الرئيسية / ابداعات / العِجْل الأسترالي – محمد الناصر أبو زيد

العِجْل الأسترالي – محمد الناصر أبو زيد

بَحْلَقَت لوت شفتيها ساخرة، تركته مستلقيا فوق « حصيرة « قديمة، اهترأت أطرافها من نبش الديوك إذا جاعت، خرجت، غير راضية عن ليلتها، ناقمة مما ينتظرها نهار اليوم، بين حرث وضرع، و» خشم « رجلها الذي يجوع وقت أذان الظهر، لو لم يأكل لأكلها حية.
مستلقي « الحصيرة « لا يشغله هذا النهار « الغالية «، وألاعيبها فوق الحصيرة بدون جدوى، فاليوم سيشتري «العِجْل الاسترالي «.
«الغالية « تعلف البقرة، تمسح على رأسها، وتحسدها على «العِجْل « الذي سيعيش معها، وستلد منه كل بقر البلد، ومع كل « ولدة « يمتلئ البيت بالسمن واللبن والسرسوب، تربت بكفها على رأس البقرة، تطمئنها أن نصيبها من الذكور سيكون أفضل من نصيبها.
مربوطا « العِجْل الأسترالي « في السوق من رقبته ورجليه، يبحلق في الخلق، وهم يبحلقون ، يفتشون في جسده، خبط أكذبهم بكفه علي جبهته، عجولته تكمن في ذيله، وهذا فقط ما ينقص رجال البلد، حتي ينجبون علي « الريحة «، ضحك الخلق، ثم صمتوا، ثم دوروا الكلام في نافوخهم، حتي تساءل « الرزين «كيف يا حمير البلد يكون للرجال ذيول؟ ، لكن ولدا مر بهم ، عائدا من مدرسته، علموه في المدرسة أن الانسان كان قرد، ومع قلة الاستعمال اختفي الذيل، وبقي القرد، وأكد لهم الولد بيقين يحسده عليه العارفون بالله، أن الذيل كامن في ظهورهم، لن يخرجه غير معجزة .
إلى السوق حضر وفي جيبه ثمن العِجْل، وفرته له الغالية، شكرها في باله، فهي لا تأكل حتى الشبع، مثل أختها التي خرّبت بيت زوجها، بجوعها الذي لا يسده حتى الطين، سدد الثمن، وسحب العِجْل من رقبته، وهو يغني « يا أسترالي يا سيد العجول « تاركا وراءه الناس في « سوق البهايم « ينظرون الي ذيل العِجْل، الذي بدأ يحركه طربا، علي وقع نغمات سيده الجديد، زوج « الغالية.
رأته داخلا الدار، بسملت واستعاذت من الشيطان الرجيم، وقرأت من شر حاسد إذا حسد، كان ينقصها من شدة الفرح، أن تزغرد، لكن منعها جارهم الميت من أسبوع، حكي لها عما دار في السوق من كلام عن ذيل العِجْل « دعت الله أن يجعل رجال البلد بذيول، سخر من التي تظن نفسها مستجابة الدعوة.
أدخلت « العجل على البقرة، غمزت لها بعينها، ابتسمت، وتركتهما لحالهما، وهي تتحسر على حظها من الذكور الذي لم يصل إلى حظ « بقرة «
المستلقي جوارها فوق الحصيرة لكزته، بعد أن غابت الشمس بساعات، أصوات كثيرة تحيط بالبيت، نظرت من « خرم الباب « « الخلق تركوا السوق، وأحاطو بالبيت، رغم ضوء النجوم الخافت، رأت في الظهور «ذيول «، يحيطون بالبيت كأنه شاعر الربابه يوم العيد، استغفرت من وسواسها، فركت عينيها، وأعادت النظر، ثم عادت تنظر الي ظهر زوجها، لم ينبت له ذيل، حمدت الله، وجلست تضرب علي صدرها، وتبكي ما جري لرجال البلد، الذين نبتت لهم ذيول، تشبه ذيل العِجْل الاسترالي المسترخي بجوار البقرة، وزوجها يربت علي كتفها، يسكتها، فلا تسكت، فيضحك، ثم يضحك، ثم يستلقي علي ظهره فوق الحصيرة من الضحك، ويعاود النظر من خرم الباب، ثم يعود الي الحصيرة ليضحك،حتي إنها توقفت عن البكاء، عايرت الذي لا تنفع معه ألاعيبها فوق الحصيرة، لكنه ظل يضحك، حتي إن عدوي الضحك انتقلت الي الذين نبتت في ظهورهم ذيول، يحيطون بالبيت، لا ينقصهم سوي شاعر الربابه.»
في النهار دخلت « الغالية « الزريبة، رأت البقرة ما تزال نائمة، رغم الشمس التي تحرق نافوخها، غاظتها هذه « النومة « العميقة، ضربتها بقسوة ب» عرجونة «، نهضت بكسل، تتمسح برقبة « العِجْل «شتمتهما، خرجت خجلي من حظها، رأت الرجال يسيرون خارج البيت بلا ذيول نابتة، فركت عينيها، تسترجع ما جري في الليل، عادت لتري الممدد علي جانبه فوق الحصيرة، ينظر لها بنصف عين، يكايدها حركة ذيله الذي نبت في ظهره، مختالا متجها صوب سقف البيت « البوص»
خافت على نفسها من « الخبل «، انزوت في ركن من « الدار « تبحلق في ذيل رجلها، حتى غفت.
أيقظها رجلها يطلب الطعام، رأته بلا ذيل، لعنت « العِجْل الاسترالي « الذي سيتلف عقلها، وهي المشهورة بين حريم البلد، بعقلها « الذي يوزن بلد «، لم تتكلم، ونهضت تعد « الفطور « قبل أن يغادر الذي بلا ذيل « البيت.
في الدار جلست لوحدها، تكلم البقرة همسا، حتى لا يسمعهما العِجْل الاسترالي « الذي تجاهلته بكبرياء، تستحثها أن تحكي لها، ما جري بينها وبين العجل في الليل «
لكن البقرة لو تكلمت، ما كانوا أسموها بقرة يالغالية « قالتها لنفسها موبخة، مستعيدة رباطة جأشها، إعتدلت بكبرياء « الغالية « المشهورة به بين حريم البلد، تجاهلت العِجْل والبقرة، تركتهما، جلست خارج البيت، تنتظر أول بقرة قادمة، تطلب الانجاب من « العِجْل الاسترالي « تمعن النظر في المارين، وكلها يقين، أن ذيولهم تختفي وراء جلاليبهم، التي انتفخت بعد أن ملأها هواء شهر أمشير.

كاتب وإعلامي من مصر

عن madarate

شاهد أيضاً

معانٍ مجنّحةٌ – ريما آل كلزلي

معانٍ مجنّحةٌ ريما آل كلزلي   عند الطّيرانِ تهربُ المسافاتُ فيقفزُ الحبلُ والهبوطُ سرابٌ   …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *