الرئيسية / ملف الهايكو / الغزل والأيروتيك في الهايكو – محمد بنفارس

الغزل والأيروتيك في الهايكو – محمد بنفارس

الغزل والأيروتيك في الهايكو محمد بنفارس

 

أقر كثير من والشعراء والمنظرين والباحثين في الهايكو، ومنهم ماتسو باشو نفسه، أن الهايكو نوع منفتح على كل الأغراض. غير أن تناول موضوع الحب في الهايكو قد يبدو مغامرة ليست طيعة، بل محفوفة بمخاطر لها علاقة بطبيعة النوع.

إن تأليف الهايكو هو تجسيد مادي لمشهد خبره المؤلف بحواسه. بهذا المعنى، يكون الهايكو وصفا أو تصويرا لحدث خارجي ملموس، والمقصود بالخارجي، خارج ذات المؤلف.

في هذه الحالة، لنا أن يتساءل: وأين وجدان المؤلف في كل هذا؟ ونقصد بالوجدان مشاعر الهايجن أثناء المشهد وبعد انتهاء لحظة وقوع المشهد وأثناء تأليف الهايكو.

ولنا أن نتساءل أيضا: هل عملية التأليف تكون مصاحبة للحظة معاينة المشهد؟

لا نتصور أن فعل الكتابة يقع بشكل كامل ونهائي أثناء عملية الملاحظة. أو بمعنى آخر، الكتابة لا تتم على نحو فوري وحاسم. فلذلك حتى عندما يدعي النقاد القدامى بأن بعض الشعراء القدامى كانوا يقولون الشعر “عفو البديهة وفيض الخاطر”، أي يرتجلون الشعر في حينه حسب المواقف، فتلك مسألة فيها نظر وتحتاج لبرهان، لأن فعل الكتابة له طقوس خاصة بكل كاتب وأن الكتابة تحتاج إلى “صنعة”، أي إلى تدبر ووقت كاف لتختمر الفكرة وبعده تجد طريقها للتشكل من حيث الصياغة والبنية والمعنى. قد نتصور أن الهايجن، أثناء المشاهدة أو بعدها مباشرة، يسجل بعض الملاحظات أو الكلمات أو الإشارات أو العناصر، كقاعدة أولى لما سيكون عليه الهايكو لاحقا.

ما يستوجب التوقف عنده بالأساس هو أن الهايجن، عند الكتابة، ينقل حدثا خارجيا عايشه بحواسه (حاسة واحدة أو أكثر). إن تأكيد هذا المنحى يجر للقول بأن نقل تجربة داخلية (أي من داخل ذات الهايجن) تكاد تكون مستحيلة ضمن أدوات الهايكو. فأي حاسة من الحواس الخمس تصلح لنقل خبرة لا نراها ولا نلمسها ولا نسمعها ولا نشمها ولا نتذوقها؟

ولعل طرح هذه الأسئلة، سيجعلنا نثير، مرة أخرى، مسألة الغرضية في الشعر. فإذا كان الشعر، قديمه وحديثه، بحكم الآليات التي يسخرها تناول الحب كغرض وموضوع مستقل وبرع فيه، فإن تناول تيمة الحب في الهايكو تشكل تحديا كبيرا لسبب بسيط: فمن جهة يتعذر معاينة “الحب” عن طريق الحواس كمشهد ملموس، ومن جهة أخرى، يعتبر الحب مسألة تتميز بالخصوصية الشديدة، وبالتالي يصعب تصورها بكل الصدق والعفوية تحت منظار الهايجن.

سيقول قائل: قد يستطيع الهايجن نقل لحظة حميمية (عناق، مداعبات، بكاء…) بين حبيبين. في هذه الحالة نتساءل: أين وجدان الهايجن في هذا المشهد؟ هل خبر الحدث بشكل عملي حتى يمكنه التعبير عن مشاعر ما، على نحو يتميز بالمصداقية الوجدانية؟

لذلك نعتبر أن هذا ممكن في حالة واحدة: اختلاق مشهد “غرامي” من وحي الخيال. ومع ذلك يطرح سؤال كيفية أجرأته من حيث الصياغة والبنية والتنحي والمصداقية؟ في أغلب الظن، سنكون أمام نص من بنات الخيال في موقع أخر غير الهايكو.

إن إشكالية التطرق للحب في الهايكو يجد، على نحو ما، مبررا له فيما تقدم من أسباب وإيضاحات. كما يجد تفسيرا له في قلة النصوص التي تتناول تجارب الحب والعشق عند كبار الشعراء وقدماء الهايكو في اليابان نفسه. وحتى لو ورد الحب على نحو ناذر عند بعضهم، فذلك يأتي على نحو يشوبه الغموض الشديد والحيطة وعدم التورط اللفظي. وسنضرب لذلك بثلاث أمثلة:

  • المثال الأول للمعلم الأول ماتسو باشو (1644- 1694) : و هو من النصوص النادرة التي يلمح فيها لعلاقة حب ما :

 

الثلج الذي سقط على كلينا –

هل أنت نفسه

هذه السنة؟

 

لا ندري إذا ما كان باشو وهو يسائل الثلج إنما هو يحادث عشيقته. ولسنا ندري أيضا إن كانت كلمة” كلينا” في السطر الأول تشير لعشيقة أو لرفيق آخر (إنسان، حيوان..).

ما نلاحظه، وعلى نحو جلي، أن باشو بدل التورط بشكل صريح في العلاقة، اكتفى بالتلميح. فنقلنا بذوق ورهافة ورومانسية إلى شعرية مناخات العواطف الجياشة في تفاعلها مع الطبيعة الباردة وما تثيره من شجن وكآبة وعزلة تقطع الأوصال والمشاعر.

  • المثال الثاني للمعلم يوسا بوسون (1716- 1784) :

 

يا للمخبأ حيث ذكور

وحوريات الماء تمارس الحب!

قمر الصيف

 

يلاحظ أن بوسون ذكر الحب بشكل مباشر كمشهد واضح تجلى له تحت صفاء الجو وضوء قمر الصيف. ولكن، هل بوسون عاين فعلا ما يتحدث عنه؟ خاصة إذا علمنا أن الحوريات ليس لها وجود في الواقع بقدر ما هي كائنات أسطورية واعتقاد خرافي ( بحمولات رمزية مختلفة) حسب ميتولوجيا وثقافات الشعوب. أم أن بوسون ينقل تجربة ” غرامية” شخصية يتصورها أو عاشها بشكل غير مباشر؟

في جميع الأحوال، يظل هايكو بوسون مشوبا بغموض شديد بحجم عدم واقعية ما يتحدث عنه.

  • الهايكو الثالث لكاتب مجهول :

 

أوراق الخريف الذهبية

تصير رمادا، ثلجا

ودموع عشاق!

 

في هذا الهايكو، يثير المؤلف موضوع الحب ولكن بشكل غير مباشر، بل بفنية وشعرية عالية تضمر شجنا ونهاية لتجربة جميلة. ويمكن اعتبار ربط نهاية علاقة حب (دموع عشاق/ س3) بسقوط (أوراق الخريف/ س1) مرورا بحالة التحول الطبيعية والفناء التي تصيب تلك الأوراق (س2)، صورة شعرية مؤثرة بدلالات عميقة تحيل إلى سرعة مرور ونهاية اللحظات الجميلة وحتمية فناء الإنسان وكل ما يتعلق به.

باختصار، نود التأكيد على أن موضوع الغزل من الأغراض النادرة عند الهايجن اليابانيين المعروفين، قد يكون ذلك لتجنب السقوط في الذاتية المفرطة والمجاز الموغل في الخيال والمباشرة العاطفية أو بسبب خصوصية النوع الذي لا يتيح أريحية لمثل هذه الاندفاعات الحميمية. ولربما بسبب ذلك، يلاحظ بأن الشعراء الذين تناولوا الحب كتيمة، وخاصة اللاحقين منهم ومجهولي الهوية، جاءت نصوصهم مجانبة لأساسيات الهايكو كنوع له أدواته. هؤلاء هم في العادة شعراء عاشوا الخيبة وخبروا الحرمان العاطفي ووظفوا الهايكو بشكل سهل وطريف كوسيلة للتعبير عن مشاعرهم.

ونسوق مثالين لشاعرين مجهولين تناولا موضوع الحب بطريقة الهايكو:

مثال1:

تركض وراء السعادة

مثل حمار يركض

وراء الجزرة

 

في هذا النص نلاحظ استعمال:

– المجرد و الأنسة (السعادة / س1) ،

– التشبيه الصريح المباشر، و إن كان لا يخلو من وجاهة وطرافة.

مثال2:

أيتها الطبيعة أنت ترتعشين

وراغبة في الحب

في الربيع المتجدد

 

يتحدث الكاتب بشكل صريح عن الحب (س.2) ويناجي الطبيعة (س1). فهل يعني بالطبيعة تلميحا لعشيقته دون أن يسميها بشكل مباشر؟

ما نستطيع قوله، على نحو صريح، أن النص مغروس في أجواء وحميمية الطبيعة إلى درجة التعامل معها كإنسان مشحون بالرغبة المتجددة بتجدد الربيع المزهر، فصل التزاوج والتكاثر والحياة بامتياز.

نخلص إلى أن النصين تموقعا خطوات لا يستهان بها بعيدا عن ضوابط الهايكو المعروفة.

وفي جميع الأحوال، يبقى للكاتبين ميزة تجريب مرارة العشق التي خبراها في أشكال هايكو بطريقة “مشخصنة ” جدا لا تخلو من دعابة وطرافة، وربما تجديد!

فيما يلي أقترح مجموعة من النصوص تناول شعراؤها الحب كغرض رئيس، بل منهم من أصدر دواوين باسم “هايكو” الحب أنطولوجيا “هايكو” الحب:

1/ جان ميشال ليجليز(1976) من ديوان: هايكو الحب، Haïku d’amour ، 2018

 

لو قدر لي أن أكون …

الشمس التي تدفئك،

هل تودين أن تحبيني؟

*

أقطف وردة –

حمراء مثل الشغف

ولكن سرعان ما تذبل

*

مداعبات الفَجر

برفق يد على الخد

تنهدات الليل

*

على جلد الرمل

عبير القهوة السوداء

بطن الأرض

 

2/ بيير فرانسوا كيتلر(شاعر وسيناريست فرنسي معاصر)

 

أحلام

المرأة العارية

النائمة على الزهور

*

واصل إذن

هذا الذهاب والإياب

أيها الحرفي الجميل

 

3/ من هايكو الأيروتيك العربي:

 

سرير دافئ

كل مساء

تشتهيك انوثتي

*

کقطة اليفة-

لا ينام بدون رقصة الانامل،

النهد

*

حبة البركة

تغريني أكثر، شامة

على نهدك الأيسر

*

قبلة

إلى أن تمتزج الأرواح

دفئ مجنون

*

على صدرها

وشم منقوش

فراشة الحب

عواء…

كلب الرغبة الأحمر

لايروضُ بالوعود!!

*

شتاء بارد

يطويانه عجوزان

عناقا.

*

علي القيسي

ليلة العرس؛

حصة الكهل زقزقة

السرير!

 

*

يا خيبتي!!!

النهر الجاف

يختبر الرعشة الكاذبة

*

في الحرب

رمح أنا

سيقانها قوسي

 

نستطيع أن نلاحظ، دون عناء، أن هذه النصوص تورطت إلى حد العراء في مغامرات “غرامية ” مباشرة وفاضحة إلى حد قد تخدش الذوق الجمالي بصراحتها الأيروتيكية السمجة.

مثل هكذا قول يمكن أن يجد له مجالا أرحب في أشكال قصيرة أو طويلة أخرى غير الهايكو للتعبير عن الكبث الجنسي وتصريفه على شكل بطولات غرامية خيالية والرغبة في استرقاق وتشيئ المرأة. بل لا تخلو بعض النصوص من عنف ذكوري ضد الأنثى. وهذا لا علاقة له بجماليات الهايكو على الإطلاق.

الهايكو نوع جاد بجمال أرفع وفلسفة أسمى من غزل سطحي وأيروتيك ساذج أو عنيف لتفريغ كبث ذاتي وجسدي متأصل.

 

هايجن ومترجم من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

نصوص من الهايكو الهايكيست المغربي عبدالله هدى

نصوص من الهايكو الهايكيست المغربي عبدالله هدى   بالحقل المحروث وحدها تنمو ظلال الأحجار الصغيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *