الرئيسية / دراسات / السردي وتجلياته في شعر محمد الشحات نماذج شعرية مختارة – محمد دخيسي أبو أسامة

السردي وتجلياته في شعر محمد الشحات نماذج شعرية مختارة – محمد دخيسي أبو أسامة

تقديم
كيف يقدم الشاعر قصيدة ذات نفَس سردي؟
كيف يستطيع الشاعر أن يلهم القارئ بعدا حكائيا، يميز فيه بين النص ذاته وباقي النصوص المرجعية؟ أو بين القصيدة وأحداثها الخارجية؟
أسئلة قليلة، لكنها تحمل من الوظائف ما يبرز قيمة النص الشعري الحكائي، أو السردي بمعنى آخر. فالشاعر محمد الشحات مبدع من طينة المزاوج بين الشعر شكلا، والسرد معنى، أو الشعرية السردية إن صح هذا التعبير.
وقراءتنا لمجموع أعماله بعد الاطلاع عليها رقميا، ولَّد لدينا الانطباع الأولي؛ أنه شاعر يخلق الحدث، ويوزعه على الأسطر الشعرية، ليخلق الرابط بين الزمان والمكان، ويتحدى فعل الحوار لينسج العلاقات المشهدية.
لذلك حاولت أن أضيق مجال البحث والدراسة، إذ كلما اتسعت دائرة القراءة، كلما فرضت تيمات مختلفة ومتعددة، ولكما ضيقنا هذا المجال كانت الدراسة أكثر دقة. لأجل ذلك اخترت مجوعتين شعريتين، هما: «يكتب في دفتره»1 و«رجفة المقامات»2 عينتين يمكن أن تكونا عنوانا لشعر الشاعر محمد الشحات عامة.
يقول جاكبسون في كتابة الشعرية: «إن قص أحداث غير لفظية لا يطرأ عليه -إذن- تنوع في الصيغة (بل كل ما يطرأ عليه إنما هو تنويعات تاريخية تُنتِج، بنجاح متفاوت وبحسب مواضعات العصر، وهم ‘الواقعية’). إن الأشياء لا تحمل بأية صورة كانت أسماءها مخطوطة عليها. وبعكس ذلك، فإن لقص الكلام أنواعا متعددة. لأن الكلام يمكن أن ‘يقحَم’ بضبط متفاوت الأهمية.»3
جئت بهذه الكلام لهدفين:
أولهما: إعطاء الأولوية للسرد غير اللفظي، وهنا نسلط الضوء على الأشكال الرمزية والتلميحية وغيرها؛
ثانيهما: تنوع أشكال السرد أيضا.
وقد لا ننتبه كثيرا إلى كون السرد، بكل أشكاله صورة تنميطية للحكي. والحكي أو الحكاية مرتبطان بالحدث والشخصية، وهما متحولان بقدر تحول السير العادي أو الاستثنائي في الزمان والمكان. ويأخذ في الغالب شكلا نثريا، يسهل التعامل معه لتحليله. لكن حين يصل إلى درجة الصفر في التعبير، يشكل بؤرة مجازية يتم اللجوء في قراءته إلى التأويل. والهيرمينيطيقا بوصفها منهجا قرائيا وتحليليا، تعاملت مع النص الديني واستجوبته للخلاص من ضغط اللفظة والعبارة.
لكن الحديث عن المجاز والتأويل، أربك النص الأدبي، وكرس فكرة التأويل، للحديث عن السرد الشعري. وهو النص الذي يعالج فيه الشاعر الحدث بصيغة تلوينية وجمالية. يخرج فيها عن إطار المتتالية السردية المعتادة، إلى سير استثنائي؛ يجهل القارئُ فيه الخيطَ الرفيع الذي ينتظمه. لكن في الوقت ذاته، تحرك عواطفه وأحاسيسه أمام السير غير العادي للنص، وللسرد فيه بصفة خاصة.
قراءتنا لنصوص الشاعر المصري محمد الشحات، لا تخرج عن هذا الإطار، وهي توكل القراءة لنهج جديد في التعامل؛ نقوم بتجريبه والوقوف عند درجة امتلاك القصيدة أفق القراءة المتعددة؛ سردا وتلوينا للدلالة.
البنية الحكائية
لن نخوض هنا في تعريف البنية الحكائية، وانتقالها من حيز الوجود الذهني التخيلي، إلى الفضاء الشفهي أو الكتابي؛ بقدر ما يستأثر اهتمامنا المتن الشعري للشاعر محمد الشحات. فقراءتنا للديوانين المشار إليهما سابقا، جعلت الرؤية التخيلية تحصر موقفنا حول التجربة الذاتية للشاعر. لذلك وجب إبراز أهم البنيات الحكائية في نصوصه الشعرية، وإظهار العلاقة الكامنة بين الذات والموضوع في قالبها السردي المجازي.
1-الذات/ الفعل التحرك
يثول الشاعر محمد الشحات في نص بعنوان (مراقبة) : 4
كنت على مقربة
من أن أخرج من وجهي
فأحاول أن أتملص منه
وأدخل في غرفات لا أعرفها
وأغلق كل الأبواب
أناوره وأخبئني
ثم أحاول أن أخرج
ظل يلاحقني
أجلسني
كي يتفرس بعض ملامحه
عانقني مثل عناق الأصحاب
وحين هممت لأخرج
أوقفني
كي يمنحني
رسما منه
لعلي حين أعود
إذا ما عدت
وأراه فقد أعرفه
إنه الرسم الذي يخفيه الشعر في دفتره، أو الكتابة الشعرية التي تربط ذاته بذاته؛ كما يخيل إليه حين تتراءى له أطياف ذاته. يرمز الشاعر محمد الشحات إلى ذاته عبر هذا الحوار القصير، ليكشف علاقته بالنص أولا، وعلاقته بالرؤيا التي يختارها بَندا عريضا وواضحا في مسيرته الشعرية. يخترق الذات الأولى صوب الذات الثانية، ويكشف عن السر الصوفي الذي يحطم ذاته الواقعية، ويبقي على أفقه المنتظر.
انطلقا مسبقا، من تحديد عتبة عنوان رسمية، وهي (الذات/ الفعل المتحرك)، واخترنا هذا المقطع من قصيدة (مراقبة)، لنراقب هل فعل تم الكشف عن الذات؟ وكيف تم الكشف عنها؟ وما البنية الحكائية الموظفة في هذا النموذج؟
إن ما تعارف عليه اللغويون منذ القديم –بالرغم من الاختلاف بين الكوفة والبصرة- هو أن الجملة العربية تستهل بالفعل في الغالب، وأن حضور الفعل في النص بكثافة كما تؤكد الدراسات اللسانية والدلالية الحديثة مرتبط بالحركة والتحول.
حين نقرأ هذا المقطع، الذي يضم أكثر من خمسين كلمة5 نجد نصفها تقريبا أفعال. ولتقريب هذه الظاهرة اللغوية نسطر الأفعال على الشكل التالي:
الماضي: كنتُ- ظل- أجلسني- عانقني- أوقفني- وأراد
إذ باستثناء الفعل الماضي الناقص في البداية؛ فكل الأفعال الماضية الأخرى متعلقة بالذات الأخرى.
الحاضر: أخرج- أحاول- أتملص- أدخل- لا أعرفها- أناوره- وأختبئ- أحاول- أخرج- أعود- أعرفه..
وهي أفعال حاضرة تدل على الذات الشاعرة الحاضرة، مقارنة مع الذات المغيَّبَة. فالمحاوِر والمحاوَر حالة واحدة تتخذ أشكالا مختلفة، والدليل على ذلك، هو أن الآخر حاول رسم الذات الأولى، انطلاقا من الذات نفسها (كي يتفرس بعض ملامحه).
2- عناصر البنية الحكائية
من خلال هذا التقديم الأولي، يمكن أن نخرج باقتراحات أولية تخص البنية الحكائية التي تخص الذات الشاعرة، وهي تنبني على المجالات التالية:
-التسلسل الزمني: بين الماضي والحاضر، يخلق الشاعر محمد الشحات الرابط اللفظي، كالواو أو الفاء، مما يدل على السبق الزمني للفعل الأول، ويليه فيما بعد الحدث المؤرخ صوريا على فضاء الصفحة.
ومن ثمة يمكن القول إنه يتبنى التسلسل الزمني المنطقي، لحظة لحظة، حتى يكشف سر الأحداث الباطنية التي تنتابه من حين لآخر، ونذكر منها:
•جهل الفضاء المكاني الذي يتواجد به؛
•جهل الآخر؛
•جهل المآل.
-المتوالية السردية: تتميز هذه اللحظة بتبني موقف التسلسل من حيث تطور الحدث، إذ يختار المبدع أحيانا أن ينتقل في خط مستقيم لوقائع سرده، فيما ينهج آخر التسلسل المتقطع أو التسلسل التناوبي. ولكلها اختيارات شخصية، تؤثث فضاء النص الحكائي كيفما كان نوعه أو موضوعه.
من خلال الديوانين السابقين، نؤكد أن محمد الشحات اختار السير العادي لتطور الأحداث، لأنه ينطلق دوما من اللحظة الصفر، ويتنقل عبر فضاءات حكائية ليصل إلى بنية التوتر التي تحيلها بودرها إلى الحل أو نقطة الوصول.
إذا انطلقنا دائما من النص السابق، يمكن أن نقوِّم هذا العمل انطلاقا من:

فحين يكون السارد مالكا لسلطة السرد، أو بمعنى أدق: تكون الرؤية من الخلف، يصبح العامل الذات ذا سلطة على الحدث وتطوره.
ومن جهتنا، نقول إن الشاعر محمد الشحات في نصوصه يحاول أن يربط بين الذات والموضوع انطلاقا من الذات نفسها. لذلك نجد هذا النص مالكا لسلطة النظم والسرد في الآن ذاته.
المشهد الحكائي
ارتباطا بالمحور السابق؛ كثف الشاعر محمد الشحات من رؤيته المشهدية للأحداث. ولعل وراء ذلك سببا أساسا، وهو تصويره للقطات؛ كأننا أمام مشهد مسرحي بأضوائه وأنواره وموسيقاه وتشخيص الممثلين على الخشبة.
للتأكيد على هذا الأمر، يمكن الاستدلال بمجموعة من القصائد المبثوثة في الأعمال الشعرية للشاعر محمد الشحات، لكن سنركز على نص واحد نموذجا وعينة للبحث.
يقول في قصيدة بعنوان (رجفة المقامات):
هذا مقام الوجدِ
فاهدأ حين تدخله
وخفف من مداومة افتعالِ
الشوقِ
واترك رجفة الأغضاء تأتي
فجأة
كي لا تتوه بها.
واعلم بأنك إن عرفت الوجد
حين يمر في أركان قلبك
تقشعر
فقد تفرَّعَ حين أفرغَ
في ربوعك هدأة وسكينةً
حتى تحس بأن قلبك طائر
أو كاد يمرح في الفضاء،
فتظل تهفو في ربوع
الكون
تبحث عن مقامك
فارتحل
تنجو بنفسك
وانتبه
أتينا بالمقطع الثاني من قصيدة (رجفة المقامات)، وهي تحمل عنوان المجموعة الشعرية، وتتخذ من المفهوم الصوفي وتجلياته بعدا جماليا أولا، ووظيفة تعبيرية ثانيا؛ ذلك أن محمد الشحات يكثف في شعره من الألفاظ ذات البعد الصوفي (المقام- الوجد- الشوق القلب- الطائر- الرحلة..)، وهي ألفاظ عادية في سياقها النثري المتداول، لكن حين ترد في سياقها الوجداني المرتبط بالذات المنسلخة عن المادة، والمتوحدة والروح والتجلي؛ فذلك دليل على التفكير الوجودي الأعلى، أو الأسمى الذي يفصل بين الذات المادية والروحية.
لذلك يمكن أن نسترشد بهذا المنحى، لنقول: إن الشاعر محمد الشحات يركز على فعليْ: الحوار والمشهد الحكائي. ويتبين ذلك من خلال:
الفضاء المكاني:
بما أن الشاعر يعتمد المجاز، الذي يتطلب كثيرا من التأويل للوصول إلى دلالات المعاني البعيدة؛ فإن المقطع السابق تتدفق بين أسطره حمولات مكانية وزمانية متعددة، والتعدد هنا لا يوحي بتعدده فعلا، وإنما دليل على كون الشاعر يختار الأفضية المناسبة لكل حالة؛ سواء أكانت حالة عادية أم روحية وجدانية.
فاسم الإشارة «هذا» يشير إلى «مقام»، والمقام لغة ظرف مكان، أو فضاء مكاني محدد، لكن ارتباطه بالوجد، يحول دلالته من المعنى الحقيقي إلى المعنى الثاني الذي يشير إلى التحول الدلالي بمفهومه العام. ويلجأ الشاعر في كثير من الأحيان إليه للتعبير عن رؤيته الشعرية أو الرؤيا عامة.
هنا أساسان لقياس التحول الدلالي في التجربة الشعرية وهما:
أولا: المقياس الجمالي، إذ به تتم معاينة التحولات الشعرية التي تعتبر عملا إبداعيا بالدرجة الأولى.
ثانيا: الارتباط بالتحولات الكبرى.
لقد بحث بعض الدارسين في منشأ التحولات الدلالية وأسبابها، فخلص بيار غيرو إلى حصر بعضها:
1- الأسباب التاريخية، المتمثلة في تبدلات العلوم.
2- أسباب ألسنية: أو تبدلات تعزى لأسباب لفظية.
3- أسباب اجتماعية: إذ ثمة استعارات اجتماعية وانتقالات للإطار الاجتماعي للكلمة.
4- أسباب نفسانية: كالبحث عن التعبيرات الجديدة في ظل المحرمات والتوريات والقوة الانفعالية. 6
إذاً، السبب الذي يجعل الشاعر متحمسا لخوض هذه التجربة، هو البعد الجمالي أولا كما تشير القولة السابقة، كما أن الوجد بوصفه مصطلحا صوفيا، يقدم الرؤيا التي يرغب الشاعر محمد الشحات تقديمها للقارئ، لتكون روح نصه، وروحَ حياته أيضا.
إذا انتقلنا إلى الفضاء الثاني، فسنحط الرحال عند: «أركان قلبك»؛ إذ الركن لغة يشير إلى الزاوية في المكان، أو الفضاء المنعزل الدال على الابتعاد عن الآخر، والبحث عن سلطة الذات، وتوحدها مع الخالق في صورة تزهدية أو صوفية.
أما الفضاء الثالث فتشكله لفظة «الربوع» أو النواحي التي تستظل بها الذات، وتبحث فيها عن الخلود والسكينة. فالشاعر محمد الشحات في هذا القطع يختار الانزواء والابتعاد والتخلص من عبء الحياة بكل أشكالها المادية. لذلك وعلى غرار المقطع الذي أشرنا إليه في المحور السابق؛ يتميز الفضاء النصي لمحمد الشحات بالبعدين أو الشكلين المختلفين ظاهريا، والمتحدين جوهرا.
فالبعد الأول هو الذات/ المادة التي تشكل الجسد والأعضاء والحواس. أما الذات الثانية فهي الروح التي تبحث عن الخلاص والصفاء والتوحد.
وحين نتحدث عن المجاز، فإن رؤية الشاعر، تتوحد والفعل الشاعري، فتكون كل لفظة دالة على سياقها، وكل عبارة تنحو الدلالة الكلية للنص؛ لذلك يتخذ «القلب» الذي جعل له «أركانا» في المقام الأول، شكلا أكثر اتساعا لينهل من سلطة الفضاء، ويتربع في كل بقاعه بحثا عن الخلاص اللامحدود: «أو كاد يمرح في الفضاء».
وينتهي الشاعر إلى الجمع بين كل هذه المعطيات، لتتشكل الصورة النهائية، وهي البحث عن المادة أو الفضاء الذي تختاره الذات ملجأً وملاذا: «فتظل تهفو في ربوع، الكون، تبحث عن مقامك».
لذلك، وكما أشرنا في البداية، إن الشاعر في هذا المحور حين ركز على تعدد الفضاء المكاني، لا يعني في حقيقة الأمر تعددا ماديا، بقدر ما هو تنوع يفضي إلى التوحد ذاته، أو البحث عن المكان والمقام الصوفي الذي يخْلُد فيه الشعر إلى راحته وطمأنينته.
موازاة مع الفضاء المكاني، نصل إلى الحيز الزمني، أو الزمان عامة. فقد لا نستغرب كثيرا إن قلنا إن الشاعر محمد الشحات يقرر مسبقا التحول الزمني من الماضي إلى الحاضر، وقد سلفنا الحديث عن التسلسل الزمني المنطقي الذي يميز الحدث الحكائي في نصوصه، لذلك يختار أن يكون دائما الفعل هو الدال على الزمن؛ بين الماضي والحاضر والمستقبل.
لكن ما يميز هذا المقطع، صياغته بخطاب الأمر، والأمر هنا لا يدل على حقيقته الصرفية؛ وإنما يشير إلى نوع من التوحد بين الذاتين: الذات المادية والذات الروحية. كما أن الشاعر يميز في هذا المقام بين مقام الحضور ومقام الغياب:
فمقام الحضور مرتبط بالآن، والحالة التي سيشعر بها الآخر حين دخول مقام الوجد: وهو في الوقت ذاته يُحَمِّل ذاته فرصة هذه التجربة. أما مقام الغياب فهو المقام الذي سيعيشه حين يخلد إلى الطمأنينة والسكون: وهو حال الأمل والمأمول، لذلك عرفناه بكونه مقام الغياب.
نصل في آخر هذا المحور إلى استخلاص مجموعة من النتائج، انطلاقا من المقطع/ النموذج، وبعض النصوص الأخرى في المجموعتين الشعريتين المذكورتين.
-يعتبر محمد الشحات من الشعراء المصريين خاصة والعرب عامة الذين استطاعوا أن يميزوا بين التجربة الذاتية والموضوعاتية، إذ جعل الذات محور تجربته، وجمع بين الذات الحاضرة/ المادية، والذات الغائبة/ الروحية:
يقول في فقصيدة «اذكرني إذا غبت»:
عدني
ألا تترك وجهي يكبر
وارسم هيأته في عينيك
فأنا ما زلت أحاول أن أحيا
كي ألمس نبتك
هل سوف أراه
أم أن قطاري سوف يمر سريعا
إذ تخرجه من بين شتات الذاكرة، 7
-ارتباط الذات بالمكان والزمان، ليخلق الشاعر المشهد الحكائي، أو النمط السردي القائم على بنيه متحكم فيها الحدث بكل وظائفه وخصوصياته. لذلك تتوحد هذه العناصر في كل النصوص تقريبا، مما يخلق نوعا من الانسجام من حيث الرؤيا الشعرية، والرؤية الجمالية، والتفكير المنطقي الذي يؤسس فعل السرد:
نقرأ مقطعا من قصيدة «محاولة لاستكمال الحلم»:
انتبه النهر
لكي يكمل رحلته
فتخلص من بعض حمولته
تلكأ
كيلا يصل لآخره
كنت أراقب بعضا ما كان يخبئه
أصوات النسوة تطفو فوق الماء… 8
فالجمع بين الموضوع: الحلم، والوصف المرتبط بالحدث: النهر، والشخصيات المختلفة، كل ذلك في ارتباط وثيق بالذات، جعل النص يتدفق شعوريا وشاعريا، وينتقل من سلطة الموضوع الخارجي، إلى البحث عن الرؤيا المتجلية في البعد التخيلي، أو الحلم في صورة أخرى. ولو قرأنا النص كاملا؛ لاستقصينا هذه الدلالات أكثر، ولَاتَّضحت الرؤية الشعرية لمحمد الشحات في أبهى صورها. غير أن المقطع السابق، وباقي المقاطع جعلتنا نكرسها نماذج تقدم الصورة المتكاملة للتجربة الشعرية للشاعر محمد الشحات.
على سبيل التركيز
لذلك يمكن القول أخيرا، إن الشاعر يلجأ في نصوصه الشعرية إلى السرد سمة أساسية في تجربته، وذلك للأسباب التالية:
أولا: الموقف الشخصي من التجربة الشعرية، إذ يتأكد لنا أن الشاعر يرى أن الشعر رسالة تحفيزية ورسالة توحدية بين الذات والآخر، سواء أكان الآخر الشاعرَ ذاتَه، أم كان المتلقي في جل أشكاله وأنماطه؛
ثانيا: امتلاك الشاعر الأدوات الإجرائية لكتابة النص الشعري السردي، وذلك باقترابه من الأشكال المختلفة للسرد النثري، ومحاولة تطبيقها على النمط الشعري الذي يرتضيه؛
ثالثا: ارتباطا بالفكرة السابقة، يمكن أن نقول إن محمد الشحات، امتلك هذه الأدوات ووظفها التوظيف الحسن، وإن كان الغالب فيها النمط المتسلسل، إلا أنه استطاع أن يكوِّن خصوصية شعرية في تجربته الشعرية؛
رابعا: بعيدا عن النمطية، يمكن للآخر أن يقول إن محمد الشحات كان يكرر ذاته ونمطه في كل نصوصه، غير أن الاختلاف الجوهري بين الموضوعات، والاختلاف الشكلي بين القصائد، يفند هذا الزعم إلى أبعد تقدير؛
خامسا: كان أملنا أن نقرأ الشعر كاملا، وأن نقدم كل ما يركز عليه تفكير محمد الشحات ووجدانه، غير أن الحيز الزماني لقراءة، وطبيعة الدراسة المرتبطة بالكتاب الماعي، جلتنا نفكر في نمذجة التجربة الشعرية، وهي طريقة تقدم الصورة الكاملة للتجربة بتتبع صورة مصغرة عنها، قد تفي الغرض، وقد تكون بداية لبحوث أخرى شخصية أو من قبل باحثين آخرين.

 

هوامش
1 – محمد الشحات: يكتب في دفتره، الأدهم للنشر والتوزيع، القاهرة، ط. 1، 2018.
2 – محمد الشحات: رجفة المقامات، الأدهم للنشر والتوزيع، القاهرة، ط. 1، 2020.
3 – تزفيطاتطودوروف: الشعرية، تر. شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، سلسلة المعرفة الأدبية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط. 2، 1990، ص. 46.
4 – محمد الشحات: يكتب في دفتره، الأدهم للنشر والتوزيع، القاهرة، ط. 1، 2018، ص. 5- 6.
5 -تقريبا 54 كلمة، واعتمدنا في هذه العملية الإحصائية على بنية الكلمة دون النظر إلى الوحدات الإعرابية، فمثلا: أوقفني اعتبرناها كلمة واحدة، بالرغم من تكونها من الفعل والفاعل والمفعول به. (أوقف، الفاعل ضمير مستتر تقديره هو وياء المتكلم مفعول به، والنون نون الوقاية)
6 – بيار غيرو: علم الدلالة، Pierre Guiraud ,La Sémantique، ت: أنطوان أبو زيد، منشورات عويدات، بيروت / باريس، سلسلة زدني علما- 153، ط. 1، 1986، ص 91- 92.
7 – محمد الشحات: قصيدة (اذكرني إذا غبت)، يكتب في دفتره، ص. 37.
8 – محمد الشحات: قصيدة»محاولة لاستكمال الحلم، يكتب في دفتره، ص. 73.

محمد دخيسي أبو أسامة
ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *