الرئيسية / فنون / الفن والثقافة ..في فلسفة هيغل – لينا حبيب ديب

الفن والثقافة ..في فلسفة هيغل – لينا حبيب ديب

الفن والثقافة ..في فلسفة هيغل

                                                                              لينا حبيب ديب

                                                                             – ماجستير بالفنون الجميلة-

 

 

  يعتبر الفيلسوف الألماني (جورج فيلهلم فريدريش هيغل Hegel ) أحد أهم مؤسسي المثالية الألمانية في الفلسفة في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، فلقد ولد في 27 آب 1770، في شتوتغارت من المنطقة الجنوبية الغربية في ألمانيا، لعائلة برجوازية صغيرة، تلقَّى في البدء تعليمًا كلاسيكيًّا مكثفًا؛ فلقد دَرَسَ الفلسفة وعلم اللاهوت في مدرسة توبنغن الإكليريكية، إلى جانب بعض أشهر معاصريه،( كشيلنغ Schelling  و هولدرHolders)، الذين كانوا شديدي التحمس للثورة الفرنسية آنذاك.

لقد مارس هيغل العديد من الأعمال في بداية حياته ليعيل أسرته كمدرس خصوصي وصحفي ثم عمل أستاذًا في جامعة هايدلبرغ، وهنا لمس طلابه أهمية دروسه فقاموا بتدوينها، وبعد وفاته استخدمت هذه التدوينات لتدعم ما ألفه من أعماله.

ولقد فتنته أعمال (كانط Kant، وروسوRoussrau، ويوهان فولفغانغ غوته Goethe ) قبل الثورة الفرنسية في الفلسفة الحديثة، والثقافة، والمجتمع. ففي مؤلفاته الأولى ظهر تأثره بإيمانويل كانط وخاصة في مؤلفاته الدينية التي تتناول حياة يسوع لكنه سرعان ما رفض نظرية كانط وروسو وغيرها، من النظريات الفلسفية بوصفها شديدة التقييد وتخلَّى عن إيديولوجية عصر التنوير، إذ تبيَّن له أن تلك الإيديولوجية لا تستطيع التعبيرُ عن التحولات التي طرأت على العالم القديم، كما هي تكتسح اليوم العالم الحديث، حيث طور ما يدعى بالتفكير الديالكتيكي (التفكير الجدلي) ؛ معتبراً أنه من واجب الفلسفة، أن تشرح منطقية ما سبق ، و ما هو سائد حاليًّا ، وعن طريق فكره، تمَّ إدخال التاريخ ضمن نطاق الفلسفة كبُعد أساسي من أبعاد الوجود،  لأنه يلبي هدفًا في نهاية المطاف، وهو السعي إلى غاية ، أي التجلِّي التدريجي للفكرة الكونية، ولكن فيما يبدو أن تفكير هيغل كان محفوفاً بالتناقضات والتوترات، مثل تلك التي بين الذاتي والموضوعي في المعرفة والعقل والطبيعة، والحرية والسلطة والإيمان، والتنوير والرومانسية.

لقد كان المشروع الفلسفي الرئيسي ل هيغل هو أن يفسر هذه التناقضات والتوترات كجزء من وحدة عقلانية شاملة، ولقد وصفها بأنها “الفكرة المطلقة” أو ” المعرفة المطلقة “.

كما كانت السمة الرئيسية لفكر هيغل، أنه تطور من خلال التناقض والنفي.. التناقض الذي يخلق الديناميكية في كل مجالات الواقع، وفي الوعي، والتاريخ، والفلسفة، والفن، والطبيعة، والمجتمع، ويؤدي ذلك التطور إلى عقلانية جديدة، يتم من خلالها التوصل إلى وحدة التناقضات في كل المراحل التي تؤدي في نهاية المطاف إلى التفكير العقلاني الذاتي الواعي والكامل، وبذلك نجد أن فكر هيغل الثوري يعتمد فلسفة النفي المطلق.

وهو يتجاوز، من حيث مفهومه، ما كان يمثله، في نظر سابقيه، كصفة من صفات الروح الإنسانية؛ ليتحول الفكر عنده إلى محرِّك للواقع بأكمله وانطلاقًا من هذا الفهم، كانت مقولته الشهيرة القائلة: “كل ما هو منطقي حقيقي، وكل ما هو حقيقي منطقي” 1 فهو يدرس، على التوالي، الكائن والجوهر والمفهوم الذي يتخذ شكله النهائي في الفكرة، كتعبير عن “وحدة الروح والمفهوم”.

وهو منطق جدلي، وليس شكليًّ، لأنه يحوِّل العالم في حدِّ ذاته ويطوِّره. ومن هنا سميت فلسفته بالفلسفة المثالية المطلقة، والمطلق في النهاية هو في الواقع1.

في كتابه دراسة في (فينومينولوجيا الروح أو ظاهريات الروح ) 2 Phénoménologie de   l’esprit1 ، عام  1807، رسم هيغل ملحمة الوعي  ، التي نفى من خلالها ما سبقه، ليرتقي، إلى درجة واقع أعلى وأكمل ، منطلقاُ من  “اليقين المحسوس” ليصل إلى “المعرفة المطلقة ، فلقد  أعاد مراجعة مسيرة الروح الإنسانية ، خلال سعيها التدريجي إلى وعي مفهوم الحرية؛ بحيث تمر الروح بثلاث مراحل هي: الفن، الدين، والفلسفة أو العلم.

فهو يجمع بين معنى الروح، والقوة الكونية المتجسدة في العقل بمعنى أنه يجمع بين مفهوم المعرفة والعقل، وبالتالي الواقع، ليجسد شمولية المعرفة في كافة المجالات، وبشكل خاص في مجال الفلسفة، موصلاً بذلك الفلسفة إلى تفتحها الكامل، وفي نفس الوقت إلى نهايتها الحتمية.

من هذا المنظور، كانت قطيعة هيغل مع مجمل الموروث الميتافيزيقي الذي لم يحتفظ منه إلا ببعض الثوابت العائدة إلى (هيراقليطس Heraclitusواسبينوزا Spinoz)، فالكائن من منظوره، لا يحتوي من الواقع بمقدار ما يحتوي من العدم. من هنا كانت بعض قواعده التي قد تبدو غير مقبولة بنظر المنطق الكلاسيكي، كتلك التي تقول، مثلاً وليس حصرًا: “إن مفهوم الكائن يكافئ العدم من حيث انعدام مضمونه؛ وعلى العكس من هذا في المقابل، وكانعكاس للفراغ فإنه يمكن اعتبار العدم كائنًا في حدِّ ذاته، إن لم نقل إنه الكائن بسبب نقائه.”

لقد حققت المنظومة الهيغلية الواسعة، والطموحة نجاحًا كبيرًا في بداياتها، ثم تبع هذا النجاح شيء من النسيان، حتى أواسط القرن التاسع عشر ومجيء ماركس الذي يعتبر نفسه منتسبًا إلى هذه المنظومة، التي استعادت نفوذها في القرن العشرين، من خلال أعمال متنوعة (لسارتر Sarter ولوكاتشLukacs، وهنري لوفيفرLefebvre، وإريك فايلWeil، وماركوزيMarcuse)

  • الدراسة الفلسفية التمهيدية:

هي في الواقع نوتات هيغل الشخصية، التي قدمها بخطِّ يده كموجز لفكره وبرنامجًا عمليًّا لما سيطوِّره بعدئذٍ والتي كتبها عند تحضيره دروس الفلسفة للسنوات الثلاث الأخيرة لجيمناسيوم  نورمبرغ، الذي كان فيلسوفنا قد عُيَّن مديرًا له في العام 1808.

وفي هذه النوتات، دروساً في عقيدة الحقوق والواجبات والدين. وملخَّص لـ”دراسة ظاهرة الروح والمنطق”، ثم جدلية الحوار بين السيد والعبد، وهو في النهاية، ولوج الوعي كـ”شكل أعلى للتماهي بين معرفة الشيء ومعرفة الذات”، حيث المعرفة الحقيقية.

كما تقدم تلك النوتات أسُس الفكر الهيغلي في مختلف المجالات، وفيها محاضرات في علم الجمال ومحاضرات في فلسفة الدين ومحاضرات في فلسفة التاريخ ومحاضرات في تاريخ الفلسفة.

ولقد طبَّقها هيغل في تعليمه البرليني، حين أعاد استعراض سائر مجالات الحياة والثقافة، مضفيًا عليها مضمونًا جدليًّا، جعل من التاريخ والدين والفن والفلسفة لحظات واسعة ومتتالية وبذلك دون هيغل أفكاره في (موسوعة العلوم الفلسفية )3، المؤلفة في ثلاثة أجزاء (المنطق، فلسفة الطبيعة، وفلسفة الروح)، يتجلَّى من خلالها التموضُع التدريجي للروح الإنسانية.

كما قام باستعراضٌ سريع للعلوم الطبيعية (الرياضيات والفيزياء والبيولوجيا).

أما الجزء الأخير فهو مخصص لـ”علم الروح”: بوصف أبعادها الأساسية الثلاثة (الإحساس والتصور والتفكير) يتبعه تحققها التدريجي كمعرفة – في البدء من خلال الروح العملية (القانون والأخلاق ونظرية الدولة)،

وفي النهاية من خلال الثلاثية الكبرى للفن والدين والعلم التي تثبت “تحققها المحض”.

  • المجتمع المدني:

جعل هيغل التمييز بين المجتمع المدني والدولة في كتابه (أصول فلسفة الحق)4

معتبراً أن المجتمع المدني، هو مرحلة في العلاقة الجدلية التي تحدث بين الأضداد والكلي ولقد أصبح هذا الفكر هو الأساس ل كارل ماركس في تصورة للمجتمع المدني باعتباره القاعدة الاقتصادية الحقيقية، وأصبح معتمداً في جميع المنظمات غير الحكومية في كل جوانب المجتمع، بما في ذلك الثقافة والمجتمع والسياسة.. هذا التميز الليبرالي بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني في الواقع.

  • الدولة:

اعتبر هيغل أن الدولة هي “الروح الموضوعية”، وأنه يتوجب على الفرد   أن يكون عضوا في الدولة ويتمتع “بحرية كبيرة في الدولة”؛ فيكون لديه الموضوعية والحقيقة والحياة الأخلاقية”. ففي الدولة الهيغلية المواطنين على حد سواء يعرفون أمكانهم؛ وأوفياء في التزاماتهم، فهم أعضاء فيها، سعداء حتى للتضحية بحياتهم من أجلها، وهكذا فإن ارتباط الدولة والأسرة والمجتمع المدني يكون التتويج النهائي لفكر هيغل في عناصر فلسفة الحق وليشكل الثلاثة معاً ما يسمى ب”الحياة الأخلاقية”.

  • هيراقليطس:

تأثر هيغل ب هيراقليطس  الذي يعد بأنه أول من أعلن ، أن الطبيعة لا نهائية وفي حالة تغير دائم ، ولقد عارض  هيراقليطس المنطق الصوري بمنطق حركي  وهو يؤمن باجتماع الأضداد مع بعضها ، بينما في المنطق الصوري، وتحديداً في قانون عدم التناقض لا يمكن أن نجمع الصفتين المتناقضتين في شيء واحد ، وفي آن معاً  في الكون ، ولقد أكد هيغل أن  هيراقليطس كان قد سبقة لمنطق الكينونة الفلسفي “في علم الوجود”، وهي  الكينونة الصافية والنقية التي تنتج من  العدم ، و العدم الذي يصبح من الواقع المجرد حسب رأي هيغل وهذا ما رآه في تفسير هيراقليطس ، ولكن حتى إذا كان موجودا ليس هو الجوهر الرئيسي لأفكاره.

بينما، التطور الطبيعي للفكر والكون عند هيغل، يأتي من الحركة الداخلية للواقع الذي يتجلى في تطور الكون والطبيعة والفكر ومن تحليل الفكر والواقع وبذلك يظهر الله نفسه متجلياً بشكل كامل من خلال عملية جدلية الصيرورة، فالفكرة الأساسية من جدلية هيغل هي أن الأشياء أو الأفكار لها تناقضاتها الداخلية.

على العكس من ذلك وعند ظهور نهضة الفلسفة الهيغلية، والتي وصفت بأنها نهج “أطروحة نقيض التوليف” ويمكن تفسيرها بما يلي: أن “أطروحة” (مثل الثورة الفرنسية) من شأنه أن يؤدي إلى خلق له “نقيض” (على سبيل المثال عهد الإرهاب الذي أعقب)، ومن شأنه أن يؤدي في النهاية إلى “توليف” (مثل الدولة الدستورية للمواطنين مجانا)، ولقد نسبت هذه المصطلحات ل كانط. ما يعطي الشعور أن الأفكار التي تناقض أو تعارض الأشياء تأتي من خارجها. بينما وجهة نظر هيغل، الأساسية في تحليل أو فهم الشيء، يكشف عن أنها تنطوي على وحدة داخلية، وهو التناقض الداخلي الأساسي في فكره.

في النصف الأخير من القرن العشرين، خضعت فلسفة هيغل لنهضة كبرى، ويعود السبب في ذلك إلى إعادة اكتشاف وتقييم هيغل من قبل الفلسفة الماركسية فتم تجدد المنظور التاريخي الذي جاء به هيغل على كل شيء، مؤكدين اعترافا متزايدا لأهمية “الطريقة الجدلية”.

فلقد جاء في كتاب (جورج لوكاش Lukacs) ” التاريخ والوعي الطبقي”5، عام (1923) والذي يحمل عنوانا ً صغيراً ” دراسات في الجدلية الماركسية “؛ يعمل لوكاش على إعادة الاعتبار للذات فالتاريخ برأيه ينتج عن التفاعل بين الذات والموضوع أي عن وعي الناس بالقوانين التي تحكمهم، كان لوكاش يميل نحو إعطاء الأهمية للوعي، وهو ما ساعد لإعادة هيغل إلى الماركسية الكنسية.  كما أبرزت نهضة هيغل أهمية أعماله المبكرة، أي تلك التي كتبت قبل “الظواهر من الروح”.

على الرغم من أن هيغل قد بدأ فكره الفلسفي بالتعليق على الدين المسيحي، فهو قد تخرج من مدرسة دينية بروتستانتية وحصل على الشهادة اللاهوتية.

وغالبا ما كان يعبر عن رأيه أنه مسيحي، رغم أن أفكاره عن الله ليست مقبولة لدى بعض المسيحيين، بصفة خاصة لدى محاولته إثباته ظاهرة وجود الله متبنياً فكرة أن “الله ليس فكرة مجردة “، ولذلك تأثر بفكره الإحادي بعض الماركسيين الذين قاموا بتجريد مفاهيم الألوهية على غرار طرح المادية الجدلية التي نشأت من فكر هيراقليطس ولقد انعكست مخاوف هيغل اللاهوتية في العديد من كتاباته ومحاضراته.

فكانت أفكاره عن شخص يسوع المسيح مستمدة من لاهوت التنوير، فهو يرى كل من وحدة العلائقية ووحدة الميتافيزيقية بين يسوع والله الآب. يشهد هيغل أيضا أن الله (كما يسوع) لم يمت. وكانت فلسفته تتفق مع المسيحية وهذا ما أدى الهيغلية (كارل فريدريش فيلهلم Karl Friedrich) لإعداد أطروحة لإثبات وجود عقيدة الخلود في فلسفة هيغل.

مما يمهد الطريق لتديُّن مفرط، في أوضاع العقل من خلاله استقلاليته.

  • ايدلبرغ وبرلين (1816-1831):

يعد فكر هيغل أنه قمة حركة الفكر في أوائل القرن ال19 في ألمانيا الفلسفية المثالية ولقد كان له تأثير عميق على العديد من المدارس الفلسفية، بما في ذلك المدارس التي عارضت تحديداً المثالية الجدلية الهيغلية، مثل الوجودية و المادية التاريخية لماركس، historism ، و المثالية البريطانية . كما ولدت الهيغلية اليسار الماركسية التي ألهمت الحركات العالمية، والتي تشمل الثورة الروسية، والثورة الصينية، والممارسات الثورية التي لا تعد ولا تحصى حتى اللحظة الراهنة.

وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي في عام 1990، اتخذت قراءة جديدة لهيغل في الغرب؛ من قبل جمعية هيغل الأمريكية وبالتعاون مع العلماء الألمان مثل (أوتو  Ottoو والتر كوفمان Kaufmann)، وأصبح  ماركس يلعب دوراُ قليلا في هذه القراءات الجديدة.. ولقد وجهت انتقادات لهيغل في القرن 19 و 20 من قبل مجموعة متنوعة من الأفراد بما في ذلك آرثر شوبنهاورSchopenhauer، ماركسMaex، كيركيغاردKirekegaard، فريدريك نيتشهNietzsche، برتراند راسلRussell، GE مور، اريك و الهيغليين الشباب، والتي تضمنت فيورباخ وماركس وإنجلز، وأتباعهم. في بريطانيا، والهيغلية المثالية البريطانية ولقد انتقد شوبنهاور هيغل المعاصر له، وكتب عن فلسفتة بأنها “شبه فلسفة شلت جميع القوى العقلية، خنقت كل تفكير حقيقي.” كما وصفه شوبنهاور أيضا باسم “دجال أخرق، وكتب روبرت بيبين أن هيغل كان “أبشع أسلوب النثر في تاريخ اللغة الألمانية”، وذكر ( رسل Russel) في كتابه مقالات غير محبوبين (1950) و تاريخ الفلسفة الغربية (1945) أن هيغل كان “صعب الفهم لجميع الفلاسفة”.

ولقد تحدث بعض المؤرخين أن هيغل قد دافع عن العقيدة البروتستانتية ومن الناحية السياسية حاول المحافظة على مرحلة ما بعد نابليون (فترة الترميم).  وكان له تأثير واضح على الهيغليين الشباب المعروفين ب  الهيغليين اليساريين ، تجلى ذلك التأثير في الإلحاد بالدين و الديمقراطية الليبرالية في السياسة7.

  • علم الجمال أو الإستيطيقا:

تكمن الجمالية الهيغلية في أنها تبين النظرية الفلسفية للفن ومعانيه العميقة.  باعتبار أن الفن يفرض طبيعته الخاصة بالكامل عندما يحقق غايته.

كما أن الفن يعكس المطلق عكْسًا حدسيًّا ومحسوسًا، والعمل الفني هو “التجلِّي المحسوس للفكرة” فهو الوسيط بين الإدراك الحسِّي الصافي والتصوري للشيء العادي الذي يبتعد عن الإدراك المادي.

فالفن يحمل بصمات الروح والحرية – لهذا نجد أن هيغل، خلافًا لكانط، لا يقبل بوجود جمال “طبيعي”؛ بمعنى أنه لا يمكن تبسيطه إلى مجرد نَسْخ للطبيعة أو محاكاة لها، أو اختزاله إلى مجرد قدرة تقنية وتكنيكية.

والعمل مكونًا من شقين أحدهما محسوس والثاني عقلي، وعندما يستولي الجانب الحسِّي على الفكرة، فإننا نجد أنفسنا ضمن مجال الفنِّ الرمزي (فالرمز مبهم دائمًا، حيث يمكن لشكله أن يولِّد عدة معان، وهذه حال الفن المصري – وذروة موسيقاه متمثِّلة في أبي الهول الذي يجسد الوظيفة الرمزية.

بينما يمتاز الفن الكلاسيكي بتوازن الجانب المحسوس مع الجانب العقلي، وهذا ما تجسده، على سبيل المثال، المنحوتات اليونانية التي تبين مثالية الجمال الطبيعي،

لكن في المقابل، نجد أن ما تقدِّمه التراجيديا اليونانية، من خلال تسلسل مؤلِّفيها الثلاث، هو ملخَّص لتاريخ الفن، حيث يمثل إسخيلوس الرمزية، بينما يمثل سوفوقليس الكلاسيكية؛ أما إفريبيدِس فيمثل الرومانسية.

ونجد أن الفن الرومانسي (المتوافق مع الثقافة المسيحية) يعبِّر عن تجاوز المضمون للشكل. فالفكرة غنية إلى حدٍّ لا يمكِّن للمادة من استيعابها استيعابًا كاملاً.

وتتحقق هذه المرحلة الأخيرة في عدة فنون، كالرسم والموسيقى والشعر، حيث يشكل هذا الأخير (أي الشعر) الفن الأكثر عقلانية بين الفنون،

لأن المادة فيه تنمحي تقريبًا، فالشعر الملحمي يبيِّن الجوانب التشكيلية والتصويرية؛ أما الشعر الغنائي فيغتني بالموسيقى؛ بينما يجمع الشعر المسرحي، جميع هذه الصفات الروحية8.

ونشير هنا إلى أن الشعر، بلا ريب، لا يبلغ حدَّ نقاء المفاهيم، لكنه يمتاز عن غيره من الفنون بأن أداته هي اللغة فقط، مما يعطيه نقاء لا يضاهى في عالم الفن: فالشعر، على طريقته، يعلن قرب سيادة العلم.

إن هذه الإستيطيقا، الغنية بتحليلات عميقة لأعمال كثيرة ومعانيها ووسطها الثقافي، قد أثَّرتْ، إلى حدٍّ كبير، على علماء الجمال (ككروتشي Croce وفوسيلونFocillon )،

كما أثرت على النتاج الفني في حدِّ ذاته (فالسوريالية استخلصت منها، مثلاً، ضرورة أن تصبح جميع الفنون “شاعرية”).

ولكن تبقى المشكلة ما تعلنه هذه الجمالية من “موت الفن”، لأنه من الواضح أن الفن مازال مستمرًا.

في حين أنه لا يتعارض مع المفهوم الهيغلي لتاريخ الفن، لكننا   نتساءل هنا فيما إذا كانت الأعمال الحديثة تحقق فكرة “التجلٍّ المحسوس للفكرة”.

  • حياته:

تزوج هيغل من ماري هيلين سوزانا فون (1791-1855)، وهي الابنة البكر لعضو مجلس الشيوخ في عام (1811). في هذه الفترة تم نشر عمله الثاني، (علم المنطق) في ثلاث مجلدات ولقد رزق بولديه الشرعيين وهما: كارل فريدريش فيلهلم (1813-1901) وإيمانويل توماس المسيحية (1814-1891).

انتقل هيغل في عام (1816) إلى هايدلبرغ وانضم ابنه غير الشرعي لودفيغ فيشر إلى الأسرة بعد ان أمضى حتى الآن طفولته في دار للأيتام.

تم تعيين هيغل رئيساً للجامعة في أكتوبر عام 1829، ولقد منحه فريدريك وليام الثالث   وسام النسر الأحمر، حتى وصل وباء الكوليرا إلى برلين في آب عام ( 1831 ) فاضطر إلى ترك المدينة بعد أن ضعفت صحته ، إلى أن بدأ الفصل الدراسي الجديد في الشهر العاشر، عاد هيغل إلى برلين، ولكنه سرعان ما توفى بداء الكوليرا،

ويقال انه قد تلفظ الكلمات الاخيرة “وقال انه لم يفهمني” ولقد تم دفنه في 16 نوفمبر تشرين الثاني في مقبرة Dorotheenstadt بجانب فيشت وكارل فيلهلم فرديناند

أما أولاده: فلقد توفي ولده لودفيج أثناء خدمته في الجيش الهولندي في باتافيا لكن خبر وفاته لم يصل إلى والده.

وفي العام التالي شقيقه كريستيان انتحر غرقا.

أما أبناء هيغل المتبقيين فلقد أصبح كارل مؤرخا، وإيمانوئيل اتبع مساراً لاهوتياً، ولقد عاش فترة طويلة وأنتج طبعات لأعمال والده.

 

 

المراجع العربية:

  • ستيس ولتر/فلسفة هيغل، المنطق وفلسفة الطبيعة، ط3، عام 2007، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح، دار التنوير، بيروت

2- هيغل فريدريك/ ظاهريات الروح، عام 2009، ط1، ترجمة إمام عبد الفتاح، دار التنوير، بيروت

3- هيغل فريدريك / موسوعة العلوم الفلسفية، عام 2010، ج2، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت

4- هيغل فريدريك /أصول فلسفة الحق، ج1، عام 2007، ط3، ترجمة إمام عبد الفتاح، دارالتنوير، بيروت

5- لوكاش جورج/ التاريخ والوعي الطبقي، عام 1999، ترجمة د حنا الشاعر، دار الأندلس، بيروت

6- هيغل فريدريك، تكوينية الوعي الإنساني والديني، من دروس فلسفة الدين، ترجمة أبو يعرب المزوقي، عام1917، نشر دائرة الثقافة والسياحة، أبو ظبي

7—هيغل فريدريك/ العقل في التاريخ، من محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة: إمام عبد الفتاح إمام، دار التنوير، بيروت

8- هيغل فريدريك / المدخل إلى علم الجمال، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت

 المراجع الأجنبية:

1-F.châtelet ,Hegel,(Seuil)

2-D’Hondt, Hegel (PUF)

3-J.Hyppolite,Logique et existence

4-A.KojèJve, Introduction à la lecture

عن madarate

شاهد أيضاً

قراءة في تجربة (المابين L’entre-deux) – محمد خصيف

    ليس هناك من نص متجانس، هناك في كل نص قوى عمل في الوقت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *