الرئيسية / دراسات / النقد الموريتاني الحديث وملامح التشكل- محمد ولد بادي

النقد الموريتاني الحديث وملامح التشكل- محمد ولد بادي

 

النقد الموريتاني الحديث وملامح التشكل: محمد ولد بادي

1.تمهيد:

عرفت الثقافة الأدبية الموريتانية النقد الأدبي  في القرن الثامن عشر عندما كان الأدب الموريتاني يعيش نهضة استثنائية في الوطن العربي، الذي كان حينها يعيش فترة انحطاط في جميع  مستوياته، لكن النقد في هذه الفترة كان انطباعيا تأثريا بعيدا من النقد العلمي الممنهج، حاله حال النقد في العصر الجاهلي؛ فعلى الرغم من أن التاريخ الأدبي حفظ لنا بعض المشاعرات والمساجلات؛  التي وقعت بين شعراء موريتانيين في أكثر من مرّة ولجئوا فيها إلي شخصيات أدبية وازنة بغية الفصل بينهم، وتفضيل أحدهم على الآخر، إلا أن هؤلاء (النقاد) كانت أحكامهم ذوقية  لا تصدر عن نظرة موضوعية للشعر ولا تعلل أحكامها؛ الأمر الذي يجعلنا نؤكد ” أن جهاز القراءة الشنقيطي لم يكن معنيا بالنقد كمستوى ثقافي يجب الإهتمام به وإدراجه في المقرر المحظرى، ولذلك فإن أغلب الآراء  النقدية مجرد لمحات انطباعية، فاقدة للتعليل والتفسير وهي تنتج عادة عن ردة فعل تجاه النص الشعري المسموع أو المقروء، كما أنها تتجاوز أحيانا بنية النص، إلى إبداء الرأي في قائله، وهو الرأي الذي قد لا تكون له علاقة بالأثر الفني المنشود” ، بيد أن النقد سيتطور، وستعرف الحداثة  طريقها إليه انطلاقا من بدايات الربع الأخير من القرن الماضي، وذلك بفعل عوامل عديدة سنحاول المرور عليها بشكل سريع .

  1. 2. العوامل الخارجية لنشأة النقد الموريتاني الحديث:

2 ـ 1. توطئة:

استقلت الدولة الموريتانية  وليس فيها، إلا نخبة قليلة ذات تكوين فرنسي، ولم تكن اللغة العربية في السنوات الأولى من نشأة الدولة، تدرس في أي مستوى من مستويات التعليم؛ لذا لا يمكن الحديث  والحال هذه عن أي نشاط أدبي ذو صبغة حديثة كالنقد الأدبي، ولكن مجموعة من العوامل التي تضافرت في هذه الأثناء،  فأشعلت  جذوة الدرس الأدبي عموما والنقد منه على وجه التحديد ، ومن أبرز هذه العوامل وأهمها نذكر:

2 ــ 2 . البعثات العلمية:

لقد سعت موريتانيا إلى التواصل ثقافيا مع العالم وخصوصا العربي منه  في وقت مبكر من استقلالها، لكن بعض العوامل السياسية، ومنها رفض المغرب لاستقلالها حالت دون ذلك، إلا بعض الدول العربية، وهي تونس، ومصر كانت استثناء، حيث اعترفتا بموريتانيا، وأقامتا علاقات سياسية، وثقافية معها، الامر الذي جعل موريتانيا ترسل بعثات علمية إلى هاتين الدولتين بغية التدريب، والدراسة في الجامعات، والمعاهد التونسية، والمصرية .

أ ـــ البعثة التونسية:

أما  بعثة تونس فقد كانت أولى البعثات سنة 1961؛ أي سنة اعتراف تونس بموريتانيا.

وقد كانت نتائج تلك البعثات إيجابية، فقد تخرج من المعاهد، والجامعات التونسية عدد من القضاة، والإداريين، والأدباء، والنقاد، الذين حملوا لواء التغيير، وأثقال النهضة الأدبية على أكتافهم. ثم توالت تلك البعثات، حتى بلغت أوجها في السبعينات، والثمانينات  لتضعف وتيرتها بعد ذلك، كما أن تونس نفسها قامت بإرسال بعثات موازية إلى موريتانيا، ولكن هذه البعثات كانت من الأساتذة، والمدرسين للعمل في المؤسسات العلمية، والمدارس التربوية ” وهكذا اكتشف عدد من الدارسين الموريتانيين في الجامعات، والمدارس التونسية الحركة الفكرية، والأدبية في العالم وتأثيراتها على الأدب العربي، ومدارسها المتعددة واتجاهاتها  المختلفة . كما كان للأساتذة الذين توافدوا على انواكشوط  في بعثات متفاوتة الطول، والقصر… دورهم أيضا في إطلاع الطلبة ومعظمهم في ذلك الوقت ــ شعراء، ودارسين ــــ على مناهج الدرس الحديثة وتدريبهم على وسائل التحليل، والقراءة”  .

ب ـــــ البعثة المصرية:

لقد اعترفت مصر بموريتانيا سنة 1964، ومنذ ذلك الوقت والبعثات العلمية الموريتانية تتوالى على مصر، ولم تهدأ وتيرتها، إلا عندما قامت مصر بإبرام معاهدة سلام مع الكيان الصهيوني .

وقد كانت النهضة الأدبية في أوج ازدهارها بمصر في تلك الفترة، و كانت الساحة المصرية حينئذ تمور بالكثير من الحركات الأدبية، والتيارات الفكرية، وهكذا “اكتشف المثقفون الموريتانيون المشرق الذي تواصلوا معه قليلا وانقطع تواصلهم معه طويلا، وأن القاهرة التي مثلت لهم بلاد العزة العربية … هي مع ذلك بلد شوقي وحافظ … والعقاد والمازني وشكري … وطه  حسين وغيرهم،  وليتعايشوا مع الأجيال اللامعة في ذلك الوقت، أو التي طفقت لتوها تأخذ وهجا قويا في الأدب، والنقد من أمثال محمود حسين اسماعيل، وصلاح عبد الصبور، ومحمد مندور، وشوقي ضيف، وعز الدين اسماعيل، وعبد القادر القط، وصلاح فضل، وغالي شكري … وليكتشفوا من خلال وجودهم هناك أدب الشام، والعراق، والمهجر، وما تيسر من مترجمات الغرب، والشرق، مما تقذفه المطابع المصرية في عز الستينات المشبع بالأمل، والطموح” .

وقد ساهم الطلاب العائدون من مصر في تحريك الساحة النقدية، وإثرائها وتغذيته،  بالكثير من الأراء والمناهج النقدية، التي اطلعوا عليها خلال دراستهم هناك.

ج ـــ أما البعثات العربية الأخرى فستتأخر حتى دخول موريتانيا جامعة الدول العربية 1973 وسيكون لبعضها خصوصا البعثات إلي المغرب، والجزائر أثر بالغ على الجيل الثاني بعد جيل الرواد .

وعموما فقد ساهمت البعثات الموريتانية إلى المشرق، والمغرب العربيين في بَعْثِ الساحة الأدبية، والنقدية منها على وجه الخصوص، وذلك بإرفادها بالمناهج والنظريات، التي كانت قد بلغت مدى معينا من التقدم في هذه البلدان .

2 ــ 3. الصحافــــة:

يعتبر النقد الموريتاني الحديث ابنا شرعيا للصحافة الوطنية، حيث ولد في كنفها في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي قبل أن يتطور في أحضان الجامعة.

فعلى الرغم من أن مسيرة الصحافة ــ والتي ظهرت في وقت مبكر من استقلال الدولة الموريتانية ـــ لم تكن حافلة بالكثير من الإنجازات، إلا أنها ساهمت بقدر معين في نشأة النقد الموريتاني .

فقد احتضنت جريدة الشعب التي صدرت 1975 كل الأراء والسجالات التي تناولت معظم القضايا النقدية تقريبا مثل :

ــ نشأة الشعر الفصيح وتطوره

ـــ قضية القديم والجديد

ـــ المفاهيم والقضايا الفنية والمعنوية.

لكن هذه القضايا الثلاث ” لم توجد في المقالات مطردة، ولم تولد فيها مكتملة التصور، وإنما بدأ وجودها خجولا، مع المقالات الأولى، التي يعود أقدمها إلى سنة 1975، ثم بدأ الوعي بها ينضح شيئا فشيئا، إلى أن أصبح أكثر تمثيلا للظاهرة الإبداعية، مع منتصف الثمانينات، حين أثارت قضية السفين للشاعر أحمد ولد عبد القادر زوبعة من من الحوارات في دوائر ثقافية عديدة، لا مست القضايا أعلاه من جوانب مختلفة وخصوصا ما تعلق منها بالمفاهيم الإبداعية، والنقدية، غير أن تلك الملامسة ظلت في حدود وعي أصحابه، وهو وعي تحكمه مرجعيات نقدية متقادمة، ترتد إلى صرح رواد النقد العربي في عصر النهضة من أمثال طه احسين (1972) والعقاد ( 1974) ومحمد مندور (1965) وغيرهم ممن هو رائج في الساحة في الثقافة الموريتانية”  .

2 ـ 4. المراكز الثقافية :

كان للمراكز الثقافية دورها في تطوير المدونة النقدية الموريتانية، فقد وفرت هذه المراكز الكتب، والدوريات العلمية، واستطاعت بما تزخر به من مراجع، وكتب  تقريب المثقف الموريتاني ذو الخلفية الثقافية المحظرية، من أصداء الحركات الفكرية،  والتيارات النقدية في المشرق العربي.

ومن بين المراكز الثقافية التي نشطت الساحة النقدية الموريتانية  نذكر:

ــ المركز المصري 1965

ــ المركز الفرنسي1964

ــ المركز المغربي 1987

ــــ المركز العراقي

ـــ المركز السوري

ـــ المركز الليبي

بيد أن المركز المصري، كان الأكثر تأثيرا على الناقد الموريتاني، حيث واكب تقريبا نشأة الدولة الدولة المويتانية، وقام بجهد معتبر في تأسيس ورعاية الحركة الأدبية، وتأطيرها فقد ” كانت قاعاته لا تعرف الراحة، أو الهدوء ، من المحاضرات إلى الأمسيات الشعرية، فالندوات، إضافة إلى المكتبات، التي لم تخلوا تقريبا من أي كتاب يصدر في المنطقة العربية خاصة مصر … وبلاد الشام ناهيك عن مجلة دورية كان المركز يواظب على إصدارها، ويسهم فيها الأساتذة، والمؤطرون المصريون”

2ــ 5 . الجامعة ومؤسسات التعليم العالي:

لعبت الجامعة ومؤسسات التعليم العالي دورا بارزا في تطور النقد الأدبي الحديث في موريتانيا، فعندما نشأة المدرسة الوطنية للأساتذة سنة 1970 انكب طلابها في إعداد مذكرات تخرجهم على دراسة الأدب جمعا وتدوينا،ودراسة؛ وهو ما راكم الوعي بالظاهرة الإبداعية، وأسس مع جهود أخرى لنشأة النقد الأدبي .  وقد تطورت الأمور إيجابيا عندما تمّ انشاء المعهد الموريتاني للبحث العلمي وعُهِدتْ مسؤولياته إلي فريق من رجالات، البحث، والشعراء المخضرمين، الأمر الذي شكل إضافة نوعية ستتعزز لاحقا بإنشاء جامعة انواكشوط سنة 1981، مما أسهم بشكل كبير، ليس فقط في نشأة النقد الأبي، بل في تطوره، ونضج أدواته، وفاعليتها، مما ستنعكس ظلاله على الساحة الثقافية في البلاد، ويتجلّى في مزيد من الحيوية، والنشاط ستشهدهما الساحة الأدبية في هذه الأثناء . وستبرز إلى العلن قضايا نقدية عديدة مثل:  مفهوم  الشعر، ومفهوم النقد، وضرورة تجاوز سياقات العملية الإبداعية، إلى الظاهرة الإبداعية نفسها.

3 العوامل الداخلية لتشكل النقد الموريتاني الحديث:

3 ــ 1 التراث الشعري:

إن وجود عدد كبير من الشعراء  والمُبْدعين، إضافة إلي ما تختزنه الذاكرة الموريتانية من تراث شعري هائل، قد مثلا برأينا أحد العوامل الرئيسية لنشأة وتشكل النقد الموريتاني الحديث ، على اعتبار أن النقد خطاب ينشأ حول الأدب،  وعندما توجد نهضة أدبية ما، فذلك أدعى لوجود النقد وآكد لضرورته لأنه (أي النقد) مرشد العملية الإبداعية ،ومؤطرها.

لقد عرفت موريتانيا نهضة أدبية منذ القرن الثامن عشر ، وقد تواصلت تلك النهضة ولم تعرف انقطاعا، أو انحطاطا مثلما هو الحال في البلدان العربية الأخرى.

وقد ازدهرت تلك النهضة بعد الإستقلال، وعرفت مزيدا من التوهج، والتألق في ظل التيارات القومية، واليسارية اللتين امتطتا الأدب وجعلتا منه سلاحا تدافع به عن القضايا العادلة القومية، والوطنية الكبرى .

إن هذه الحالة الإبداعية المنتعشة، هي التي مهدت مع غيرها لتشكيل النقد الأدبي الحديث في موريتانيا.

3ــ 2 القراءات التأسيسية:

إذا تأملنا في المدونة النقدية، وتاريخ تشكلها، نستطيع أن نميز مجموعة من الكتب، والبحوث؛ مثلت القراءات التأسيسية الأولى، والتي نرى أنها شكلت في حينها إحدى أهم العتبات، والمقدمات الأساسية لتكون النقد الموريتاني، وهيأته للظهور في أواخر السبعينيات من القرن الماضي.

ومن أبرز هذه القراءات :

ـــــ الشعر والشعراء  1964 لمحمد المختارولد أباه

ـــــ تطور الأدب في موريتانيا ــ مطبعة ــ جيكا ــ انوكشوط 1965 لأحمد ولد احميد

ـــ الشعر الموريتاني قبل القرن العشرين نشرة الوحدة (الوحدة) إدارة الشرون الثقافية في موريتانيا 1968 لأحمد ولد احميد

ـــ أحمد بن حمه شاعر مدينة شنقيط ورائد نهضتها الأدبية  نشرة (الوحدة) إدارة الشؤون الثقافية في موريتانيا 1968 لمحمد الحنشي ولد محمد صالح.

وقد تميزت القراءات التأسيسية عموما بمنزع إيديولوجي ذو طبيعة سياسية تغذيه ” الرغبة في البرهنة على تميز الشخصية الوطنية، وأصالة هويتها، وكذلك على وجود تقاليد ثقافية خاصة بها، وذلك تتويجا للهوية السياسية التي كانت إلى عهد قريب مشكوكا فيها” .

 

 

2ــ 3ـ  اتجاهات النقد الموريتاني الحديث :

في سياق تفاعل النقد الموريتاني مع محددات النظام الثقافي الوطني؛  يمكننا أن نرصد اتجاهات ثلاث شكلت كل واحدة منها محطة رئيسية اجتازها النقد الموريتاني في رحلة تكونه المستمر، المفتوح وهذه الإتجاهات هي :

3 ـ 1. الإتجاه التقليدي:

ويمثله بعض المبدعين من ذوي الخلفية الثقافية التقليدية، وبعض أهل الخبرة بالأدب من الجيل الأول؛ الذين عاصروا البدايات الأولى للدولة وأخذت الظاهرة الإبداعية جزءا من تفكيرهم؛ فحزّ في نفوسهم تخلف النقد الموريتاني عن صنوه العربي،  وانتقدوه وإن لم يصلوا في الغالب إلى مستوى من النضج يكفي لإخراج أحكام نقدية عامة.

ويتركز مفهوم النقد عند هذا الإتجاه على التصور الكلاسيكي ” القائم على الإرتباط الوطيد بين التاريخ، والجغرافيا، والأدب، وتاريخه، وهو التصور الذي يصبح معه المركز النقدي معتمدا على المعطيات الخارجية المستمدة من العلوم الحافة بالأدب، وإن كانت مساعدة في التأريخ له، دون أن يعطي الإهتمام الكافي للمعطيات المستمدة من الأدب ذاته، لذلك ليس غريبا أن نلاحظ أن خطاب هؤلاء عن الأدب، وتاريخه ظل متمحورا  حول ما تمدّ به هذه العلوم الناقد ومؤرخوا الأدب من معلومات؛ فهم إن تحدثوا عن الحداثة ربطوها بتاريخ قيام الدولة والمتغيرات، التي أحدثها انتقال المجتمع  الموريتاني من البداوة إلى الحضر دونما إعطاء كبير شأن للمتغير الثقافي وخاصة منه الأدبي . ونعتقد أن هذا الإتجاه بدأ في نهاية السبعينيات واستمر حتى بداية  الثمانينات. وهي الفترة  التى يمكن أن نطلق عليها تجوزا :

ـــــ فترة فقدان المنهجية: أي تلك الفترة، التي كان الناقد أو على الأصح مشروع الناقد يتلقى عن بعد صدي ما تمور به الساحة المشرقية عبر المراكز الثقافية، والتيارات الفكرية من كتابات نقدية لجيل الرواد هناك، ممن لمعت أسماعهم في الساحة الثقافية من أمثال طه حسين، ومحمد مندور، والعقاد وغيرهم، ممن كان لهم تأثير بالغ على الأدب العربي بشكل عام .

3 ــ 2. الإتجاه المنهجي :

يتميز هذا الإتجاه بكون أصحابه مارسوا النقد بطريقة منهجية، وبأن أغلب رواده ممن تخرجوا من مؤسسات التعليم العالي الموريتاني،  أو في الجامعات العربية، أو الأجنبية، الأمر الذي سينعكس على تكوينهم الأكاديمي ويجعلهم أكثر وعيا بالنظرية النقدية، وأكثر تمثلا لمنظومتها المنهجية مما “أدّى إلى نوع من التخلي التدريجي عن الإهتمام بالمعطي السيري لأصحاب النصوص، والتركيز على نصوصهم في محاولة لإنشاء خطاب نقدي حول هذا  الأدب ينبني أطروحة أحد المناهج النقدية التقليدية، أو الحديثة كما درسها، وفهمها هؤلاء خلال تكوينهم الأكاديمي  .

ونستطيع أن نسمي هذه الفترة التي عاش فيها هذا الإتجاه الجامعي ب:

ـــــ  فترة النقد الممنهج : وهي تمتد من نهاية الفترة التي أشرنا إليها سابقا عند حديثنا عن الإتجاه التقليدي أي من سنة 1984 إلي غاية 1991 وهي الفترة التي حاول فيها الناقد الموريتاني، وهو يقارب الظاهرة الإبداعية في وطنه، أن يستأنس ببعض المناهج خصوصا من المنظومة التاريخية،  مما سيساهم في تطور النقد الموريتاني، ويراكم من تجربته، ساعده في ذلك ظهور الرواية في هذه الأثناء ، وهي جنس أدبي جديد لم تعرفه الساحة  من قبل،  مما ألهب النقاش بين رواد هذا الإتجاه، ووسع من دائرة تفكيرهم .

إنه على الرغم من أن جهود هذا الإتجاه أعطت أكلها، وأثمرت نتائج طيبة سيكون لها تأثير حاسم في مستقبل النقد الأدبي الحديث في موريتانيا، إلا أنه أصيب بنوع من التجمد منعه من أن يعطي نتائج باهرة، وربما يعود ذلك إلى ما اتسمت به جهود رواده من انقطاع وعدم متابعة للمشاريع النقدية “هذا بالإضافة إلى عدم متابعته أحيانا للتطور السريع الذي عرفته المناهج النقدية  الحديثة خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، بفعل عدم وصول الكتاب والنشر الأكاديمي بانتظام إلى مؤسساتنا الجامعية، الامر الذي أدي مع الزمن وللأسف إلى تعاطي وتداول وتدريس لون متقادم نسبيا من الكتاب النقدي والنشر ألأكاديمي .

ولكن هذا الإتجاه استطاع بحق أن يعمّق الوعي بالنظرية النقدية، وأن يحرك الركود، الذي كانت تعيشه الساحة النقدية الموريتاننية، وأن يؤسس وهذا هو الأهم  لاتجاه آخر أكثر تطورا، وأكثر انفتاحا

3 ـ3.  الإتجاه الجديد :

ظهر هذا الإتجاه كتيار منفعل بالفورة النقدية، التي شهدتها الساحة العربية في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، بسبب انفتاحها غير المسبوق على الفلسفات والمناهج الأوربية؛ ” محتفية بها ترجمة وتأليفا، فاتحة جامعاتها لها، مقيمة حولها الندوات والحلقات الدراسية، مما أضحى في منظور العقل العربي السبيل الأوحد لدخول عوالم الحداثة وما بعدها”  .

هذا الصنيع جعل الساحة العربية “تحتضن نظريات، ومناهج عديدة، من شكلانية، وبنيوية، وتفكيكية، وأسلوبية، وما تفرع عن كل واحدة منها من تيارات، واتجاهات كثيرة بلغت في التشظي حدّ الذّرية” .

هذا التطور الذي شهده النقد العربي، وصل صداه إلى النقد الموريتاني، وإن بنسب متفاوتة .

إن هذا التيار بدأ يستفيد على عكس سابقيْه من النقد المغربي، الذي  كان يشهد في هذه الفترة تميزا ونضجا أهله بعد ذلك لأخذ الريادة  عربيا، الأمر الذي تجلي في ظهور مؤلفات جديدة، لشخصيات نقدية وازنة ذاع صيتها وانتشر بين القراء العرب؛ واستطاعت لفت الأنظار إلى إبداع الأطراف العربية، وقدرتها علي المساهمة الفعّالة  في إغناء الساحة الثقاقية، وإرفادها بخبرات وتجارب نوعية.

إن هذا الإتجاه وإن قلنا بأنه استفاد كثيرا من النقد المغربي، إلا أن العامل المشرقي ممثلا في مصر، والشام، والعراق ظل مؤثرا هو الآخر وإن بنسب متفاوتة .

ولقد استطاع رواد هذا الإتجاه الإنفتاح  على مناهج حديثة ومحاولة تطبيقها على الأدب الموريتاني، يدفعهم لذلك هاجسين اثنين:

أ ــ استنبات النظريات النقدية وتوريد المناهج إلى ” الثقافة والأدب الموريتانيين وتسويقها في مسعى لتحديث الوعي …وتعميقه، انتظاما وانسجاما مع ما يشهده المجتمع من تحول على الصعد كافة”  وذلك بغية  مواجهة النطام الثقافي للمجتمع الموريتاني التقليدي، الذي يرفض الحداثة، ويأبي التحديث.

ب ـــ تصدير الأدب الموريتاني إلي الأشقاء العرب ” قلقد كان شعور الباحثين الموريتانيين بالجهل العربي لثقافتهم … عاملا يقف خلف اختيار موضوعاتهم المحلية، وما المقولة التي روجت لها مجلة العربي في مطلع الستينات من أن موريتانيا بلاد المليون شاعر إلا باطل أريد به حق مستكثر علي بلاد قصية في منكب برزخي وفترة من المدنية ” .

إن الإضافة النوعية، التي أتي بها هذا الإتجاه، تتمثل في تجريبه لمناهج حديثة، كالبنيوية، والشعرية، والسيميائيات؛ هذا إضافة إلي انخراط جيل جديد من الشباب، والذين لم تكن لهم مشاغل سياسية، واجتماعية كثيرة أو علي الأقل لم تكن بحجم  انشغالات من سبقهم ممن ارغمهم كيان الدولة الناشئ على العمل في مجالات عديدة منها السياسي، والإجتماعي والثقافي؛ هذه المساحة التي حظي بها هذا الجيل جعلت منه جيلا متخصصا، ومتفرغا للعمل الثقافي، مما أضفي ابعادا إيجابية، أَثْرت النقد الموريتاني،  وأمدته بروافد جديدة أثّرت تأثيرا كبيرا علي المشهد النقدي، وعززت من قدرته، وطورت من خبرته، وبوأته مكانة لا بأس بها، ستساعده لا محالة في مسيرة تحوله وتكوينه المستمر. وسنقف في قابل البحث علي نماذج تطبيقية من انتاج هذا الجيل.

3 ــ النقد الروائي في الأدب الموريتاني:

بعد هذا السردي التمهيدى الذى نعتبره ضروريا؛ لإعطاء لمحة عامة للقارئ غير المطلع كثيرا على الحقل الأدبي الموريتاني، وعلى سياقات تشكله، نشير هنا في هذا المبحث إلى موضوعنا الأساس، ألا وهو النقد الروائي الموريتاني، حيث تعتبر الرواية ثاني الأجناس الأدبية شيوعا بعد الشعر الفصيح في الساحة الأدبية بموريتانيا، وهي تحظى باهتمام ورعاية مؤسسات ثقافية وازنة ونشيطة شيئا ما، كاتحاد الأدباء، والكتاب الموريتانين، حيث ما فتئ هذا الأخير؛ يقدم الدعم والتشجيع لرواد، ومتعاطي هذا الجنس ويقيم الجوائز، والندوات، والحلقات الدراسية حول الرواية، بغية تشجيع القارئ  الموريتاني على معرفتها وحثه على تقبلها.

هذا القارئ الذى كان ولوقت قريب لا يرى عن الشعر بديلا، ولا حتى شبيها يمكن أن يأتي بحسن من القول، أو لونا من الخيال، الأمر الذى أعاق كثيرا تعاطي  الرواية، وقلل  ردحا من الزمن من مستوى انتشارها، لكن الرواية بفعل المقاومة، التى ابدتها والجلد، الذى أبانت عنه، استطاعت بفضل، جهود كتاب متميزين أن تختط لنفسها مسارا وتخلق لتلقيها جمهورا، وهو ما جعلها في السنوات الأخيرة تلفت انتباه الكثير من الكتاب الشباب، الذين رأوا فيها الوسيلة المثلى لتمرير خطاباتهم السياسية، وانتقاداتهم للوضع القائم، وطرح رؤيتهم للإصلاح.

إن هذا الأقبال اللافت في السنتوات الأخيرة  على الرواية تعاطيا، وإنتاجا لم يوازيه برأينا اهتمام كبيرمن طرف الناقد الموريتاني .

فالباحث عن الدراسات النقدية أو المناهج، التى تمّت تجريبها فى ميدان الرواية يتفاجأ من قلة هذه الدراسات حول هذا الموضوع، فكل ما تمّ القيام  حتى الآن لا يتجاوز عدد  أصابع اليد؛ إلا أن هذه الدراسات مع قلتها، قد اتسمت فى معظمها بطابع الجدية والنضج، وهو ما يشفع لها، ويجعلها تستحق النقد، والمساءلة، وهو ما سنقوم به في الفصول الآتية.

لكننا وقبل أن ندخل في صميم موضوعنا، نود الإشارة إلى مجموعة من النقاط الهامة، التى أطرت بحثنا وأملت علينا خياراتنا وهي نقاط علمية وموضوعية نجمل أهمها فيما يلي:

1 ـــ طبيعة البحث العلمي وخصوصياته، التى تحتم على الباحث التركيز على موضوع  محدد، كي يستطيع الإحاطة به  ودراسته دراسة شمولية تمكنه من ملامسة جميع عناصر الموضوع .

2 ــ إن الدراسات النقدية، التى اتخذت من الأدب الموريتاني موضوعا لها كثيرة جدا، وهي لاتساعها لا يستطيع الباحث مهما اتسم به من الدقة، والتحري، أن يقوم أو حتى يدعي إمكانية حصرها لأن الكثير منها لا يزال مرقونا، أو أعلى شكل أطاريح، وبحوث انجزها أصحابها؛ فى عدد غير قليل  من الجامعات العربية والدولية،  ويرجع ذلك لأسباب عديدة ليس أقلها: غياب دور فعّالة للنشر، وعدم وجود استرتيجية  وطنية من قبل الدولة ومؤسسات التعليم العالي لإعداد بيبليوغرافيا يستطيع الباحث من خلالها أن يؤخذ صورة شمولية عن المدونة النقدية الموريتانية.

3 ـ إن معظم الدراسات التى تمّ القيام بها حتى الآن قد اتخذت من الشعر الموريتاني الفصيح موضوعا لها، الأمر الذى جعل دراسة الشعر تتضخم فى مقابل ضمور الدراسات النقدية المتعلقة بالأجناس، الأخرى  ومنها الرواية.

4 ــ لقد قام أحد الباحثين قبلنا وهو الاستاذ محمد الحسن ولد محمد المصطفى مشكورا بدراسة، كالتي ننوى القيام بها وهي : “النقد الأبي الحديث في موريتانيا المناهج والقضايا الشعر الفصيح نموذجا” وهي  محاولة جادة تجعلنا فى هذا البحث نستمرها لنتجاوز الدراسات النقدية  المتعلقة بالشعر الفصيح إلى الدراسات التطبيقية، أي التي اختارت أحد المناهج النقدية لتقارب النص الروائي من خلاله، لنعرف كيف تلقى الناقد الموريتاني المنهج النقدي الحديث؟ وإلى أي حد وفق فى تطبيقه على الرواية الموريتانية المعاصرة؟ وما مدى التزامه بقواعد هذا المنهج وآلياته الإجرائية؟.

 

ناقد من موريتانيا

عن madarate

شاهد أيضاً

الملحون وأسئلة الهوية والماهية- قراءة في كتاب محمد بوعابد (أبو ريم) حفريات في الشعر الملحون – عبد الجليل بدزي

  الملحون وأسئلة الهوية والماهية- قراءة في كتاب الأستاذ الباحث محمد بوعابد (أبو ريم) حفريات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *