الرئيسية / دراسات / المنحى الصوفي في ديون ”أشتاق إليك…إلي” للشاعر الحَسَن الگامَح سعيد بوعيطة

المنحى الصوفي في ديون ”أشتاق إليك…إلي” للشاعر الحَسَن الگامَح سعيد بوعيطة

المنحى الصوفي في ديون ”أشتاق إليك…إلي” للشاعر الحَسَن الگامَح سعيد بوعيطة

 

قبل أن نلج العوالم النصية لديوان ”أشتاق إليك…إلي” للشاعر الحسن الكامح، تستوقفنا العتبة الأولى/ العنوان (أشتاق إليك…إلي). التي هي في الوقت نفسه عتبة ثانوية/عنوان النص الثالث من الديوان(ص:28). إن ارتباط العتبة الرئيسية للديوان بهذا النص، يشي بأن هذا الأخير عبارة عن نواة النص العام/ الديوان. حيث تتشظى وتتناسل من خلالها باقي النصوص الشعرية. إنها بمثابة ذلك المولد الشعري /générateur du poésie. سواء على مستوى المعجم أو الدلالة. مما يجعل مدلول هذه المقامات، يحضر في كل نص من نصوص الديوان. يتكون عنوان الديوان من مركب فعلي/ جملة فعلية (أشتاق إليك). يمكن إعادة صياغتها كالتالي: ”أشتاق إليك، أشتاق إلي”. بمعنى أن تجليات هذه الاشتياق، مبثوث في ثنايا هذه النصوص الشعرية. لتبقى حالة التجلي، أهم سمة هذه النصوص. لكن على الرغم من أن مفهوم التجلي يتداخل مع عناصر عدة، من قبيل: الماهية والغاية أو الهدف، فإن ذلك تصاحبه مظاهر عدة من: القلق والأرق والاكتئاب والضياع والاضطراب، والشعور بالوحدة إلى غير ذلك. فقد جاءت قصيدة الشاعر (أشتاق إليك…إلي) معبّرة عن هذا المعنى. وذلك في سياق ذاتي لمعاناة الذات الشاعرة التي تدخل في حالة من التأمل(الصمت). حيث استطاع الشاعر الحسن الكامح في ديوانه ” أشتاق إليك… إلي”، تقديم ذات شاعرة مأزومة في صور فنية معبّرة وفق خط شعري، تتشابك فيه الدلالة. لتُفصح عن معاناة مستمرة، ورغبة في البحث عن عوالم جديد تحيي فيها الذات من خلال التوحد. إن ما يميز العنوان هنا، كونه لا يمارس إكراها أدبيا يصادر فعل التلقي، كما أنه لا يوغل في الغموض الدلالي الذي يقذف بالمتلقي بعيدا عن مرافئ مراميه ومعانيه. بقدر ما يشكل الكلمة المفتاح التي لا يبوح الشاعر بها جهرة في نصوص الديوان. حيث ينتمي معجمها إلى المجال اللغوي والدلالي لحالة سمو الذات. مما يجعل الذات الشاعرة الساعية إلى هذا السمو، محاصرة بالعزلة والضياع والوحدة والتصدع وفقدان الثقة. إن هذا ما تبرزه شواهد كثيرة من قصائد الديوان التي تدور ألفاظها كما سلف الذكر، حول المجال اللغوي للعزلة والضياع بكل المعاني الممكنة. بحيث تميز الحقل المعجمي بالمفردات التالية:(الصمت، العزلة، الغياب، الموت، الضياع، الاحتراق، الألم، الرحيل، القبر، النهاية). يعمل هذا الحقل المعجمي بدوره على بناء حقل دلالي. يؤشر على تأزم الذات من جهة ومحاولة انعتاقها من جهة ثانية. تجلى ذلك في مفردات العالم الذي آلت إليه ذات الشاعر في النصوص التالية:(أسير لقبري وحدي /ص :18، أعلنت اليوم إفلاسي/ص:44، كمن كان هنا يوما/ص:142، هكذا تقول الحكاية/ص:160). تضمنت هذه النصوص بشكل بارز مفردات وأفعال من قبيل: (البوح، الوجع، الهموم، الرحل، الخ…). كما هيمن هذا المعجم وهذه الدلالة على عناوين مجمل القصائد. مما جعل كل عنوان عبارة مؤشر يحيل على ذلك النص المحوري للديوان (أشتاق إليك…إلي). هكذا يطرح ديوان الشاعر الحسن الكامح، حالة تأزم واضحة للذات. تحياها بكلّ تفاصيلها، والتأزم ظاهرة نفسيّة اجتماعية. تتصدع فيها ذات الفرد بسبب عدم تواؤمها مع المجتمع أو العالم المحيط. أشار الناقد أحمد علي إبراهيم الفلاحي، إلى عدة معانٍ، منها الانفصال الحتميّ والمعرفيّ لكيانات أو عناصر معينة في واقع الحياة، وكذا الانتقال الذي يعني التخلي عن حقّ من الحقوق التعاقدية والموضوعية التي تعني وعي الفرد وجود الآخرين واعتبارهم شيئاً مستقلاً عن نفسه ([1]).

 

تشكل النص

تقودنا القراءة الأولية لديوان الشاعر الحسن الكامح، إلى التأكيد على أن علاقة الشاعر بالقصيدة (في إطار تشكيل النص الشعري)، علاقة صدامية على حد تعبير الشاعر الراحل عبد الله راجع ([2]). ذلك أن الشعور أو المشاعر التي يمكن أن يكون النص الشعري تنظيما خاصا لها، تستولي عليه قبل الكتابة بفترة قد تطول. لكن مع ذلك، فإنه يدخل منطقة الاحتراق. لذلك فإن الشاعر الحسن الكامح، لا يشرع في الكتابة بمجرد أن تلمح عليه تلك المشاعر. بل يحاول جاهدا تشذيبها بعد الإمساك بها. وفي هذا بالذات يحاول أن يضع مخططا للنص الشعري حتى لا تنفلت منه أدق التفاصيل. حيث يمهد الشاعر الطريق للانتقال من النص الغنائي(الذاتي)، إلى النص الدرامي بكل تعقيداته. تبرز هذه النزعة الصدامية في ديوان ” أشتاق إليك…إلي” على ثلاث مستويات: مستوى الذات، مستوى الواقع(الحياة)، مستوى الذاكرة القرائية(التناص).

استطاع الشاعر أن یكون نفسه تكوینا ثقافیا، فقد وثق الصلة بالثقافة العربية، قدیمها وحدیثها، وتأثر بتیاراتها المختلفة وقد كان لثقافته العمیقة أكبر الأثر في تكوینة نصوصه الشعرية. فالفن خلق وإبداع، فیه یجد الإنسان ذاته، ویعبر عنها وإن كان في الوقت نفسه یعبر عن مجمل العصر، والظروف التي تتم فیها عملیة الإبداع، فالشاعر له الدور الأكبر في إعادة تشكیل الواقع المتصل بذاته بعد أن یشتد وقعه على مخیلته، ویكسوه بدلالات جدیدة تكفل له الوصول إلى درجة الإبداع بعد أن تنصهر ذاته في المجتمع، وینصهر كلاهما في العمل الشعري، وهو بذلك یرقى بأحاسیسه وأفكاره، ویرتقي عمله الأدبي ([3]).

 

  1. مستوى الذات

     يكشف المعنى الشعري عند الشاعر الحسن الكامح، وجعا وانكسارا وتشظيا، خاصة علاقته بالذات والأمكنة والشعر. إنه دائم التصدع والتفتت. تستعيد ذاته الشاعرة ذكريات المكان الأول، الذي يصير أحلاما مستعادة، وبؤرة لتناسل الأسئلة الجوهرية حول الوجود والعدم، الذاكرة والفقدان. بهذا الحنين الجارف للماضي، يصر الشاعر الحسن الكامح على مساءلته من منطلقات سلوكية وطقوسية وطوبوغرافية، رغبة منه في لملمة شظايا الذاكرة. وتحفيزها من الخروج من النهائي إلى اللانهائي. لعل التوغل في هذا البعد الذاتي عند الشاعر الحسن الكامح، جعل نصوص تعرف نوعا من التماس مع التجربة الصوفية. ذلك أن التجربة الفنية والتجربة الصوفية منبعهما واحد وتلتقيان عند نفس الغاية. يكون فيه الشاعر باحثاً عن التجلي والكشف عن المستور وهي إحدى منطلقات الشعراء المتصوفة الذين تعتمدون لغة التجلي ولغة الأحوال والمقامات لاكتشاف أفق لغوي رمزي إيحائي. حيث تنقلب فيه اللغة على عجزها وضبابيتها المحدودة. لتنتقل من النقل اللغوي إلى الخلق اللغوي الذي يصل إلى البعد الإيمائي في اللغة أو إلى تلك الانزياحات التعبيرية المؤدية إلى التعدد الدلالي للنص. لهذا، لم تكن مجالس السماع الصوفية مجالس أذكار وأوراد فحسب، بل كانت إلى جانب ذلك مجالس فنية يروّج فيها الشعر الصوفي وتوطد فيها العلاقة بين التصوف والشعر. فتنشط فيها القصائد الغزلية الروحية التي تربي الأذواق وترتقي بالنفوس إلى سبل السالكين وإلى ما يعرف بالعشق الإلهي التي تفيض بمفردات الجمال والجلال. والتي ظهرت جلياً في مدونات الحلاج وأبن الفارض وأبن عربي والشوشتري ورابعة العدوية. كما تشكلت مع الشاعر العراقي المعاصر البياتي في ديوانه (بستان عائشة) الذي تضمن نماذج جميلة ورائعة في مضمون الرومانسية المقدسة برمز أسطوري معبر عن قدسية الوطن والأرض والأم والمدينة، وكذا بدر شاكر السياب الذي أتخذ من مدينة جيكور ملاذاً وسكينة ودار استراحة المحارب روحياً وذوباناً في الذات، ولدى شعر الفرس شهاب الدين السهروردي وجلال الدين الرومي. تجلى ذلك في ديوان” أشتاق إليك…إلي” من خلال العديد من النصوص: أنا هنا أحيا كما أحيا (ص: 72)، حكايا الذات (ص :110)، كمن كان هنا يوما(ص:142)، لا حديث يليق بك(ص:154)، هو لي كما أنا له(ص:166).

 

2.مستوى الواقع/الحياة

     تميز ديوان” أشتاق إليك…إلي” في هذا الجانب، بالحيوية التي عرفها الشعر العربي في عبوره إلى العصر وحداثته ونهوضه بمتخيل شعري جديد. وإلى مفارقات محمد الماغوط، وأمل دنقل، ومظفر النواب، وأحمد مطر، الساخرة في نقد الواقع السياسي والاجتماعي، وإلى شعريات محمود درويش وعلى جعفر العلاق، وقاسم حداد، وأنسي الحاج. وسركون بولص، ومحمد بنطلحة العابرة بالشعر العربي إلى الكوني ([4]). وبذلك تكتمل سيرورة الزمن الشعري في ديوان” أشتاق إليك…إلي”، وذلك من خلال النصوص التالية: عذرا يا ابن آدم(ص:124)، يدان من طين (ص:176).

 

  1. مستوى التناص 

       شكل التناص ركيزة أساسية، وآلية ضرورية لا يمكن الاستغناء عنها في أي خطاب أدبي (الشعري على وجه الخصوص). حيث يستند الشاعر على التراث الفكري والإبداعي. فكانت الصور الشعرية مستمدة من منابع مختلفة: القرآن الكريم، الحديث النبوي، الرمز، الخ…وغيرها من المنابع. مما يخلق ذلك التفاعل النصي. لأن الكتابة عامة، تقتضي عملية التوالد والتعالق. أو تحصيل عدد ممكن من النصوص داخل نص واحد. يعد الشاعر الحسن الكامح من بين الشعراء المنغمسين في التراث الفكري. فجاء التناص في نصوص ديوانه ”أشتاق إليك…إلي”   یحمل بعدا دلالیا واضحا. یتلخص في تشبعه بالثقافة الدینیة أكثر من غیرها. تجلى ذلك في النصوص التالية: حاضر كغائب لا يغيب (ص:102، أسير لقبري وحدي(ص:18)، وغيرهما من النصوص الشعرية. حيث يشكل هذا التموقع للنص الدیني في شعره موقع الریادة ولو بشكل ضمني. لكن هذا الأمر لا یعني أنه تجاهل المنابع الأخرى. فسعة ثقافته جعلته یحیط بالكثیر من الجوانب الإنسانية والتاريخية. وهذا من خلال استخدامه للرمز التي تخدم موضوع قصائده وكذا الاستناد على بعض النصوص الشعریة المختلفة باختلاف الحقب الزمنیة.

  إشراقات المعنى

تقودنا نصوص الشاعر الحسن الكامح إلى عالم عدة، عوالم نصية. تغرينا بالجمالية التي فيها. وبالنغمية التي تطرز حواشيها، فننقاد وراء متعة ولذة لا مثيل لها. فنحس بحرارة التجربة، وصدق الانفعال، وجمالية الوصف، وعمق الرؤيا، ودقة السبك. نصوص تفيض بالجمالية، والهرمونية، والإنشادية. تعكس صور واقعية لمجتمع جريح. كما تعكس صورا نفسية للذات الشاعرة في تفاعلها مع الأحداث، وفي مخاضاتها، وتأثراتها، وانفعالاتها. إن التشكل الفني، والبناء الشعري خصب جدا، لما يوظفه الشاعر من تلاوين اللغة والألفاظ، بعيدا عن كل معيارية ثقيلة، أو مركبة. لذلك تخلو صوره الشعرية، ولغته الفنية والجمالية من أي تعقيد أو غموض. لأنه لا يتلمس الوضوح فقط، بل إنه يتلمس الشعر والفن الشعري الخالص. إنه يتلمس لغة خاصة. ليصل إلى هذا الدفق الشعري الذي سيميزه في الساحة الشعرية المغربية والعربية على السواء.

 

قائمة المصادر والمراجع الصفحات المشار إليها مأخوذة من: الكامح(الحسن)أشتاق إليك…إلي(ديوان)، ط1، أفاق للنشر والتوزيع، مراكش، 2021   

 

  1. أحمد علي إبراهيم الفلاحي، الاغتراب في الشعر العربي، ط1، دار غيداء، الأردن، 2013
  2. محمد الطوبي، حوار مع الشاعر عبد الله راجع، مجلة كتابات المغربية، العدد 4، 1991
  3. ابتسام أبو موسى عبد الكريم، التناص في شعر محمود درويش، جامعة الخليل،2007
  4. القعود (عبد الرحمن محمد) الابهام في شعر الحداثة، العوامل والمظاهر وآليات التأويل، سلسلة عالم المعرفة (الكويت)، ع 279، 2002

 

 

 

[1]أحمد علي إبراهيم الفلاحي، الاغتراب في الشعر العربي، ط1، دار غيداء، الأردن، 2013، ص:73

[2]محمد الطوبي، حوار مع الشاعر عبد الله راجع، مجلة كتابات المغربية، العدد 4، 1991، ص:3

[3]ابتسام أبو موسى عبد الكريم، التناص في شعر محمود درويش، جامعة الخليل،2007، ص:132

[4] القعود (عبد الرحمن محمد) الابهام في شعر الحداثة، العوامل والمظاهر وآليات التأويل، سلسلة عالم المعرفة(الكويت)، ع 279، 2002، ص: 183

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *