الرئيسية / أمازيغيات / الظاهرة الصوتية لأحمد أمنتاك : ثلاثية النظم والتلحين والغناء في اتساق فطري عميق – أجدور عبد اللطيف

الظاهرة الصوتية لأحمد أمنتاك : ثلاثية النظم والتلحين والغناء في اتساق فطري عميق – أجدور عبد اللطيف

من منا (نحن الأمازيغ) لم ينم أو يستيقظ – حسب مزاج الأب – ذات يوم صيفي قائظ أو شتوي قار، على صوت جهوري معسل، ينظم المعاني نظم من أوتي مجامع الكلم والحكم والنغم ويتعالى في السلالم والمقامات الموسيقية بخفة وبراعة باخ وشتراوس، مع ما يحيل عليه الصوت في سمع المنصت المشدوه بهذا الالق، من تواضع ونوستالجيا.

طبعا إنه أحمد أمنتاك العلامة الفارقة في تاريخ الموسيقى الأمازيغية عبر تاريخها الطويل الذي ضاع معظمه نتيجة سياسة تحقير مركبة للفنون الأمازيغية، إلا من نذر يسير لكن عتيد وفارق، إلا من ابداعات فردية ومؤطرة أحيانا في شكل قالب فني مؤطر كالتي أنجبت وأرضعت أمنتاگ حتى هيأته ليسير بعيدا في هذا المضمار.

أمنتاگ رأى النور بنواحي تارودانت هذا الإقليم الشاسع جغرافيا وثقافيا وتاريخيا، والقاسي مناخياواجتماعيا، غير أن اعتبار الشساعة بما يترتب عنها من تباعد وعزلة بين الساكنة المبعثرة في تلك القمم، صقلت قريحة أحمد أنضام ( أي الشاعر ) قبل أن تتفتق لديه ملكة الغناء بين وديان تارودانت وأخاديها يوم كان راعيا للغنم، وتبلورت تجربته في المسيد مع أشعار أمازيغية متوارثة تنضح بحمولة دينية وأخلاقية وحكمية، شكلت المرجعية الجميلة لقصائده وأغانيه الللاحقة. ولعل أجمل ما خلف أمنتاگ هي قصيدته “بوسالم” اللصيقة باسمه، تم تسجيلها سنة 1966 بباريس ، وما زالت حتى اليوم تستأثر بإعجاب كل من يسمعها. منها نقتطف هذه الأبيات :

 

ءيغ ءيصحا وافود نون ءاينا كا تريت ءيلاَ دارون

ءيغ ءيرمي وافود نون هان ءاكما تجرا كيتون

ءوراك سول ءيقابل يان رمين كيتون الكومان

 

وهي أبيات معانيها كالتالي:

 

عندما تكون صحيحا معافى فيمكن أن تكسب ما شئت

أما إذا مرضت فتلك طامة كبرى

لن يلتفت إليك أحد وسيمل منك الناس

 

سطر الراحل بمثل هذه الإنتاجات، رفقة بعض عمالقة “تنضامت”  و” أمارك” (الشعر والغناء) الأمازيغيين كالحاج بلعيد والمهدي بن مبارك والرايس واهروش والدمسيري تاريخا جميلا وكانوا مؤسسي مدرسة فن الروايس التي ذاع صيتها بسوس خلال خمسينيات القرن الماضي، لروعة المتون المحبوكة التي تقارب موضوعات الهوية والوجود الأمازيغية والتجارب الحياتية، والأخلاق المجتمعية، بل والنقد السياسي أحيانا، وأحيانا أخرى تتطرق لبعض الروايات والأساطير الشفهية المتوارثة التي تتحول معها الأغنية إلى فيلم سينيمائي أو درس أخلاقي نفاذ وأخاذ، مع إيقاع موسيقي مرهف يعتمد كليا على الرباب والأصوات الشجية التي لا يمكن لمن لم تتم تزكيته من طرف جمع من الروايس أن ينال هذه المكانة العلية.

 

جاب امنتاك العالم متنقلا بين فرنسا وألمانيا وبلجيكا،  متأبطا ربابته الاثيرة، ولم يتأبط شرا، بل تابط فنا حرا ، وبساطة أمازيغية معهودة، وفارق الحياة سنة 2015 في ظروف هشة أصبحت الطابع المكرر للمبدعين الأمازيغ بل والمغاربة، والذين شكلوا عناصر الهوية الوطنية عبر التاريخ بكل أطيافها،  لكنه لم يفارق الوجدان الأمازيغي المتشبع بذائقة جمالية راقية تستشف الفن الجميل والمعنى القيمي الأصيل وتواصله كل حين، الذائقة التي للاسف يفتقد إليها القائمون على أمور الفن بهذه البلاد.

 

¹- التنزيل للابيات بالكتابة الأمازيغية “تيفيناغ” عن طريق الأستاذ الرحماني الحسين Ṛahmani Husin ، الباحث في اللسانيات الأمازيغية.

 

باحث من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

قصيدة اليتيم/إكيكيل لهرم تيرويسا الكبير سعيد أشتوك: عندما يعتلي الفنان منبر الفقيه – حسن أومولود

كان معظم كبار فن تيرويسا الذي أوشك عن الانقراض فقهاء حكماء ووعاظ تنبني قصائدهم على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *