..  الصمت نبض القلب، وترجمان الأشواق، وكُحل الأحداق، ومداد البيان، ولسان الحال حين يعجز اللسان.. الصمت فضيلة، والصوم عن اللغو عقيدة، والإنصات عبادة وشريعة.. الصمت طريق إلى طريق من بهاء …  فما أبلغ الصمت حين يكون شفيفا كرداد المطر، وناعما كالحرير، ومحيرا كالمنزلة بين المنزلتين.

الصمت تسارُرٌ إلى الروح، وتساكن إلى النفس، ومنادمة للبيان حتى الثمالة، وانسلاخ من سجن اللفظ، ومعانقة لرحابة المعنى.. الصمت أفق خلف المدى لا يراه إلا العميان.. الصمت رغوة الكلام، وأنفاس النص، وسكرة التأويل حين يُعَسْعِسُ ليل البيان.

كلميم في 15 يونيو 2022

 

ناقد وأستاذ باحث من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *