الرئيسية / أصوات / الزمن يتغير – إيمان أوگريش

الزمن يتغير – إيمان أوگريش

كان الجو حارا، ويمكن للمرء أن يلاحظ لمعان جبينه، وبروز بقعة في صدره تكبر، وتكبر إلى أن تغطي ثيابه كلها. وعندما يحس ببرودة تلك البقعة التي تكبر، يلعن دين أمها، ويبصق، فيمتد خيط رقيق من فمه حتى أسفل قدميه، يقطعه، ويلعن دين أمه أيضا.
وقد استطاع هو أن يريح جسده فوق أرضية المحطة الباردة، ويستمتع بتلك البرودة التي تخترق مسام جسده المتسخ. يبتسم ابتسامة حقيقية، وليست مفتعلة. إذ ذاك فكرت أن الابتسامة شيء سهل. ولكن، الأفواه تختلف، والظروف كذلك. كانت المحطة مليئة بأمثاله. هناك من يضحكون، ومن يبكون، ومن يصرخون، ومن يلعبون.
وقتئذ، فكرت أن العقول هي الأخرى تختلف. الآن، الساعة تجاوزت الخامسة. إذ أن البقعة/البقع اختفت، كأنها لم تكن.
شتمه الشرطي، ركله في فم معدته الفارغة، وجه له سبابته؛ مما يعني أنه حذره، لكنني لم أسمع شيئا، لربما قال له «اخرج من المحطة، إنك تشوه صورة المدينة»، أو «سر بعيدا، إن رائحتك تزكم الأنوف». ثم أمسكه من تلابيب قميصه، فتمزق، ورماه بعيدا. كنت أراقبه، وهو يعرج، وبين الفينة والأخرى، يغمض عينيه، ويمسك ببطنه.
وقف أمام صندوق القمامة طويلا، التفت يمنة ويسرة، ثم نبش في القمامة، عثر على عنقود عنب عفن، وقنينة بها ماء أصفر، فتحها، أغلقها، ثم طوح بها في الهواء، وألقاها بعيدا.
جلس بجانب القمامة، ملأ بطنه، تجشأ(ظننته سيتقيأ)، ثم كشف عن بطنه السمراء. كانت تزينها خطوط سوداء وبقع، لربما آثار حروق قديمة. سرته تندفع إلى الأمام، لا شك أنه كان يبكي طويلا في صغره. رأى شرطيا آخر.

جرى، وهو يضغط على قدمه، رغم أنه يتألم. وصل إلى زقاق فارغ، تحرر من حذائه الممزق. قدمه تنزف بغزارة. لطخت الأرضية. توسد حذاءه، واستسلم للنوم. النوم هو دواء أمثاله.
-مسكين، الله يعفو عليه.
قالها، ووضع بجانب رأسه درهما، وراح يكنس شوارع المدينة.
أحسست وأنا أتأمل تقاسيم وجهه، من بعيد، أن الزمن يتغير. من قال سيحصل له هذا؟. ولكن هذا حال الدنيا. لا نعلم ما تخبّئ لنا.
فتح عينيه، فركهما، بال على الحائط، المكتوب عليه « ممنوع البول، وشكرا»، وابتسم. أدخل رجليه في حذائه، أخذ الدرهم، و هو يفكر أن يشتري بها خبزة ساخنة في هذا الصباح البارد. وهو يسير نفخ في يديه وفكرهما.
-اعطيني ديك الدرهم لي عندك.
-لا، هذا رزقي.
وأكمل طريقه نحو المخبزة. ضربه على قفاه بحجرة، وتركه منشورا، غارقا في دمه.
استيقظ وهو يقول:» أين أنا؟».

من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

أَحْلامٌ جريئةٌ – زكرياء بن الهرية

أثْمَلَتْنِي فَاقَتْ حُدودَ الخَيالِ الرَّحِيبة وَخَفْفَتْ وَطْأَةَ الْحِرمَان مِنْ بَينَ ضُلوعِي الكَسيرة أَحْلامٌ جَريئةٌ أَيقظتني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *