الرئيسية / دراسات / الرؤية الصوفية مدخل لقصيدة “ارفع السيف للزمان..” للشاعرة المصرية روح محمد – خديجة السعيدي

الرؤية الصوفية مدخل لقصيدة “ارفع السيف للزمان..” للشاعرة المصرية روح محمد – خديجة السعيدي

الرؤية الصوفية مدخل لقصيدة “ارفع السيف للزمان..” للشاعرة المصرية روح محمد خديجة السعيدي

 

 

التصوف، من وجهة نظر أدونيس، مرتبط بما هو خفي؛ وهذا “الخفي” لا يمكن له إلا أن يأسرنا لخفائه، ولا يمكن له إلا أن يشوِّقنا لبُعده واحتجابه، خصوصًا إذا ما تم ربطُ هذا “الخفي” بخفيٍّ آخر، وهذا المحتجب البعيد بمحتجب بعيد آخر، وهو الشعر.

وقد تبنت الشاعرة روح محمد في قصيدة ” ارفع السيف للزمان ” رؤية صوفية، وبنت قصيدتها على مسارين اثنين، يفترقان ثم يلتقيان، يتناقضان ثم يتوحدان.

يبدأ المسار الأول (من البيت 1 إلى البيت 3)، وهو مسار موجه إلى تحفيز الذات على الاقتحام ومواجهة الصعاب للوصول إلى المقام المنشود، حتى وإن كان هذا الاقتحام صعبا، تحوم حوله شبهة التجاوز والإثم، وقد رافقت هذا المسار أفعال دالة على الحركة وظفت فيها الشاعرة استعارات القوة والشجاعة والاختراق: (رفع السيف – ركوب الريح – الاختطاف – ترك لجام الشعور – الاختطاف – الركض…).

ولا يتحقق المسار الثاني في القصيدة إلى عبر المسار الأول، إنه مشروط بمعاناة الذات، وهي تحارب الأهوال في طريقها، وتقترف الذنب دون حذر ولا تردد أو خوف:

مد كفيك في دمي لا تحاذر         هو ذنب.. فكن فتى.. واقترفه.

ويمكن القول إن المسارين معا تؤطرهما جدلية الموت والحياة، إن قتل مشاعر الجبن والخوف والحذر، هو ما يقود إلى الظفر بالمقام الأسمى:

سوف تجتاز بعده لمقامي       فاخلع الثوب في المقام وطفه

ومن هنا تزول الصعاب في هذا المقام، وتحضر مظاهر التوحد والابتهاج بوصول الذات إلى مقصودها، حيث يهيمن المعجم الصوفي ومقاماته، عاكسا تلك الفرحة العظمى بلذة الوصول، عبرت عنه الشاعرة في البداية بتلك (الاستعارة المائية)، وهي تصور انبجاس الماء المبارك من العيون (البيتان 4 و5)، ماء يطهر من “الخطايا التي اقترفتها الذات في رحلة وصولها، يزكيها ويكتنفها” (البيتان 6 -7) و”يحول نزوة القداسة إلى “عنفوان مطهر” (البيت 8)،

وعبرت القصيدة عن توحُّد الذات مع المقام الأسمى من خلال استعارة (الخمار واللباس)،  لتغدو الذات ملتحفة بالخمار المقدس،  وهي ترفل في الجنة المبتغاة، في تناص مع الوجود الأول للإنسان في الجنة:

خذ خماري على عرائك سترا   وترجل بمسجدي واعتكفه.

في هذا المقام يطيب العيش، في جنة دانية القطوف، عجيبة الجنى، يخترقها نهر متفرد لا تتأتى مشاهدته إلا للعارفين الذين كابدوا طريق الوصول:

هذه جنة عجيب جناها         نهر سحر، إن لم تزر لم تصفه.

هكذا تختزل الشاعرة وفق هذين المسارين تجربتها الصوفية، التي اتخذت كذلك طابعا سرديا، حيث هيمن السرد في المسار الأول، توججه تلك الأفعال الدالة على قوة الفعل والاختراق؛ في حين هيمن الوصف في المسار الثاني، حيث وصف مباهج المقام الأسمى وملذاته بعد انتهاء رحلة العبور ومعاناته.

شاعرة وناقدة من المغرب

 

اِرفَعِ السَّيفَ لِلزَّمَانِ.. وقِفْهُ

وَاركَبِ الرِّيحَ فِي المَدَى.. لَا تَخَفْهُ

 

لَا تَقُل: سَوفَ..

“سَوفَ” تَهدِرُ عُمرًا..

هُوَ يَومٌ مِنَ الحَياةِ اختَطِفْهُ

 

دَع لِجَامَ الشُّعُورِ.. واركُضْ بِحَقلِي

وتَوَغَّلْ بِبَيدَرِي واكتَشِفْهُ

 

مُدَّ كَفَّيكَ فِي دَمِي.. لَا تُحَاذِرْ

هُوَ ذَنبٌ.. فَكُنْ فَتًى.. واقتَرِفْهُ

 

سَوفَ تَجتَازُ بَعدَهُ لِمَقَامِي

فَاخلَعِ الثَّوبَ فِي المَقَامِ وطُفْهُ

 

وتَمَهَّلْ عِندَ انبِجَاسِ عُيُونِي

ذاكَ مَاءٌ مُبَارَكٌ.. اِرتَشِفْهُ

 

سَوفَ يَمحُوكَ مِن كِتَابِ الخَطَايَا

ويُزَكِّيكَ.. فَارتَعِشْ.. واكتَنِفْهُ

 

خُذْ خِمَارِي عَلَى عَرَائِكَ سِتْرًا

وتَرَجَّلْ بِمَسجِدِي واعتَكِفْهُ

 

هَذِهِ نَزوَةُ القَدَاسَةِ فِينَا..

عُنفُوَانٌ مُطَهَّرٌ.. لَا تَعَفْهُ

 

هَذِهِ جَنَّةٌ عَجِيبٌ جَنَاهَا

نَهرُ سِحرٍ.. إنْ لَم تَزُرْ.. لَمْ تَصِفْهُ..

 

 روح_محمد شاعرة من مصر

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *