الرئيسية / دراسات / الوتر الواحد لا يعطي نغماً ولا يصنع معزوفة – هايل علي المذابي

الوتر الواحد لا يعطي نغماً ولا يصنع معزوفة – هايل علي المذابي

أفكر مرارا عما يمكن قوله عن أهمية السلام وضرورة التسامح في ظل هذه الظروف التي نعيشها ويعيشها العالم، ولو إلى حد نسبي بعيدا عن المثاليات المستحيلة وفي كل مرة أقرر الكتابة عن هذه الفكرة بلا إرادة ينصرف ذهني إلى تلك النماذج الجليلة ..

يدهشني قول الشاعر الفلسطيني العظيم محمود درويش ” جنسيتي قلوب البشر فأسقطوا عني جواز السفر..” وقوله ” وأنت تخوض حروبك.. فكر بغيرك .. لا تنسى من يطلبون السلام..” ويربكني ذكاء غاندي الذي حرر بلاده بالكلمة والسلام بعد استعمار دام لأكثر من قرن ونصف من الزمان ولم يحمل مسدس طيلة حياته، حين قال ” أنا إنساني لإنني هندي”.. وفي قول آخر تأكيداً على ضرورة قبول الآخر أيّاً كان ” أنا أسمح لكل رياح الأرض أن تهب على بيتي لكني لا أسمح لها أن تجتثني من جذوري” .. وفولتير أيضاً وهو يحترم الفكر الآخر ويدعو إلى نبذ التعصب ” إنني قد اختلف معك في الرأي لكنني أدفع حياتي ثمناً من أجل أن تعبر عن رأيك..”.

ويؤلمني حين أتذكر فيكتور هوجو وهو يصب الزيت على النار في كتابه “أساطير القرون” حين شبه عمر بن الخطاب بالقديس بولص ويلقبه بشيخ الإسلام ويدعي أنه هدم ألفاً وأربعمائة كنيسة في أيام الفتوحات وبنى بدلاً عنها مساجداً للمسلمين, وحاله في قوله المثل العربي الذي يقول “رمتني بدائها وانسلت” لمن يعير صاحبه بعيب هو فيه ” فهوجو لم يقل ذلك إلا إسقاطاً وتبريراً لما فعله الفرنسيون في الجزائر و لكن عمر بن الخطاب رفض أن يصلي في الكنيسة يوم دخوله القدس حتى لا يتخذها المسلمون مسجداً من بعده..

ويوجعني أكثر حين أتذكر خدعة السمكة أو كذبة إبريل يوم اعدم الصليبيون الشيوخ والاطفال والنساء بعد سقوط الأندلس فأذاعوا في الناس أن السفن تنتظرهم لإعادتهم إلى بلاد العرب وليس عليهم سوى الذهاب إلى الشاطئ وحين ذهبوا ذبحوهم عن آخرهم..

وتذكرت مارتن لوثر كينج ونضاله ضد العنصرية وخطبته العظيمة “I have a dream” “لديّ حلم”.. وهو يثبت أن العالم لا يملك من النقاء والبياض ما يكفي ليمارس العنصرية…

أتذكر جورج واشنطن كارفر الزنجي الذي تضاهي اختراعاته اختراعات أديسون رغم طفولته المعذبة والقهر الذي كان كفيلاً بأن يجعله مجرماً ورغم أكثر من ذلك إلا أنه أوصى أن يكتب على شاهد قبره ” لا يمكن لأي إنسان أيًّا كان أن ينحدر بي إلى درجة تجعلني أكرهه أو أحقد عليه.. “.

كما أتذكر معلقة شاعر الحكمة زهير بن أبي سُلمى التي كتبها من أجل إيقاف الحرب في عرس السلام ..

والمسيح عليه السلام في قوله ” أحبوا أعدائكم”.. وقوله ” إذا جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فاسقه..”.

والرسول الأعظم محمد عليه الصلاة والسلام والذي كان داعية حب وسلام وكل الفتوحات التي تمت بعد مجيئه كانت بسماحة الإسلام وليس بحد السيف..

واتذكر كل لك وأكثر واتساءل منذ متى بدأ العالم في التوحش والعنف والعنصرية والحروب؟!

ولماذا يقتل الناس بعضهم بعضا بسبب الاختلاف في القول والفعل والمعتقد!؟

والجواب لإنهم لا يؤمنون بالتعددية و يكرسون أنفسهم من أجل ثقافة الواحد و اللبس الواحد و النمط الواحد و المذهب الواحد و الفكر الواحد.

إن الاختلاف يمنح العالم الجمال والسلام ..

إن لاختلاف أبناء الأسرة الواحدة في أعمالهم و أقوالهم وملبسهم تأليفا لوحدة الاسرة والمجتمع الذي سيعاب إن لم يكن فيه هذا الاختلاف…

لن يتحصل الوعي إذا لم نفهم أنه لا يوجد هناك عرف أو قانون يجيز لأي إنسان أن يحتقر إنسان آخر للونه أو لجنسه أو لعرقه, أو يرفضه إلا بسلطان السلوك الذي يسلكه, و العمل الذي يقوم به فقط..

عندما نؤمن بالاختلاف وضرورة التعددية كناموس بني عليه هذا الكون سينبت السلام في هذا العالم وعلينا إدراك أن الوردة الواحدة لا تصنع بستاناً أو حديقة و العصفور الواحد لا يصنع سرباً, و النحلة الواحدة لا تصنع خلية, و الوتر الواحد لا يعطي نغما أو يصنع معزوفة..

 

كاتب من اليمن

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *