الرئيسية / دراسات / الملحون وأسئلة الهوية والماهية- قراءة في كتاب محمد بوعابد (أبو ريم) حفريات في الشعر الملحون – عبد الجليل بدزي

الملحون وأسئلة الهوية والماهية- قراءة في كتاب محمد بوعابد (أبو ريم) حفريات في الشعر الملحون – عبد الجليل بدزي

 

الملحون وأسئلة الهوية والماهية- قراءة في كتاب الأستاذ الباحث محمد بوعابد (أبو ريم)

حفريات في الشعر الملحون عبد الجليل بدزي

 

 

يقول شاعر:

وخير مكان في الدُّنا سرج سابح *** وخير جليس في الزمان كتاب

 

تذكرت هذا البيت الشعري، وأنا أقلب صفحات كتاب (حفريات في الشعر الملحون ـ دراسات في الشعر المغربي العربي الزاجل)، والذي أهدانيه كاتبه صديقي وأخي الأستاذ محمد بوعابد (أبو ريم) الأستاذ الأكاديمي والناقد والشاعر والقصاص والمترجم والباحث في مجال التراث، فله الشكر والتقدير على هديته القيمة والمفيدة.

والمقلب في صفحات هذا الكتاب، خاصة إذا كان قارئا متبصرا ومنشغلا بهذا الموروث، سيجد نفسه أمام باحث متمكن من أدواته المعرفية، له طريقته الخاصة في تناول القضايا، يرفض الطرق البسيطة السهلة، ويأبى إلا أن يحلق في أجواء البحث والتنقيب عاليا سالكا الطريق الوعر، وكأني به يتمثل أبا العلاء المعري من خلال قوله:

 

لا يــراني الله أرعــى روضة *** سهلة الأكناف من شاء رعاها

 

فمنذ عرفته إلى وقتنا الراهن، وكلما تجاذبنا أطراف الحديث حول الملحون وقضاياه، إلا وتحدث بمرارة عن هذا الركود وعدم التطور الذي  يطال البحث في الملحون، حيث ظل هذا البحث يراوح مكانه منذ القرن الماضي إلى اليوم، وهو أمر لا يمكن أن يخدم هذا الإنتاج الأدبي بأي حال من الأحوال، الشيء الذي يضعنا أمام حتمية العمل بجد على تطوير آليات بحثنا، وتنويع أسئلتنا المطروحة على ديوان المغاربة هذا، على أن تكون أسئلة جادة وعملية في مستوى المادة التي نشتغل عليها، الشيء الذي نرصده من خلال مقاربة الأستاذ محمد بوعابد لهذا الموروث، والذي انطلق فيها من الأسئلة التالية:

1/ أسئلة عامة وهي أسئلة الكتابة عموما، ونجد البعض منها عند الفيلسوف جان بول سارتر وعند ميشيل فوكو وغيرهما، وليس هذا مجال للخوض فيها.

2/ أسئلة خاصة، وهي الأسئلة التي انطلق منها الأستاذ محمد بوعابد، وشكلت همه أثناء البحث في ديوان الشعر الملحون، والتي أجاب عنها في عمله هذا “حفريات في الشعر الملحون”، حيث يمكن إجمالها في التالي:

أ/ سؤال الماهية، أي ما هو الملحون؟

ب/ سؤال الهوية، ما هي هوية الملحون ومن أين بدأ؟

ت/ سؤال حول المضامين، مدى توفر بعض الأجناس الأدبية في الملحون؟

ويمكن استخلاص الإجابات التي قدمها الأستاذ الباحث بإيجاز كبير في التالي:

انطلق الكاتب أولا من عملية (الحفر) في ذاكرة “الشعر”، وما دامت كلمة “شعر” كلمة مطاطية اعتبارا من تعدد تعاريفها والصفات المنسوبة إليها، فالواجب يفرض علينا تحديد ماهية هذا الشعر الذي نشتغل عليه، ليخلص الباحث إلى أنه “الشعر الملحون”، وقد يبدو للعديدين أن هذا المفهوم لايزال غامضا غير محدد، لذلك اضطر المؤلف إلى التوضيح أكثر مشيرا إلى أنه شعر مغربي، يتميز عن العديد من الأنواع الشعرية التي أنتجت في الساحة المغربية إما بالفرنسية أو الإسبانية أو العربية المعربة أو الأمازيغية…، وقد اعتمد هذا الشعر اللغة العربية الفصحى المغربية، ذلك أن الأستاذ له رأي في هذه اللغة التي تعتبر من أدوات الإنتاج عند رجل الملحون، ذلك أنه يراها لغة تنطلق من اللغة العربية المشرقية، لكنها تأخذ سماتها الدلالية والنبرية من البيئة التي أنتجت فيها، فنطق الأندلسيين للكلمة ليس كنطق المغاربة، وبالتالي نسجل هذا التباين مثلا حتى بين المدن المغربية على سبيل الاستئناس، حيث اللغة في فاس ليست هي نفسها في وجدة أو في مراكش أو البيضاء وهكذا، وبالتالي قد تختلف هذه اللغة حتى بين الأنواع الإبداعية المنتجة بواسطتها، فالكلمة في العيطة ليست نفسها في الملحون وهي مختلفة عن أختها في الهيت … إلى غير ذلك، ويجد الباحث سندا لرؤيته تلك في العربية المشرقية، حيث تختلف في نطقها ما بين المناطق في المشرق، من اليمن إلى الحجاز إلى العراق فالشام وهكذا، الشيء الذي اعتمده الدكتور طه حسين كدليل للشك في الشعر الجاهلي، ولو أن المسألة لا يقاربها محمد بوعابد بنفس الحدة، ولم تبلغ عنده هذا المبلغ.

  وهكذا فإن الأستاذ الباحث، يرى بأن هذا “الشعر الملحون” المتحدث عنه هو شعر مغربي متطور عن الشعر الأندلسي، وكأني به يؤكد على أن المغاربة في هذا الباب قد تتلمذوا على الأندلسيين، وذلك ما يشير إليه من خلال قوله في مقدمة كتابه: “…مع بلاد الأندلس، شكل المغرب الكبير، من أقصاه إلى أدناه، مرورا بأوسطه، بوثقة انصهرت فيها أقوام، وتعايشت في حضنها إثنيات ولغات وعقائد، تيسر لها الاندماج انسجاما مع أفق إبداع حضور حضاري متميز، تجسد على المستويات العمرانية، وفي المأكل والمشرب، كما على مستوى الملبس وطرق الحلاقة، علاوة على مستوى الإبداع الفكري والإنجاز الأدبي والفني والموسيقي والتشكيلي…”.

وفي صورة أوضح، يقول الكاتب في مقدمة كتابه: “… إن الشعر الملحون الذي يمتد عمره منذ سلفه القريب “الزجل الأندلسي”، وما عرف باسم “عروض البلد”، مرورا ب “ملعبة الكفيف الزرهوني”، وصولا حتى الشعراء الشيوخ المشكلين ل “صابت الملحون” خلال القرون الميلادية 18و19 و20، وانتهاء بالشعراء الشيوخ المعاصرين، يمثل استمرارا وتواصلا تأصيليا وتطويريا للتجربة الشعرية الزجلية الأندلسية بملامح وخصائص مغربية صميم…”.

وهكذا يقطع الأستاذ الطريق على الجدل القائل بانتمائية الشعر الملحون لقطر من الأقطار، بل يرى أن هذا الذي يسمى “الشعر الملحون”، له امتداد في الشعر الأندلسي إن لم نقل وفي الشعر الجاهلي عموما، الأمر الذي يشير إليه في الصفحة 14 من كتابه قائلا: “… ولكل هذا، فإن مؤلف “حفريات في الشعر الملحون” يسعى، من خلال فصوله الخمسة، إلى إبراز كيف تواصلت وتتواصل التجربة الشعرية بمجموع ما تواتر في شرايينها من نسغ وماء الحياة، منذ الزمن الجاهلي وحتى الزمن الأندلسي…”.

وما دام هذا الموروث ينتمي إلى الشعر، فإن السؤال المشروع هو: من أين يأتي هذا الشعر؟، وما الذي يجعل كلاما ما شعرا، وغيره ليس كذلك؟، جواب الأستاذ هو أن الشعر لا يأتي إلا من الشعر، أي لابد للشاعر أن يتتلمذ على شاعر سابق، ويحفظ الكثير من الشعر، وينسى ما حفظ لكي يبدأ في الإنتاج الخاص به، والمثال على ذلك حسب الباحث محمد بوعابد هو ما سجلته كتب تاريخ الأدب العربي باسم رواة الشعر الذين يصيرون بعد ذلك شعراء، حيث يسيرون على خطى شعراء مشاهير تتلمذوا عليهم، ويعطي الأستاذ مثالا بالمدرسة الأوسية، فهل نجد لهذا مثيلا في الشعر الملحون يزكي قولة أن الشعر يأتي من الشعر؟، جواب الأستاذ محمد بوعابد هو نعم، بل الأكثر من ذلك هو أن هذه العملية في الملحون تكون إجبارية حتى قالوا في هذا الصدد: “شِيخْ بْلَا شِيخْ لـُو يَعْمَرْ جَبْحُو خَالِي، مَا يْلـُو مَبْدَا وُلَا اتْمَامْ”، وهكذا وضعوا مؤسسة أدبية يمر منها المولوع منذ بداياته الأولى حتى يصير شيخا، وهذه المؤسسة لها مبادئ أو مظاهر منها المادية والرمزية، فمن مظاهرها المادية والتي لابد لكل منتسب لحاضرة الملحون أن يؤمن بها ويعمل وفقها:

* مظاهر مادية، وتتمثل في ترتيب رجالات الملحون وفق التالي: ( شيخ الأشياخ + شيوخ السجية وهم أشياخ النظم + شيوخ الكريحة وهم أشياخ الإنشاد + الحفّاظة والخزّانة وقد يكون من بينهم منشدون + الشدّادة والرَّدّادة وهم الذين يرددون وراء المنشد حربة القصيدة + جمهور الشعر الملحون من الولوعين المتحلقين حول هذا الشعر والمعجبين به).

* مظاهر رمزية، وتتمثل في اللغة المستعملة وطريقة استعمالها، وبالتالي وضع جملة من القواعد اللغوية والبلاغية والتيماتية والموسيقية التي ساروا وفقها، إلى جانب مجموعة من القواعد التي يمكن أن تكون أرضية سليمة وصالحة لتشريح نص الملحون ونقده، وتوصيف شيخ السجية أو شيخ الكريحة وتصنيفهما بين الجيد والأجود والمتوسط والمتواضع من خلالها.

أما بخصوص مضامين هذا الشعر فقد تنوعت بتنوع تجربة شعرائه، وهو شيء لم يفقد التجربة أصالتها وارتباطها بأجناس أدبية ظهرت في الأدب العربي والآداب العالمية، وقد قدم جملة من الأدلة على تواجد نصوص قصصية ونصوص درامية قابلة لأن تُمَسْرَحَ ما دامت تحمل كل مقومات المسرحية.

إن كتاب “حفريات في الشعر الملحون” كتاب قيم لغناه بالمعلومات المفيدة، حيث راكم من خلاله الباحث تجربته الطويلة في مجال البحث والتنقيب في إطار الملحون وبين أهله، مما جعله تجربة هامة في مجاله، وأهمية الكتاب تكمن في إثارة العديد من القضايا المثيرة والتي نذكر من بينها:

1/ البدايات الأولى للقصيدة الملحونة وارتباطها بالشعر العربي عامة منذ تجاربه الأولى.

2/ اعتبار الشعر الملحون إلى جانب الشعر الأمازيغي والحساني هما الشعر المغربي الحقيقي الذي ينبعث من وجدان المغاربة ويعبر عن أفراحهم وأتراحهم.

3/ إثارة قضية اللغة التي تكتب بها قصيدة الملحون وعلاقتها باللغة المعربة، وبتالي النظر في مفاهيمها ومصطلحاتها.

4/ لفت الانتباه إلى بعض الأجناس الأدبية التي تخوض فيها قصيدة الملحون دون أن يتم الالتفات إليها والتنبيه عليها، وذلك مثل القصة والحكاية والنفس المسرحي في بعض القصائد، كقصائد (الترجمات).

5/ استحضر الكتاب العديد من المصطلحات الخاصة بالشعر الملحون، وقد وضحها في حدود الإمكان.

والخلاصة: أن الأستاذ محمد بوعابد، لم يكن صداميا أبدا في كتابه هذا، حيث أن لغته كانت مهادنة، بعيدة عن الدخول في الجدل العقيم، كان يوضح القضايا التي غمضت عند من سبقه إلى البحث في هذا المجال، ويقوم اعوجاجها دون قدح، غايته في ذلك، الوصول إلى الحقيقة، وتعبيد الطريق لمن سيأتي بعده راغبا في الحفر في ذاكرة هذا الفن، وسد كل الشروخ التي أصابت ديوانه، وهكذا لا تستطيع الملاحظات حول الكتاب أن تبخس المؤلف الباحث محمد بوعابد جهده المتميز، وطاقته الكبرى، فقد عرفته باحثا رصينا متذوقا وأكاديميا صارما، ومنقبا بارعا في جس النبض الثقافي لدى الجمهور.

 

 

                                                 باحث مهتم بالثقافة الشعبية من المغرب

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *