الرئيسية / دراسات / الجنس في الخطاب الرّوائي – بقلم الأستاذة نجاح عزالدين

الجنس في الخطاب الرّوائي – بقلم الأستاذة نجاح عزالدين

الجنس في الخطاب الرّوائي: هل هو كشف لسرّ الوجود أم غوص في عالم الشذوذ من خلال روايتي” الرحلة 797المتّجهة إلى فيينا” و”حوش بنات ود العمدة”

بقلم الأستاذة نجاح عزالدين

 

التّمهيد
ظلّ الوعي بالجسد وبموضوعة الجنس في العمليّة الإبداعية مغيّبا، في ظلّ سيادة أنواع أخرى من الممارسات الثّقافية والإبداعية الّتي اشتغلت على التّاريخ والمجتمع والمتخيّل، وأهملت رغبات الإنسان وحاجاته الطّبيعيّة في الحياة وأنكرت عليه تملّكها وإحياءها ذهنيّا وشعوريّا عن طريق الكتابة الرّوائية.ولم يقع إيلاء موضوعة الجنس الأهميّة الكبرى في الرّواية العربيّة، إلاّ بعد مرور ثلاثة عقود أو أكثر من تبلورها في أوروبا خاصّة مع جورج باطاي+ في نطاق التّنظير لفلسفة الجسد. ومن ثمّة أصبحت موضوعة الجنس في الرّواية، ضرورة تشبه تماما ضرورة الحياة ذاتها. وشرع الكتّاب ينتخبون بكلّ حرّية العوالم الحسيّة الّتي يرغبون خوض غمارها. ويبحثون عن أسانيد فنيّة ومعرفيّة يتواصلون بها مع القارئ ويبدعون منها مناخاتهم الرّوائيّة.
إنّ حضور الجنس في الرّواية العربية تحديدا كان نتيجة، حوافز نفسية ومعرفية متداخلة يصعب حصرها في بؤرة واحدة. والجنس في اتّصاله بالرّواية العربية هو محاولة وعي بالحاجة الغريزيّة الطبيعيّة، ولا صلة له بالمحظورات بقدر ماهو إصرار على البقاء وتحدّي السلطة الأبويّة المستبدّة. وهو أيضا دافع مهمّ للتّخلّص من الخوف، ومن الاختباء وراء متاريس بعض التّقاليد الكابحة لرغبات الإنسان، وأوضاع عريه المعرفيّ والثقافيّ. لذلك كان لابدّ أن تكون الكتابة في الجنس مسكونة بهاجس الحريّة مدفوعة إليها.
وحتّى نبرهن على أنّ حضور الجنس في النّص الرّوائيّ، لا يمكن أن نعدّه وعيا جمعيا، متطابقا، وإنّما لكلّ كاتب روائيّ رسالة خاصّة يبعث بها إلى القارئ في توظيفه موضوعة الجنس، ارتأينا أن نقف عند رواية «الرحلة 797 المتّجهة إلى فيينا» لـ»طارق الطّيّب» ورواية «حوش بنات ود العمدة» لـ»سناء جعفر». وسنتتبّع من خلال هاتين الرّوايتين، مدى انعتاق كلّ منهما، من القيود المفروضة سلفا، في توظيف موضوعة الجنس. واستجلاء الطرح الإنساني
العميق، الّذي يفتح آفاقا، رحبة من التّأمّل أمام القارئ حتى ينظر في الأعمال الرّوائيّة بعين الفاحص المتبصّر والمستفيد.
-1 الجنس في الرواية اكتشاف لسرّ الوجود) رواية «الرحلة 797 المتّجهة إلى فيينا»لطارق الطيّب نموذجا
قد يصطدم القارئ، في رواية «الرحلة 797 المتّجهة إلى فيينا»، لطارق الطيب، بكتابة روائيّة مختلفة،
وجريئة، استدعاها السّياق الرّوائي. تنطلق الرواية، من مشهد حميمي، يجمع ليلى بآدم. ولم يكن هذا المشهد الحميمي محشورا حشرا لا مسؤولا، بقدر ما كان محورا أساسيا، تدور حوله الأحداث، وتنمو نموا يحقّق ديمومة توهّجها. ويقف المتلقي، الّذي كان يهيئ نفسه، لقراءة سردية نمطية، أمام هذا المشهد منبهرا، وجامدا، لا يقوى على الحراك. مشهد يلتقي فيه الجسدان وتتوحّد فيه الروح بتوأمها، في لقاء آسر، موغل في الحميمية، حتى يتحرّر فيه الجسد، من ثقل عالم المادّة. وتتخلّص فيه النّفس من شوائب الحياة المزدحمة، حتى تلتحم بعالم روحي، تنكشف فيه أسرار الوجود وخفايا الخلود، وتعلو الحواس الخمس، وتدرك ما لم تدركه في عالم الأرض المهين. «لأوّل مرّة في حياتها تتأمّل جسمها العاري بارتياح وفرح طاغيين» 1 وتخاطب نصف الروح نصفها الثاني، خطابا مخصوصا، لا يفهمه غيرهما، وتنصتان إلى قطع موسيقية، وألحان يعجز عنها أيمّة الفنّ. ولطالما كان «سقراط» يسمع بأذنيه ما تلقيه إليه الرّوح. فيثير الرّنين الّذي يحدثه صليل الأساور» شهوة الأذن». (ص8) وتتشابك الأيادي « كفّها معشوقة في كفّه»2. في هذا العالم السّحري، انعتقت حاسة الشّمّ أيضا، منتشية، تستنشق ليلى ما يفوح من تلك الشمعة الحمراء المشتعلة.
«عطرا أخاذا لم يسبق لها أن شمّت مثله عطر الجنّة يجتاحها فيرتعش جسدها»3. تتحرّك روحهما بلا انقطاع، في زهو وانتشاء، فتعي حقيقة الجسد وتدرك أدقّ تفاصيله. هي»عارية دون أن تشعر بأدنى خجل» 4و»هو إلى جوارها مسترخ وادع وقد انتظمت أنفاسه الصاهدة وهدأت»5 يستمرّ هذا الانجذاب فيتفطّنان لأوّل مرّة إلى حلاوة الملمس»فيصير خلفها يمسّها بصدره من ظهرها ويضع ذقنه في ثقة على كتفها فتشعربشعر ذقنه يشوكها بلذّة وبأنفاسه تلفحها بوداعة على جيدها يشعر بحلماتها تمسّ ظهرهمهيبا مخدّرا» 6لقد كانت نصف روح آدم متناغمة مع نصفها في جسد ليلى،ويتخلّص كلّ منهما من أعباء الماضي، وقد تولّد لديهما وعي جديد بالوجود. فلم يعد يعبأ بالأقاويل،ولا الشّائعات، ولا عتابات ذوي العقول الضعيفة، فصوّر السّارد لقاء ليلى وآدم وقد التحمت روحهما بروح الوجود، فتخلّصت من عادات المجتمع البالية، ونمطيته المقدّسة، وخداعه اللاّمحدود، وهيمنته الذكورية. فتبدّدت المخاوف، من التّجريم والتّحريم والترهيب والتّهديد. كانت ليلى مثل الكثيرات من الزّوجات العربيّات، مجرّد جثّة هامدة، «تشعر أنّها من داخلها تهرم وتشيخ، أسرع ممّا يبدو على شكلها الخارجي، كانت روحها تكتئب تدريجيّا، وتخشى عليها من الاحتراق التّام». روحها كانت تواقة للانجذاب،ولكنّها لم تشعر به وهي زوجة فاروق «تعرف أنّه حتّى إذا امتلك عواطف جيّاشة تجاهها،فما كانت عواطفه لتسعدها.

ربّما لأنّ الرّجل، أيّ رجل، كي يصل إلى قلب امرأة يجب أن يمرّعبر عقلها أوّلا، وتقتنع به قناعة مطلقة، لا تشوبها شائبة، وربّما لأنّها ككلّ النّساء، توقّفت عندهذه النّقطة، وبحثت عن شمّاعة تعلّق عليها تعاستها»7 فهم آدم وليلى بخلافالكثيرين المعنى الحقيقي للصدق واستنشقا معا عطر الحرّية وأنصتا معا لموسيقى قلبيهما،فارتفعا معا إلى سماء لا يطؤها إلاّ المطّهرون، من أدران عالم المادّة، حيث يسكن النصف إلى نصفه، فيتّحد الجسدان وتضمحلّ الحدود وتتشكّل روحا واحدة، وكأنّّنا بالسّارد يستدعي وجهة نظر بعض الفلاسفة الّذين يعتبرون أنّ «الله خلق الأرواح جملة واحدة كهيئة الكرة ثمّ قسّمهاأجزاء بين الخلائق فإذا التقى الرّوح قسيمه أو شقيقه أحبّه لاتّفاق القسمين وازدواج الجزئيين، فيكون ذلك الالتئام، الّذي لا فتور معه وكذلك إذا قرب منه أو دنا من قسيمه فبحسب ذلك يكون وقوع المودة وتصادق المحبّة 8»(كتاب في أفانين الهوى، نجاح عزالدين نصيري ص 26).
تسأنس الروح بالمكان «الّذي يبدو للكثيرين حجرة عاديّة خالية من الأثاث …»9 ولكنّها تشعر فيه بالأمان. هي»حجرة حيّة ذات روح، يدخلها المرء فتحضنه، بحنان وتشعره بإحساس طمأنينة وأمان، ونسيان لكلّ العالم خارجها».10ينادي هذا المكان ليلى نداء خفيّا «لا تدري السرّ الّذي جعلها تفتح الغرفة البعيدة في بيت آدم» 11. فيعمّ الصّمت ويخاطب نصف الروح قسيمه، خطابا غير مسموع، «لم ينطق بحرف واحد ليوقفها أو حتّى يومئ ليمنعها برفق»12
كانت هذه الحجرة، هي المحطّة الأخيرة لرحلة سنوات من العناء، مع زوج لا يأبه بها طوال فترة الزواج. «فاروق ظلّ طوال هذه السّنوات يعتبرني مخلوقا ناقصا، فاعتبرته بالمقابل مخلوقا زائدا»، ومع أخيها ياسين الّذي لبس لباس الجدود الأوّلين ونغّص عليها أحلى فترات حياة يمكن أن تعيشها أنثى، في فترتي المراهقة والشّباب. ها هي الآن تلقي بمجدافها.وتحطّ على أرض صلبة تليق بأحاسيسها وتسع حلمها لتعيشه كلّه. فالأحلام الّتي تلبّستها وراودتها، «لا تأتي من فراغ ولا تذهب لفراغ».13 تنقاد لحلمها الآن. وتحقّقه على هذه الأرض الّتي اختارتها روحها لتتوحّد مع روح الوجود. فتضحي جريئة متخفّفة من كل عبء تقول:»أمّا ما تبقى من روحي فقد حار ما بين جسم لا يستقرّ فيه وقلب لا يسعه، فبقيت روحي تحوم في فضاء بلا أرض تقف عليها حتّى استقرّت عندك وفيك يا آدم»14
وكذلك كان هذا اللّقاء الجنسي الحميمي، عند آدم هو نتيجة بحث عن الذّات دام سنوات. لقد أدرك آدم، أنّه أضاع عمرا هباء، تائها وحائرا، وقد صرّح بذلك قائلا: «ظننت فقط مرّات أنّني أضعت زمني في مكان غير صحيح، أو مع نساء خطأ. معظم من التقيتهنّ كان بهن شيء ممّا أحببته، لكن غاب عنهنّ أغلب ما تمنيت لذا لم ألتق بامرأة كاملة من وجهة نظري ورغبة قلبي وروحي» 15 ولم تكن ليلى ككلّ النّساء اللائي عرفهنّ يبوح لها ويخبرها «أنت تختلفين يا ليلى في الأهمّ، معك أفكّر فيما ينقصني، لعلّ القدر وضعك في طريقي لأكتشف نفسي في مرآتك وأعرف ذاتي عبر لغتي الأصيلة»16
وكأنّنا بآدم وليلى في حالة توحّد يحيلنا عليها الفكر الصوفيّ حيث أفصح هذا المشهد عن مذهب وحدة الوجود الّذي كان يدين به صنف من الصوفيين، معلنين أنّ لهم حالتين مختلفتين: حالة الصحو وهي حالة اليقظة الاعتيادية الّتي يعيشها كلّ من آدم وليلى في العمل وفي البيت وفي الشارع، وما يترتّب عن ذلك من علاقات مختلفة مع الأصحاب وأفراد الأسرة الواحدة، وما يتولّد من تجارب متنوّعة. أمّا الحالة الثانية، فهي حالة الغيبوبة الّتي يتحقّق فيها الحلم وهي تشبه النوم والسكر المباح، والأحلام الّتي يتلقّيانها «ينظران لها بتباين جميل» وآدم لا يفسر هذه الأحلام بل يعيشها باعتبارها «عمرا إضافيّا منحه المنام «وأمّا ليلى «فهي تفسّر الأحلام بحسّ المرأة الباحثة عن المستقبل …»فالأحلام لها مثلما له»
وما مشهد الرقص الّذي كانت القطّة إيزيس الوديعة تباركه وهي تطوف حولهما إلاّ تعبيرًا من تعبيرات حالة الوله القصوى والوقوع في حالة الغيبوبة، حسب المفهوم الصوفي للعبارة، فتنصهر روحهما ويغيبان عن إدراك العالم الخارجي من فرط الحبّ للذات العليّة والتفاني فيها، ويعدّ هذا الانصهار من قبيل ما رواه ابن خلكان عن الغزالي :
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا»17(عبدالله حسين، التّصوف والمتصوّفة ص37)
ليلى انتصرت على الوهن، والعجز، بالحلم. « شعرت أنّها اغتسلت في غيابها لصالح ولديها وأنّ العلاقة قد دوويت بالمسافة وعولجت بالحبّ الحقيقي الغامر لقلبها وروحها» 18
بتحقيقها للحلم استطاعت أن تستجلي الحقائق وتدرك المعارف وتخرج من حالة الجهل «أدركت أخيرا أنّ الجنّات هنا على الأرض قبل أن تكون هناك، في سنوات الغياب للمرّة الأولى منذ سنوات بعيدة تشعر بالحضن الّذي يرأب الصّدأ، تشعر بأنّها عادت أقوى وأنّ طاقتها تجدّدت وتفيض، وأنّ الخواء غادر روحها»19
يظلّ الكاتب الرّوائي العربيّ حذرا ومتوجّسا من ردود فعل قرائه، فيضطرّ أحيانا إلى إضفاء شيئا من التّشريع الدّيني على هذا المشهد الجنسي كما هو حال طارق الطّيّب، حيث يعتبر هذا اللّقاء من تدبير اللّه وهو قدر إلهي لكليهما وما على ليلى إلّا «أن تشكر اللّه هبة تدرك الآن معناها الصّحيح والعادل لحكمة الرباط بين الذّكر والأنثى»20 وكذلك يلفت النّظر إلى أنّ اللّقاء الّذي جمعهما منذ ثلاث سنوات يندرج ضمن باب الإشارات الإلهية المبشّرة بهذا الاتّصال الحميمي « إنّها قد بدأت منذ زمن بعيد في السّير نحوه لتجتاز اختبارات إلهية لتصل روحه»21 ويسترسل الكاتب الرّوائي في خطاب تبريري، مصرّا على اعتبار هذا اللّقاء مستلهما من قصّة آدم، حوّاء، « حتما قام آدم وحوّاء بالطّقس نفسه في لقائهما الأوّل على الأرض»22 . إذن لم يكن هذا اللقاء الجنسي مدنّسا ولا مخالفا لمشيئة الله، بل هو قدر إلهي لكليهما. ويزداد إصرار طارق الطّيب على إضفاء طابع الشرعية على هذا اللقاء الجنسي أيضا باعتماده على المعجم الديني بكثافة حتّى يبرهن اأنّه لا يخدش حياء فئة المحافظين من القرّاء ويجعلهم يستأنسون بالحديث عن الجنس الّذي يظلّ عندهم موضوعا ممنوعا وأمرا حميميّا لابدّ أن لا يتجاوز غرفة النّوم، فنجد عبارات من قبيل الجنة والروح والنفس واللّه « عطرا أخّاذا لم يسبق لليلى أن شمّت مثله عطر من الجنّة يجتاحها فيرتعش جسدها»23ولعلّ الكاتب ارتأى هذه الخطّة السّرديّة، حتّى لايصدم القارئ المسلم، الّذي يعتبر دوما الخوض في مسائل الجنس من الممنوعات، والمحرّمات، ومن ثمّة يجد الرّوائي، لنفسه مكانا، يخترق من خلاله عقولهم المتحجرة.
بهذا ألا يحقّ لنا إذن أن ننزّل ذلك في خانة التبرير والتّشريع الديني الّذي احتاجه بعض الفقهاءوالمتصوّفة والفلاسفة والأدباء المسلمين في الإرث الأدبي والفلسفي والديني العربيّ، حتّىيسلموا من الأذى المسلّط على الرّقاب؟ أولا يحقّ لنا أن نعتبر أنّ علاقة السّارد بالدين هي علاقة سلمية تجعل القارئ لرواياته يشعر بالارتياح والأمان ويتفادى علاقة التّوتّر والارتباك؟2 الجنس هو غوص في عالم الشذوذ في رواية»حوش بنات ود العمدة»سعت سناء جعفر في هذا السّريد إلى البوح والحفر، تصالحا مع ذاتها وأملا في بثّ الوعي.هي لاتقدّم حلولا ولكن تعرّي العورات الحقيقيّة لمجتمعها.وهي لا ترى كما يرى البعض أنّ الخوض في قضايا الجنس في الأدب من القضايا المسكوت عنها بل انفتحت هذه الكتابة السردية على الحياة باعتبار الجنس من القضايا الإنسانية. وتقتحم الكاتبة تجربة الكتابة في عالم الجنس متخلّصة من عقدة الحشمة بين الأوساط النّسائية.
في هذا الحوش الّذي يمثّل نموذجا مصغّرا للمجتمع السوداني تلتقي ثلاثة أجيال:
الأجداد، و الآباء، والأحفاد، تتوارث كلّها المعاناة جيلا عن جيل وتعيش كلّها في حلقة مفرغة من العقليات المتحجّرة القائمة على التّحريم والتسلّط والكبت والعنف. تفضح سناء جعفر عديد الممارسات الشّاذة وتطلّ على عوالم يهان فيها جسد المرأة ويختزل وجودها في إثارة شهوة الرّجل الجنسية، فيعملون على قبر غرائزها وأحاسيسها الجنسية، مدّعين المحافظة على شرفها بحفاظها على بكارتها، باسم الدين، والعادات والتّقاليد، وباسم الجاه والحسب والنّسب، وباسم الوصاية والقرابة. عالجت سناء جعفر مسألة الجنس في علاقتها بختان المرأة، وما آل إليه من اعتداء جسدي ووسيلة قهر وطريقة لإخضاع المرأة وطمس لطفولتها، ويعلّمونها أنّ جسدها لا تملك حريّة التّصرّف فيه. وفي وجه أخر من وجوه طرح هذه المسألة، تناولت المثلية في المجتمع السوداني، كمسألة محظورة، وهي تطرحها بحذر، وواقع متجسّد في الحياة البشرية.
أ-ختان الفتيات:
ولايقلّ موضوع ختان الفتيات، أهمية عن جملة ما طرحت سناء جعفر. فأسالت الكثير من الحبر حوله، مجسّدة ذلك في مشاهد بشعة، ومؤلمة، تغتصب فيها الطفولة المبكرّة، وتخنق البراءة. ويتلاشى الإحساس بالأمان. وتشتكي الطفلة، من حدّة الألم لأمّها، فتنهرها «. وتنتقل الفتاة من «طفلة، تضجّ بالحياة» إلى جسد مشوّه بلا روح». أحسّت ابنة السّابعة بالحيرة .. وسرعان ما تحوّل إحساسها، إلى ألم حاد وصرخات مذعورة أطلقتها. بينما كانت الداية تقتطع لحمها، بحضور أمّها…لم يتوقف صراخها.. لكنّه انعكس وأصبح موجها إلى داخلها .. لم تعد تصدر صوتا»24. وتستمرّ معاناة الفتيات في سن العاشرة «وتجدّد موعدها مع الألم»يستقبلها الوحش المسمّى «الشلاخة» الّتي تشوّه وجهها وتدّعي أنّها تبرز جمالها «حفّزتها بكلمات مبهمة عن مدى أهمية هذا الطقس ودوره في إبراز جمالها ونقلها من دنيا الأطفال إلى عالم النساء». 25 كانت الفتيات يتعذّبن ويمارس عليهن أبشع أنواع التّعذيب ولا يجدن مخلصا ويحاولن الإفلات فلا مناص من الألم حاولت السرة وهي في سن العاشرة «أن تتملّص وتفلت من الألم الّذي مزّقها لكن مساعدات الشلاخة القويات قمن بتثبيتها حتّى خارت قواها لحظتها تمنّت الموت حتّى خلّص من الألم.»26 فبأي ذنب عذّبت هذه الطفلة ؟ لماذا تمارس مثل هذه الطقوس في حق الأنثى؟ كيف السبيل إلى تخليص عالم المرأة، من ظلم حكم الجماعة؟ متى تراجع هذه الأوهام؟ لماذا يلفظ هذا المجتمع العقل ويستسلم إلى ترهات؟ أسئلة كثيرة تطرحها سناء جعفر وهي تجسّد هذه المشاهد الرهيبة التي تستسلم إليها المرأة لأنها تأبى التغيير وتختصر وجودها في الزواج ومهادنة من حولها والانصياع لثقافة القطيع.
ب-المثلية الجنسية:
لا تجد سناء جعفر حرجا في الخوض في مسألة المثلية الجنسيّة الّتي نبش في أغوارها كل من شخصيّتي حبيبة وإبراهيم، وأوعزت سناء جعفر مثلية إبراهيم إلى أسباب تربوية واجتماعية حيث افتقد إبراهيم كل إحساس بالحنان من قبل عمّه وعانى الإهمال من أمه واستقالتها من تربيتها له فافتقد التوجيه والإحاطة العاطفية فخلّف كل ذلك اهتزازا واضطرابا في شخصيته خاصّة بعد ارتمائه في حضن الأخوين المثليين عبد الرزاق وعبد الستّار ولم تعلّل الكاتبة أسباب مثلية هذين الأخيرين، ولعلّها تجنبت التعرّض، إلى الموقف الذي يقرّ، بأنّ هناك أسبابا طبيعية تتعلّق بالخلق، وهي خارجة عن النطاق الاجتماعي. وطبعا عذرها واضح باعتبارها تؤسس لمشروع بناء، يبحث في الأسباب العملية، حتى يتسنى التشييد والتّصحيح.
وثانيا يبدو أنّ جرأة سناء جعفر خذلتها فتهيبت من ردود ليست مهيئة لمواجهتها فمجتمعاتنا العربية والإسلامية، في عصرنا الراهن مازلت تعتقد أن المثلية مرض اجتماعي وجسدي يمكن الشفاء منه.يعدّ هذا المشروع التصحيحي هدفا من أهداف هذه الكتابة والدّاعي إلى تغيير العقلية. برهنت سناء جعفر، في هذا الإبداع السردي، قدرة فائقة على الغوص في أعماق المجتمع السوداني. فعرّته في مستوياته المختلفة، فخلصت إلى أنّ هذه النظرة إلى الجنس هي نتيجة عدّة أمراض اجتماعية، ونفسية، وعقائدية، ووراثية، وفكرية، والحلّ لن يكون سحريا وليس مستحيل المنال، بقدر ما هو متوقف على تغيير العقليات، ولم تخش سناء جعفر في هذا السريد البوح. ووطئت آفاقا لا حدود لها وراهنت على الإنسان والإنسانية لتأمل في التحرّر، كما أثبتت سناء جعفر، أنّ الإبداع الأدبي الجريء، ليس حكرا على جنس دون غيره، ولا على فئة دون أخرى، وأنّ الأدب إنساني، وكما يصلح له الرجل تصلح له المرأة.
سناء جعفر في رواية «حوش بنات ود العمدة» لا تكتب باعتبارها امرأة بل هي روائية تحمل رؤية وفكر ورسالة تؤمن بأنّ الإبداع مطلق في الزمان والمكان.
الخاتمة:
يطرح كلّ من طارق الطّيّب وسناء جعفر مسألة علاقة الفرد بالجسد، إذ تبدو علاقة معطّبة. لا يعتبر فيها الجسد جزءا من وجود الفرد، فيبدو كأنّه حمل ثقيل يخجل من حمله. هكذا تنظر أغلب المجتمعات العربية والمسلمة خاصّة إلى الجسد. وقد ساهم السّياق الثقافي والاجتماعي، بمعتقداته الدّينيّة، وأعرافه، وعاداته المتوارثة، في اعتبار الجسد عورة ومجرّد وسيلة للإغراء وإيقاظ الشّهوة الغريزيّة، وهو أداة الشيطان، لغواية المؤمن في الدنيا، لا في الآخرة، وإبعاده عن عبادة اللّّه، والتّقرّب منه. هكذا تنامى الإحساس بالخجل من تضاريس الجسد عند المرأة بالأساس، وازداد قمع المجتمع للجسد، بالتّحريم، والتّجريم، وكبت كل الأحاسيس الطّبيعيّة. يراجع الرّوائي هذه العلاقة ويضعها في إطارها الحقيقي. فيجعل طارق الطّيّب ليلى تكتشف أنّ الحقيقة ليست نهائية وأنّ حقيقة الجسد مخالفة لما لقّنوها إيّاها. تتصالح ليلى مع جسدها فتعيش أحلى فترات حياتها وتنتقل من مشهد، بائس، كان الجسد فيه، متواريا معفّرا ومتهالكا، ومتعبا. لقد جاء هذا المشهد الجنسي الأوّل، عميقا لا إقحام فيه، أعطى فيه الكاتب للجسد معنى مغايرا كجزء من التركيبة الفيزيولوجية
والبيولوجية للإنسان في طمأنينته وفي قلقه الوجودي. وكذلك قادت سناء شخصياتها، إلى التّمرد، أملا في تحقيق واقع آخر ترفض فيه المرأة أن ينكّل بجسدها، واعتباره جزءا منها. وكان تطرّق سناء جعفر في روايتها إلى الجنس ثمرة للرّفض لما هو سائد والتّوق إلى ما لم يقل أي إلى «اللاّمفكّر فيه» على حدّ تعبير ميشال فوكو.
بهذا لم يكن التّطرّق إلى الجنس، في هاتين الروايتين، تسويقا لأفلام الجنس البورنو الممنوعة بحجّة الجرأة، ولم يكن ضلعا سهلا للاختراق، حتّى لا يتورّط الكاتب في الدين والسّياسة، فيهدّد حياته. ولا أعتقد أنّ طارق الطّيّب، أو سناء جعفر، كانا يتناولان الجنس، كطريقة سريعة للشهرة والترجمة، للدّخول إلى السوق الأوروبي والأمريكي، بل كانت هذه الكتابة مغايرة للسّائد، وجريئة فعلا، في سياق سلس ومقبول ومنسجم مع رسالة الكاتب.
استطاع هذان الكاتبان، أن يتناولا موضوعة الجنس بطلاقة، وحريّة، وبوعي مؤسّس على المعرفة به، وبوظائفه، وأبعاده الفنّيّة والباطولوجيّة. فخلقا كتابة ذات مستوى سردي متميّز، ومضمون جريء، يضيف شيئا إلى العالم. __

الهوامش:
1 طارق الطّيّب، الرحلة 797 المتّجهة إلى فيينا، دار العين للنّشر، القاهرة ط1، 2013، ص7.
2 نفسه، ص8
3 نفسه، ص8
4 نفسه، 7ص
5 نفسه، ص7
6 نفسه، ص9
7نفسه، ص233
8 نجاح عزالدّين نصيري، في أفانين الهوى ، دار دال ،اللّاذقيّة، سوريا، ط1، 2019، ص26
9 الرحلة 797 المتّجهة نحو فيينا، ص8
10 نفسه ص8
11 نفسه ص8
12 نفسه ص8
13 نفسه ص8
14 نفسه ص8
15 نفسه ص325
16 نفسه ص 323
17 عبد الّله حسين، التّصوّف والمتصوّفة، علّيسة للنّشرو التّوزيع تونس، ط1، 2018، ص37
18 الرحلة، ص331
19 نفسه، ص331
20 نفسه، ص 323
21 نفسه، ص323
22 نفسه، ص 17
23 نفسه، ص8
24 سناء جعفر، حوش بنات ود العمدة، الرّاوي للنّشر والتّوزيع، ط1، 2018، ص76
25 نفسه، ص75
26 نفسه، ص77

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *