الرئيسية / أمازيغيات / الشعري والسردي في ديوان إسمضاي ( مداقات ) لمحمد واگرار- محمد تايشينت

الشعري والسردي في ديوان إسمضاي ( مداقات ) لمحمد واگرار- محمد تايشينت

 

 

 

 

 

اشتغل وگرار في ديوانه «ئسمضاي» على المجاورة بين الشعري والسردي، مؤمناً العبور للثاني إلى فضاء الأول، وهذه المجاورة، التي لا تعد تقنيةً جديدة في الكتابة الشعرية، ذلك أنها سمةٌ ملازمة لجملة من الأعمال الشعرية الكبرى في ثقافات مختلفة، بدءاً بالملاحم ووصولا إلى قصيدة النثر، لا تُطرح (=المجاورة) بصيغتها التقنية العادية، بل بوصفها اشتغالا مركزيا تتبدى فيه قدرة الشاعر على المزج بين المحكي والمتخيل الشعري، والاتكاء على الحكاية كآلية أساسية في بناء الدلالة. يقول وگرار:
Iga yasnt umghar udi
Grgh as gisnt s kra n tirmt
Ur yad ssingh
Mani gigi kkant
ويقول أيضاً:
Izri umnay
Maf aman d umzil
Zrint tmragin
Izri ucwwal
Musa n tuzlin
Islm n lbur
Slm aggurn
D yan iglgiz iTTayn agad
Isnin t iskwrknnit
Ur yad ssingh
Mammu kullu ttanfn
Ur tt akk gigi iwin
يبدو، في هذين المقطعين، وجود شخصيات وسيرورة حكائية تتجه نحو وضعية نهائية مفتوحة، لكن داخل إطار شعري، هيمن عليه النفس والبناء الشعريين. والملاحظ أن هذه المحكيات التي يحتفي بها وگرار في هذا العمل تجعل من الذات البؤرة المولدة للدلالة، فالشخصية المركزية هي الذات الكاتبة، وما يتضافر معها في الخطاب ليس إلا تدفقاتها وانطباعاتها وأسئلتها المختلفة.
راهن وگرار في الديوان على السيرذاتي، بحيث إن الذات هي مركز الاهتمام، ومنها تولدت الدلالات الشعرية الأخرى؛ فمنذ العنوان يتبدى رهان الشاعر على السيرذاتي، ف»ئسمضاي»/ نكهات/ مذاقات إحالة على تعدد تجارب الذات وتشعبها مما جعلها تكتسي ألوانا متعددة، ومن ثم نكهات ومذاقات مختلفة. واكتفاء الشاعر بنص واحد في الديوان مرده إلى وعيه بتكامل العمل الشعري، وبقدرة نص واحد على جسدنة البؤر النفسية المتعددة، وجعل المتعدد منسجماً. إنها عملية دالة أن يكون عمل واحد مختزلاً لمحطات سيكولوجية متعددة، دون توزيع التجربة على عدد من النصوص التي، بتباينها في البناء والعنوان، قد تشي بنوع من التمايز والمفارقة.
لقد هيمن ضمير المتكلم على نص «ئسمضاي» واهباً نفسه لحرية التأويل ولانهائيته، ذلك أن النص، بقيامه على هذا الضمير، احتفظ بعنصر المواربة، وركن إلى منطقة تستعصي على الوصف والتوقع. وبهذا يكون قائما على مركزية الذات الكاتبة، وهذه الأخيرة هي أساس الإبدال، ذلك أن الإبدال، بتعبير محمد بنيس، ليس مجرد استجابة لشرائط خارجية، ولا انبثاقاً حتمياً عنها، ولا نسقاً للانتظارات، إنه فعل الذات الكاتبة، وهذا الفعل مرتبط بالقصدية التي تعد من أبرز مقومات النص الحاملة لقواعد التعرف المتضمنة في المعنى المقصود.
من تجلبات السيرذاتي في «ئسمضاي» تحوير اليومي ليستحيل إلى مادة شعرية، نقرأ في الديوان:
kra zund agadir inu
gh faycebook
شيء مثل حائطي على الفايسبوك
و:
ssudugh aghanim
ssirghudnyyi kullu
middn ayyis
أمتطي حصان قصب، فيهنئني الناس بالفرس
فعبارة «أگادير ئنو غ فايسبوك»، وفكرة امتطاء حصان القصب وغيره مما يلهو به الصغار، لا تبدو، للوهلة الأولى، عبارات شعرية، أو مادة صالحة للشعر، غير أن وگرار أمّن لها العبور من اليومي الجاف إلى فضاء العمل الشعري، عبورٌ أكسبها خواصاً جديدة بفعل السياق الجديد الذي باتت تشتغل ضمنه، وهذا من سمات الحرفة الشعرية التي نجد لها تجليات عديدة في الديوان.
كتابة الذات في «ئسمضاي» يطغى عليها الألم، يتبدى ذلك في احتفاء الشاعر بعبارات من قبيل:
mrdukkigh/ llugmigh/hrussigh/ nnukmgh ggumigh kra gh gigh afus/ ar ka gi siggiln manag rad ccin tiskert s imi nu/ mad di ttalt ur illa…
ويعود هذا الألم الذي تكتبه الذات وتكتب به إلى فقدان الثقة في الزمن، ذلك أن الشاعر بات يرى الحقيقة سوداء، فهو لا يراها إلا ليلاً، بعدما تحول النهار لديه إلى حجاب وكتمان، وهذا ما يفسر تشكيكه في كل شيء لدرجة التشكيك في قوله نهاراً:
yili nit
magh rurgh iTTs ad s uzal

ur ss sul
is ar nit ttinigh kra
ngh dd is arka sbiDigh
ويحدث أن أرجئ هذا النوم للنهار
لا أدري أَلِقولي معنى
أم أنني أهذي
مركزية الذات في تجربة وگرار لها امتداد واضح في الإيقاع أيضاً، فالإيقاع، في التجربة، يتماهى مع حركية الذات، ذلك أن وگرار يمهر في تدبير الدال الإيقاعي، ومن ثم تدبير الزمن الخاص بالنص، فكل إيقاع هو تنظيم للزمن بطريقة ما، وتنظيم للمعنى في الوقت نفسه. وقد أشار هنري ميشونيك إلى أن الإيقاع هو الدال المهيمن في الخطاب الشعري، إذ إن كل شيء يتم كما لو أن الإيقاع بترتيبه لعملية التدليل يعدّ صيغةً متصلةً بالمعنى، شأنه في ذلك شأن النحو بالنسبة للغة.
إن الدال الإيقاعي يسهم في التماس بين الصوت والجسد في الكتابة، وهو ملمح حاضر، بشدة، عند وگرار، الذي نلمس لديه انسيابية في الإيقاع لا حد لها، بحيث إنه (=الإيقاع) ينتظم في شكل تدفقات شعورية تتبدى لحظة الإلقاء مثلاً، فنحن نحسّ معه أنه كان يكتب ذاته بالإيقاع، فينسجم مع المسار الإيقاعي صوتاً وجسدا.
يتجلى الألم الذي يسم الكتابة عن الذات في اشتغال وگرار بتقنية المقطع، بوصفها توقيفاً دلاليا جزئياً في مواقع نصية حساسة، وهي، بذلك، بمثابة تجديد مستمر للمعنى، وحفر لمسالك دلالية جديدة في إطار الدلالة الكبرى. والمقطع ليس سمةً خاصة بديوان «ئسمضاي» وحده، بل هو ملمح بارز في نصوص وگرار كلها، وهو ناتج عن وعي الشاعر بقوانين الكتابة الشعرية الجديدة التي تنهض على الوقفة الممهدة للاستمرار دلاليا وإيقاعياً، وعلى البناء المتجدد للمعنى بما يمنح النص طابع الانفتاح الدائم.
فضلاً عن ذلك يشتغل وگرار بالتكرار، بما هو تقنية إيقاعية لها نجاعتها البنائية في الكتابة الشعرية، فالتكرار عنصر فاعل من حيث إسهامه في تهييء مساحات يتمدد فيها المعنى، فهو لا ينحصر في خاصية الإطالة والتمطيط، بقدر ما صار جزءاً حيوياً في البناء النصي، بموجبه يغدو البوح ممكناً، ويصير الإثبات أحد أساسيات العمل. إثبات لا يراهن إلا على المحو، ذلك أن تكرار لفظ أو عبارةٍ لا يكون بالدلالة نفسها، ولا للهدف نفسه، بل هو محو لمعنى وإثبات لآخر، بشكل مستمر ولانهائي.

شاعر وناقد من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

مظاهر الهجاء في شعر الرحل الأمازيغ بوادي نون – أحمد بلاج

مقدمة إنّ الشيء الذي يميّز كلّ شعب ما هو ثقافته وتراثه، هذه الثقافة تعتبر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *