الرئيسية / دراسات / النزعات الأيديولوجية وأثرها في إعداد الفرد والمجتمع، قراءة في قصيدة ( للموت ماتلدون ) – سكساف صبرين

النزعات الأيديولوجية وأثرها في إعداد الفرد والمجتمع، قراءة في قصيدة ( للموت ماتلدون ) – سكساف صبرين

المقدمة:
يهدف هذا المقال إلى توضيح مفهوم الإيديولوجيا في النص الأدبي وأدوارها المعرفية وصلاتها المتعددة، وعلى اختلاف أشكال النصوص الأدبية واختلاف شرائح المتعلم، فإن التوجهات الإيديولوجية لأي نص أدبي فهي تجتاح بالضرورة الأغراض النفسية والاجتماعية التي تكون وليدة تجربة يصوغها الواقع، بهدف التأثير والتأثر واستثارة مختلف النزعات لدى المتلقي على اختلاف القصدية والغاية والنجاعة.
دراسة دلالية/تعاريف:
اختلفت وجهات النظر في تحديد مفهوم واضح من الناحية الوظيفية، وبالتالي سنقدم المفاهيم التي تخدم رؤية المقال من ناحية الاستعمال المتنوع لهذا المصطلح داخل المحيط النصي، وكيفية تأثيره على الفرد والمجتمع بما يخدم الأفكار المطروحة، وكيفية قولبتها في إطار إيديولوجيا الرفض.
دستوت دي تراسي (Antoine Distutt des trace) اعتبرها علم الأفكار1 ، بمعنى أن الإيديولوجيا وسيلة لنشر الأفكار السائدة، أو معارضتها.
أما ألتيسيرAlthusser) (فحسب مفهومه: «ليست الإيديولوجيا شذوذا أو شيئا زائدا عرضيا في التاريخ، إنها بنية جوهرية أساسية بالنسبة للحياة التاريخية للمجتمعات 2.» وميز ألتسير بين نوعين من الإيديولوجيا؛ الكلية والإيديولوجيا الجزئية، «فالأولى أقرب ما تكون إلى الثقافة، أي الإطار الفكري المؤطر للمجتمع، أما الثانية تعني الإيديولوجيا الطبقية العاملة في المجال السياسي والثقافي» 3 . ومن خلال ما سبق نستنتج أن الإيديولوجيا
تتعلق بعلاقة المعاناة التي تربط الناس بعالمهم.
وإذا ما انتقلنا إلى كارل مانهايم (Carl Manheim) فقد كانت له إشارة يعرج فيها عن «المفهوم الجزئي والمفهوم الكلي للإيديولوجيا «وحسب رأيه ترجع إلى الذات سواء أكانت فردا أو جماعة وكلاهما يتوصل إلى فهم ما قاله الخصم عن طريق منهج تحليلي غير مباشر يطبق على الظروف المجتمعية للفرد أو الجماعة، وحينئذ تعتبر الأفكار التي تعبر عنها الذات كشىء تابع لوجودها ومتوقف عليه4 .» أي هناك جدل بين الذات والإيديولوجيا، فهما متقاربان وفي نفس الوقت بعيدان جدا من ناحية، كلاهما يميز الحركة، وانحلال الثابت، وجعل الأضداد قابلة للتدفق، والإنتقال من واحد إلى آخر في إطار التحليل المباشر دون وسيط بينهما .
ومن هنا يتضح أن الإيديولوجيا كمصطلح يتضمن الحالة الحقيقية للمجتمع وبذلك يثبت الحالة على ماهو عليه.
وزياردة على ذلك يصرح كارل مانهايم في كتابه: «الإيديولوجيا واليوتوبيا «بأن تلك الأفكار المشوهة المقدمة تعتبر تمويهات واعية بدرجات متفاوتة تخفي الطبيعة الحقيقية لوضع لن يكون الاعتراف بحقيقته متفقا مع مصالح الخصم، فلفظة الإيديولوجيا تشير إلى إيديولوجيا عصر ما أو ايديولوجيا جماعة تاريخية، اجتماعية محددة، كإيديولوجيا طبقة مثلا عندما يكون الهدف توضيح سمات وتركيب البناء الكلي لعقلية ذلك العصر أو هذه الجماعة. 5
وقد بين جان لويشيس jean-louischiss «الإيديولوجيا ليست فقط جزءا من الواقع الطبيعي أو الاجتماعي، أو مثل أي جسم مادي أو أداة إنتاج أو منتج استهلاك، ولكنها على عكس هذه الظواهر تعكس الإيديولوجيا واقعا آخر يقع خارج نفسه لأنه كل ما هو أيديولوجي له معنى، إنه يمثل ويستبدل شيئا خارجيا بمعنى آخر.» 6
تأسيسا على ما تقدم نرى أن النص كمنتج إيديولوجي له كيان زئبقي، لا يمكنك إمساكه داخل الحيز النصي، لأن الانعاكاسات الفكرية لا حدود لها داخل هذا الفضاء، الميزة الجيدة في رأينا أن هذا المنتج ليس له تاريخ استهلاك محدد، وهذه هي ميزة الإيديولوجيا دائما تجعلك تبحث عن جديدها في كل قراءة.
وبهذا يكون «النص الإيديولوجي دائم التبجح، وأكبر من الواقع ويقوم على مبدأ تفسيري للعالم والتاريخ لا يأتيه الباطل بين يديه ولا من خلفه، بمعنى ما هو انسحاب من العالم والتاريخ، وايغال في المبدأ القائل بنصية الحقيقة « 7
وفي الثقافة والفكر العربي أشار عبد الله العروي في كتابه «مفهوم الإيديولوجيا»مقترحا لتعريب كلمة إيديولوجيا في قالب صرفي فيستعمل كلمة أدلوجة على وزن»أفعولة»، والأدلوجة في رأيه ما يطابق ذات-الإنسان-في -الكون.
نقول إن فلانا ينظر إلى الأشياء نظرة أدلوجية، أي يتخير الأشياء ويُؤول الوقائع بكيفية تظهرها دائما مطابقة لدعواه هو لا طبقا لذاته هي (أي الأشياء).8
أما نديم بيطار فقدم دراسة فلسفية اجتماعية في كتابه (الإيديولولوجيا الإنقلابية) وتحدث عن:
«الأيديولوجيا الانقلابية بأنها طريق أية حركة ثورية إلى النصر والسيادة. فعن طريقها فقط تستطيع هذه الحركة الانقلابية أن تؤكد ذاتها، لأنها هي القوة أو الأسلوب الذي تنتقل فيه الأحداث والأعمال والوقائع الاجتماعية التاريخية إلى مواقف فكرية نفسية»،9 وركز بيطار على أن الشكل العام للإنقلاب يكمن في أسلوب التعبير عن شيء باطني يتميز فيه كل مجتمع بنفسية جماعية تعود إلى فلسفة حياته أو إيديولوجيته التي هيمنت عليه لا يمكن أن نعزو أو نرد الأمر لسبب معين دون غيره أو سواه لهذا الانقلاب، ولكن الأسباب متداخلة .»فالفلسفة التي تنبع منها الإيديولوجيا الانقلابية ليست فلسفة تأمل في معنى الحياة أو وضع الإنسان، ولكنها أداة يسود الإنسان فيها التاريخ10 « استنادا للمعطيات الفكرية التي قدمها بيطار نقول أن الظروف هي التي تتحكم في تفكير الناس.
وفي اعتقادنا أن الكاتب الإيديولوجي لا يفهم تلك الانقلابات والتناقضات التي أمامه من خلال اللجوء إلى الحاضر مع التاريخ على وجه التحديد، لأن هذه التماثلات التي توحدها الإيديولوجيا بشكل غير متماثل في النصوص الأدبية انطلاقا من الشكل الملموس للعالم أفضل.
من خلال هذا المنظور في الدراسة الدلالية لمفهوم الإيديولوجيا من كل هذه المواقف المقدمة نستطيع القول بأن الإيديولوجيا مرتبطة بالفهم الصحيح لمعنى المجتمع والتاريخ.
وظائف الإيديولوجيا:
ميز كل من (محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي) في كتابهما: الإيديولوجيا (دفاتر فلسفية نصوص مختارة) وظائف الإيديولوجيا، وقد حاولنا تمثيلها بمخطط توضيحي ويمكن أن نوجزها في النقاط التالية:
•وظيفة التجمع: تهدف إلى إيقاظ مشاعر جد بدائية في الفرد، وتظهر هذه الوظيفة في المجتمعات كيفما كان وضعها أو طبيعتها.
•وظيفة التبرير: تهدف دائما إلى الإقناع بصدق ما يؤمن به الآخر، لذا يجب إعطاء أدلة مقنعة، لأن التبرير يعتبر المسؤول الرئيسي عن التفرع الإيديولوجي للفكر.
•وظيفة الإخفاء: ونعني بها إخفاء المصالح أو العواطف تجاه الأنا أو اتجاه الآخر، لأن إخفاء العواطف مسألة مفيدة جدا ، في حين إظهار عواطف عدوانية يشكل خطرا على الآخر ويعرض صاحبه لإجراءات وقائية وعقابية، مما يحتم بالضرورة إخفائها تحت ستار ما نسميه» بالتأدب».
•وظيفة التعيين: بشمل قطاعات جديدة من الحياة الاجتماعية وهدفها تشكيل المجتمع.
•وظيفة تجويز الإدراك: لا تعمل إلا على توضيح الوظيفة السابقة، أي بحاجة إلى إدراك الواقع الاجتماعي كواقع مصفى وجامد. 11
ومما سبق نرى أن النص الأدبي كبنية خارجية له علاقة تكاملية بين هذه الوظائف المقدمة، وترتبط ارتباطا وثيقا بالعلاقات الإنسانية والاجتماعية في البنية الداخلية لنص.
دور النص الأدبي في إعداد الفرد والمجتمع:
لطالما كان النص الأدبي وسيلة أساسية للمتعلم لتكوين رؤيته الثقافية، لكن ما يراه المتعلم من قبل بيئته ينبغي على المعلم أن يتجه إلى فلسفة تربوية تغير من ذلك الواقع الموجود في ذهنيته، وحثه على تمسكه بتراثه الروحي والحضاري والاجتماعي، بالرغم من كل الظواهر المحيطة به والتي تهدد بناء أخلاق سليمة، في ظل ما يشهده المتعلم من فجوات في مستوى حياته المواكبة للتقدم التكنولوجي والمغريات المحيطة به.
وباعتبار النص الأدبي وسيلة ضمنية يحمل أنظمة مشفرة «يتغذى معناه من مصادر كثيرة فهو كالكائن يتميز بتربته والهواء الذي يتنفسه «، 12 فالمتعلم يتفاعل عندما يسمح له النص المدروس بإيجاد شكل من أشكال الاتصال بينهم.
فالنص يكتسب قيمته الفنية بمعونة الظروف الخارجية المحيطة به وهذا ما أطلق عليه القدماء مراعاة القول لمقتضى الحال باعتبارها شرطا من شروط البلاغة في التعبير. 13
النص الأدبي وطريقة تقديم معناه:
إذا ما نظرنا إلى لغة النص باعتبارها دلائل مركبة في نسق معين، هي في الوقت نفسه ايديولوجيا تقوم بالتجسيد المادي لتواصل الاجتماعي، لأن أي فعل لغوي لا يلغي بأي حال من الأحوال قيمته كبنية فوقية إيديولوجية أولية، أو ارتباطه الديالكتيكي بالبنى الفوقية الأخرى فيما يتعلق بمحتوى الإيديولوجيات المختلفة من خلال الوعي الفردي. 14
أي أن النص إيديولوجي بجميع مكوناته اللغوية يعتبر كسيميولوجيا، فهو من أطروحات التجسيد في العلامات لذلك منذ البداية، لا يمكن أن تكون هناك مسألة اختلاف نوعية بين الداخل والخارج، فهو عمل مثل التعبير عن الجوع، لأن التعبير اللفظي لا يمكن أن يوجد لولا الإحساس الجسدي، والأمر نفسه بالنسبة للفكر أي هناك علاقة اتصال بين الشكل والمحتوى بين اللغة والفكر بين الأسماء والأشياء بالواقع.
ولهذا تعد الأهداف والمحتويات والطرائق والأنشطة لأي نص له صلة مباشرة في إنتاج وتأويل المواقف التواصلية المختلفة في قوالب أي نص منتج هو بالأصح يستقي قيمته الدلالية من كلام الآخرين الذي نتعامل به في حياتنا اليومية.
فالنص الأدبي الدراسي يقوم دائما على لبنة أساسية وجوهرية بالأساس، لأنه يحمل في طياته فلسفة أخلاقية تساهم مثل ما تساهم الأديان في زرع القيم الفاضلة والأخلاق النبيلة في المتعلم، باعتبارها موضوعا ملموسا وسابقا على وجودها، لذلك يصبح النص الدراسي أداة لنشر الوعي بهدف توضيح سمات وتركيب أسس عقلية لتلقينها بأسلوب رشيق. وفي هذا الصدد أشار بنيس:«أن مشروع بلاغة الكتابة هي تأسيس لنحو جديد يدمر مركزية المقاصد والبناء الدلالي المرجعي المتعالي، كونها وجه من أوجه التحرر الإنساني الشامل من منظومات الإخضاع، فهي تحرير وعتق للذات واللغة من استبداد الذاكرة وميتافيزيقا الأصل والهوية. فالكتابة بهذا المعنى هي تشويش لنظام اللغة التقليدية التي ظلت تعكس عالما قمعيا تتفنن في إنتاج الذوات الخاضعة وفي وأد المخيلة»15
وانطلاقا من الإشارات الدلالية في بداية المقاربة للنظام اللغوي والبناء الإيديولوجي لأي نص لابد أن يقوم على المنطق الحجاجي ووسائل الإقناع بالمسائل العقلية بأساليب فنية تلائم بلاغة الكتابة.
القراءة الإيديولوجية في قصيدة «للموت ما تلدون «:
قصيدة «للموت ما تلدون» للشاعر العباسي أبو العتاهية الموجهة لطلبة السنة الثانية من التعليم الثانوي، فقد حاول الشاعر من خلالها التعبير عما يخالجه من مشاعر التحسر والحزن على أوضاع مجتمعه في تلك الفترة، فكان زمنه ممتلئ بالفسق والمفاتن والازدراء
وكانت دعوة الشاعر ملحة إلى الوعي، والابتعاد عن الظلالة والطريق المنحرف، محاولا مراجعة حاضرهم للعيش بمستقبل أفضل في الآخرة، وكانت قصيدته عبارة عن حلم واقعي يريده أن يتحقق.
استطاع الشاعر أن يخلق انسجاما تاما في قصيدته بين متضادين لا يمكن أن يجتمعا، تصدر هذا التضاد دلالة القصيدة وأطر كيانها اللغوي والدلالي، وساهم هذا الانسجام في إثراء مدلول القصيدة من الناحية الإيديولوجية، في صيغة رافضة لتلك التجاوزات المنتهكة ، فقد لخص الشاعر التجربة الإنسانية إزاء الحياة وما تحتويها، وكان ثائرا في ظل الظروف المتقهقرة التي وصل إليها المجتمع العباسي من انحراف وفساد في الأخلاق بسبب الثراء الفاحش، فقام أبو العتاهية بالانقلاب، ومحاولة اللجوء للشعر من أجل التعبير عن حاضره الذي لم يستطع أن يغيره، فكانت الكتابة ملاذه الوحيد ليستطيع التأثير فيهم بألفاظ مؤثرة، يدعوهم للاستفاقة والعودة من طريق الغفلة على أمل أن يستطيع نجدتهم مخاطبا العقول.
وإذا ما نحن أمعنا النظر في أبيات القصيدة، نلاحظ أنها نُظمت نظما تنساب فيها الألفاظ ببساطة وغير معقدة، لأنه يجب على المتلقي أو القارئ أن يتحمس ويكون متعاطفا مع النص، لأنه تم دمج النزعة الإيديولوجية في المادة الأدبية، هدفها الجوهري الذات ولهذا تعد الرؤية الإيديولوجية المقدمة من طرف الشاعر تعادل الوعي المطابق للذات في المجتمع، لأنه قدم الفرد على حقيقته انطلاقا من وضعه في المجتمع، فوعي الفرد موجود في وعي الآخرين، وأمام هذا الوعي استطاع الشاعر أن يضع المقابل الموضوعي في قصيدته بقيمة متساوية.
ومن هذا المنطلق نلاحظ أن التشاكل القائم بين وعي الفرد ووعي المجتمع دلالة على جدلية التطلع التي قدمها الشاعر، فالحياة عنده تقع بين طرفي الموت، لأنه هو الغد المنتظر والنازلة القريبة المغيبة عنا.
لقد حدد الشاعر وبصورة دقيقة مناسبة هذه القصيدة وما المقصود منها من الناحية الإصلاحية بمعنى آخر؛ حدد السياق الخارجي الذي أدى به إلى كتابته نص القصيدة، في حين أن الشاعر يلهث وراء التغيير والتحرر من ظلم الذات وظلم المجتمع.
وظف الشاعر عدة ألفاظ كان لوجودها في النص نغما تهش له النفس، وعبرت هذه الألفاظ عن المعاني التي جاءت من أجلها، ونقلت الأفكار التي أراد الشاعر أن ينقلها للمتلقي، لأن الشعر يعبر عن المشاعر والصور ويسعى إلى نقلها للقارئ، أما بالنسبة للقصيدة لم يهتم الشاعر بكثرة الصور البيانية، فهو قد اهتم بجزء التفكير في المسائل العقلية، لأن القارئ بحاجة إلى استخدام عقله وتفكيكها وتحليلها وتحديد أجزائها وتفسيرها لا الإنبهار بجمال الصور البيانية وبهرجتها.
أولا: النزعة الإنسانية:
الشاعر يعالج موضوع قصيدته بشكل عام دون التقيد برقعة جغرافية معينة، ونلاحظ ظهور النزعة الإنسانية من خلال اهتمامه بأفراد مجتمعه، وجاءت القصيدة مخاطبة لأعماق النفس البشرية حاول أن يشير الشاعر إلى الوجود بمجموعة من الأفكار والإيديولوجيات التي تتوحد رغم اختلاف الثقافات والأديان في لفظة «الموت»، واهتمام الشاعر بالجانب الروحي في حياة الإنسان، راجع إلى كونه زاهد في الدنيا، ووسم الشاعر عنوان القصيدة «للموت ما تلدون « وقد منح لفظة «الموت» مركزية الدلالة، فقد حاول الانفتاح على أكثر لغز في الحياة لا يمكن تصوره بتمام الواقع، يبقى محض خيالات في رؤوسنا، والشاعر حاول وصفه بأقرب ما يكون بكونه الحقيقة المطلقة، والنهاية التي لا مناص منها، فهو مركز السؤال عن ماهية الوجود، لأنه يحفظ تاريخ الإنسان ويحفظ كينونته، لأن الموت هو نقيض الحياة ليحصل التكامل.
ويمكن أن نلحظ حضور النزعة الإنسانية في القصيدة من خلال أبيات، نذكر من بينها:
1-الإجتهاد في ترسيخ القيم التي تصب في مصلحة الانسان في قوله:
إياك، إياك، والدنيا ولذّتها
فالموت فيها لخلق الله مفترس 16
2-التفكير في شؤون المجتمع وعلاقته بالفرد في مواجهة الحياة والموت في قوله:
ما يدفع الموت أرصاد، ولا حرسُ
ما يغلب الموت لا جنّ، ولا أنسُ 17
3-التحدث عن السهو واللهو والإبتعاد عن الطريق الصواب بحجة ظروف الحياة في قوله :
للموت ما تلد الأقوام كلهم
وللبلى كل ما بنوا، وما غرسوا 18
إن المنية حوض أنت تكرهه
وأنت عمّا قليل فيه منغمس19
ثانيا: النزعة الدينية :
وهي ميل الشاعر إلى الأفكار الدينية والثقافة الإسلامية، ونقل تعاليم القرآن الكريم والأخلاق الإسلامية، وتبدو شخصية الشاعر مؤمنة ذات نزعة دينية إسلامية زاهدة في الحياة، مخلصة في النصيحة قادرة على الإقناع، والجانب الديني يلامس حياة الفرد وله أثر في الحياة الاجتماعية وهو كغيره من العوامل المساندة في التوجيه لتغيير النظام الأخلاقي وحفظ كرامة الإنسان، من خلال توظيف الشاعر ألفاظ مستقاة من القرآن الكريم فهو قد اقتبس منه لفظا ومعنى.
الشاعر كان مترفعا وزاهدا مبتعدا عن جميع الملذات والشهوات الزائلة، متمسكا بدينه وعقيدته وموحدا ومصلحا، لأن الدنيا دار اختبار لقوله تعالى : ﴿ ٱعلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَا لَعِبٞ وَلَهوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُ بَينَكُموَتَكَاثُرٞ فِي ٱلأَموَٰلِ وَٱلأَولَٰدِ كَمَثَلِ غَيثٍ أَعجَبَ ٱلكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗا وَفِي ٱلأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضوَٰنٞ وَمَا ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلغُرُورِ ﴾ [ الحديد: 20] ويظهر اقتباسه الشاعر من الآية في قوله:
إياك، إياك، والدنيا ولذّتها
فالموت فيها لخلق الله مفترس 20
وأشار الشاعر إلى أن الموت حق على جميع الخلق لقوله تعالى ﴿كُلُّ نَفسٖ ذَآئِقَةُ ٱلمَوتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّونَ أُجُورَكُم يَومَ ٱلقِيَٰمَةِ فَمَن زُحزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدخِلَ ٱلجَنَّةَ فَقَد فَازَ وَمَا ٱلحَيَوٰةُ ٱلدُّنيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلغُرُورِ ﴾
[ آل عمران: 185] وتتجلى الآية الكريمة في قوله:
ما يدفع الموت أرصاد، ولا حرسُ
ما يغلب الموت لا جنّ، ولا أنسُ

لأن الإنسان يحاسب على أعماله في الدنيا، وإن كان عملا صالحا يجزى به، وإن كان سيئا يحاسب عليه لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَعمَل مِثقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُ ﴾ [ الزلزلة: 8] وتجلى هذا في قول الشاعر:
للموت ما تلد الأقوام كلهم
وللبلى كل ما بنوا، وما غرسوا 22
ثالثا: النزعة الذاتية:
وهي ميل الشاعر إلى التعبير عن حب الذات كما خلقها الله. وتظهر في قوله:
مالي رأيتُ بني الدنيا قد اقتتلوا
كأنّما هذه الدُّنيا لهم عُرسُ 23
الشاعر اتخذ من الشعر وسيلة للتعبير عما يختلج صدره، فهو مستاء على وضع مجتمعه، محاولا دعوتهم إلى التخلي عن حب النفس والتحلي بالإيمان والعزوف عن مغريات الدنيا الزائلة، متشبعا بالأمل أن ينصتوا إليه.
ولاحظنا من خلال القصيدة أن الشاعر عبر عن ذاته للتعبير عن غيره تعبيرا ينم عن تجربة ذاتية فنية.
رابعا: النزعة الإصلاحية:
وهي الميل إلى إصلاح خلل معين أخلاقي أو اجتماعي، والشاعر كان له هدف واضح وجلي، وهو التحذير من الميل إلى التمتع بالشهوات ومتاع الدنيا الفانية، لأن الموت أكبر من قوة الخلائق مجتمعة، فلا مهرب من وروده، وحاول الشاعر جاهدا توعية الناس من اقتتالهم على الدنيا، فهم غافلين بأن الزاد الحقيقي هوما نجده في الآخرة، فهو نصحهم بالاستعداد للموت لأنه لا مهرب منه. وتتجلى هذه النزعة في قوله:
إذا وصفتُ لهم دُنياهُمُ ضحكوا
وإن وصفتُ لهُم أُخراهم عبسُوا
لقد حاول الشاعر تقديم أمثلة تبرر شرحه لحقيقة الموت من خلال حرصه على أن يفهم الناس الحياة الأخرى، وأنهم رغم كرههم للموت فهم من ذائقيه وخوفه عليهم جعله يكتب هذه القصيدة ليؤثر عليهم من خلالها، مستخدما ألفاظ تلامس النفس، ليثبت لهم غفلتهم عن التوبة بالوعظ والتزهيد من هذه الحياة الفانية.
وما يمكن قوله أن قصيدة أبو العتاهية صالحة لكل العصور، وليست حكرا على العصر العباسي، لأنه غايته إصلاح الفرد الذي بدوره جزء من المجتمع لبناء لبنة متماسكة قوامها سليم.
الخاتمة:
خلص هذا المقال إلى نتائج مهمة نأتي على ذكرها على شكل العناصر التالية:
* النص الأدبي مرتبط بالمجتمع والتاريخ، وهذان الأخيران مرتبطان بالإيديولوجيا التي تظهر الحالة الحقيقية للمجتمع، فكل نص هو بالأساس موجه إلى المجتمع، الشيء الوحيد الذي يختلف هو القصد والغاية والطبقة المراد مخاطبتها.
* للدلالة الإيديولوجية في النص الأدبي دور فعال في إعداد الفرد والمجتمع عن قصد أو غير قصد، وهذا ما يجعل النص أداة استثمار للفكر التعليمي، من خلال إيجاد حلول ترقيعية أو إعطاء نظرة فكرية أو فلسفية أو دينية أو سياسية، في شكل أدبي الذي يتقاطع مع تفكير المتعلم، لأن أي نص اضطر الكاتب لكتابته إلا ووراءه حاجة يفتقر إليها في واقعه، ويهدف إلى غرسها في محيطه، فيعبر عنها من خلال عدة زوايا إيديولوجية متعددة الأبعاد، حسب الحاجة وهي بالأساس موضوع الفكرة النصية وتكون صالحة لكل زمان ومكان لأن هدفها إصلاحي تعليمي.
* الإيديولوجيا نص مفتوح يضم ترابطات لا نهاية لها، وهي تدل على مدى ما وصل إليه الفكر في حقبة زمنية ما فهي توثق الفكر، ليكون منهلا في أحقاب زمنية أخرى، مادام له رسالة إصلاحية فهو نص لا يموت.
* تعكس الإيديولوجيا تلاؤم الفكر في الكشف عن دلالات متعددة للقارئ تطابق المتناقضات بين النص والمجتمع ليثبت الإحالات المتصلة بوعي القارئ في اكتشاف النص. وهنا تجدر الإشارة إلى أن النص الأدبي الدراسي يكون موجها لعامة الشرائح، وليس محصورا على فئة معينة، أي مفرداته بسيطة تخلوا من التعقيد والمخاتلة في الألفاظ.
* جوانب الإيديولوجيا في شكلها الرمزي في ثنايا النص الأدبي تشكل دائرة متخيلة في ثنايا النص الأدبي، و لا يمكنها الظهور، فهي مصطنع للبدائل التي تتعامل مع الاختلاف للوصول للدلالة العميقة ضمن السياق الفكري، متبنية التفسير والتأويل النصي مع العلاقات المختلفة التي تربط بينهما.
* البناء الإيديولوجي لأي نص لابد أن يقوم على المنطق الحجاجي، ووسائل الإقناع بالمسائل العقلية بأساليب فنية تتلائم مع بلاغة الكتابة.
* القصيدة المدروسة جسدت التداخل بين الإنسان وفكره بين دينه ومجتمعه، وقد رأينا بأنه يمكن أن تجتمع النزعات الإيديولوجية في نص واحد.

المصادر والمراجع

*القرآن الكريم.
1-أحمد حمدي: جذور الخطاب الأيديولوجي الجزائري، دار القصبة للنشر، (د.ط)، حيدرة، الجزائر ،2001.
2-محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الإيديولوجيا (دفاتر فلسفية نصوص مختارة)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب ط2 ،2006.
3-سليم بتقة: البعد الأيديولوجي في رواية الحريق لمحمد ديب، منشورات مديرية الثقافة لولاية بسكرة بالتنسيق مع منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين فرع ولاية بسكرة، ط1، بسكرة، الجزائر،2013.
4-كارل مانهايم: الإيديولوجيا واليوتوبيا (مقدمة سوسيولوجيا المعرفة) تر:محمد رجا عبد الرحمن الديريني ،دار شركة المكتبات الكويتية ،كلية الآداب جامعة الكويت ،ط1 ،1980 .
-5jean-louischiss : langages revue trimestrielle182 juin 2011(théories du langage et politique des linguistes.
6-أحمد دلباني: سفر الخروج (اختراق السبات الإيديولوجي في الثقافة العربية أدونيس –ادوارد سعيد –علي حرب –محمد أركون)، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق(سوريا)،2010.
7-عبد الله العروي: مفهوم الأيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط8 ،2012.
8-عبد الله بن أحمد الفيفي: مفاتيح القصيدة الجاهلية نحو رؤية نقدية جديدة (عبر المكتشفات الحديثة في الآثار والمثيولوجيا، عالم الكتب الديث للنشر والتوزيع، دراسة علمية محكمة في جامعة الملك سعود، اربد(الأردن)،2014.
9- المهدي إبراهيم الغويل: السياق وأثره في المعنى (دراسة أسلوبية)، دار الكتب الوطنية، بنغازي (ليبيا)، ط2011.
10-كمال رايس: الإيديولوجيا والرواية إيقاعات معرفية للمفهوم والعلاقة، مجلة كلية الآداب واللغات (دورية علمية محكمة تصدرها كلية الآداب واللغات، جامعة محمد خييضر، بسكرة (الجزائر)، ع16، ديسمبر 2014.
11-حميد لحميداني: النقد الروائي والايديولوجي (من سوسيولوجيا النص الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت (لبنان)، ط1 ،1990.
12-عبد الله بن أحمد الفيفي: مفاتيح القصيدة الجاهلية نحو رؤية نقدية جديدة (عبر المكتشفات الححديثة في الآثار والمثيولوجيا، عالم الكتب الديث للنشر والتوزيع، دراسة علمية محكمة في جامعة الملك سعود، اربد(الأردن)،2014.
13-المهدي إبراهيم الغويل: السياق وأثره في المعنى (دراسة أسلوبية)، دار الكتب الوطنية، بنغازي (ليبيا)،ط2011 .
14- جميل حمداوي: مكونات العملية التعليمية -التعلمية، المكتبة الشاملة ،2020
15- كمال رايس: الإيديولوجيا والرواية إيقاعات معرفية للمفهوم والعلاقة، مجلة كلية الآداب واللغات (دورية علمية محكمة تصدرها كلية الآداب واللغات، جامعة محمد خيضر، بسكرة (الجزائر)، ع16، ديسمبر 2014.
16- نديم البيطار: الأيديولوجيا الانقلابية، دار الأهلية للطاعة والنشر، بيروت (لبنان)، ط1 ،1974.
17-بوبكر الصادق سعد الله ومصطفى هواري: الجديد في الأدب والنصوص والمطالعة الموجهة للسنة الثانية من التعليم الثانوي العام والتكنولوجي، الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية، د.ط،2019/2020، ص37.

الاحالات
1 -أحمد حمدي: جذور الخطاب الأيديولوجي الجزائري، دار القصبة للنشر، (د.ط)، حيدرة، الجزائر ،2001، ص27 .
2محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الإيديولوجيا (دفاتر فلسفية نصوص مختارة)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب ط2 ،2006، ص9.
3 سليم بتقة: البعد الأيديولوجي في رواية الحريق لمحمد ديب، منشورات مديرية الثقافة لولاية بسكرة بالتنسيق مع منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين فرع ولاية بسكرة، ط1، بسكرة، الجزائر،2013 ص29.
4-محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الإيديولوجيا (دفاتر فلسفية نصوص مختارة)، ص10.
5-ينظر: كارل مانهايم: الإيديولوجيا واليوتوبيا (مقدمة سوسيولوجيا المعرفة) تر:محمد رجا عبد الرحمن الديريني ،دار شركة المكتبات الكويتية ،كلية الآداب جامعة الكويت ،ط1 ،1980 ،ص129 .
6 -jean-louischiss : langages revue trimestrielle182 juin 2011(théories du langage et politique des linguistes, p90.
7 -ينظر: أحمد دلباني: سفر الخروج (اختراق السبات الإيديولوجي في الثقافة العربية أدونيس –ادوارد سعيد –علي حرب –محمد أركون)، دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق(سوريا)،2010، ص26.
8 -عبد الله العروي: مفهوم الأيديولوجيا، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ط8 ،2012، ص9و10.
9-نديم البيطار: الأيديولوجيا الانقلابية، دار الأهلية للطاعة والنشر، بيروت (لبنان)، ط1 ،1974، ص38.
10 -نديم البيطار: المرجع نفسه، ص818 .
11 -ينظر: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي: الإيديولوجيا (دفاتر فلسفية نصوص مختارة)، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب ط2 ،2006، ص52،53،54.

12 -ينظر: عبد الله بن أحمد الفيفي: مفاتيح القصيدة الجاهلية نحو رؤية نقدية جديدة (عبر المكتشفات الحديثة في الآثار والميثولوجيا، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، دراسة علمية محكمة في جامعة الملك سعود، اربد(الأردن)،2014، ص193.
13 -ينظر المهدي إبراهيم الغويل: السياق وأثره في المعنى (دراسة أسلوبية)، دار الكتب الوطنية، بنغازي (ليبيا)، ط2011، ص111.
14 -ينظر: حميد لحميداني: النقد الروائي والايديولوجي (من سوسيولوجيا النص الروائي، المركز الثقافي العربي، بيروت (لبنان )،ط1 ،1990 ،ص74 .
15 – ينظر:أحمد دلباني :سفر الخروج (اختراق السبات الإيديولوجي في الثقافة العربية أدونيس –ادوارد سعيد –علي حرب –محمد أركون)،ص50.
16- بوبكر الصادق سعد الله ومصطفى هواري :الجديد في الأدب والنصوص والمطالعة الموجهة للسنة الثانية من التعليم الثانوي العام والتكنولوجي ،الديوان الوطني للمطبوعات المدرسية ،د.ط،2019/2020 ،ص37 .
17 -المرجع نفسه،ص37 .
18 -المرجع نفسه،ص37 .
19 -المرجع نفسه،ص37 .
20 -المرجع نفسه،ص37 .
21 -المرجع نفسه،ص37 .
22 -المرجع السابق ،ص37 .
23 – المرجع السابق،ص37 .
24 -المرجع السابق، ص37.

ناقدة من الجزائر

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *