الرئيسية / دراسات / الوشم: من المحو الجسدي إلى الجسد المكتوب – خالد بناني

الوشم: من المحو الجسدي إلى الجسد المكتوب – خالد بناني

الوشم: من المحو الجسدي إلى الجسد المكتوب خالد بناني*

 

الوشم غرافيتيا على الجلد، وهو يشكل الطفولة البكماء للعلامة، بحيث إنها سرعان ما تشتغل ككلمات ووحدات في نسق منطوق[1]. وقد انتبه الدارسون إلى إمكانية دراسة الوشوم دراسة لسانية، خاصة الفرنسية ماري آن بافو، باعتبارها “كتابات جسدية لأشكال خطية جلدية تمثل في الآن ذاته خطاب جسد وخطابا عن الجسد”[2]، فهي إذن رسائل مقروءة وعتبات تخاطب[3].

وقد نشأ الوشم قبل ميلاد السيد المسيح بآلاف السنين، وكان النازيون يستعملونه لتمييز اليهود خلال الحرب العالمية الثانية، وهو الأسلوب نفسه الذي كان يستعمل مع “بنات الدعارة” من قِبَل السلطة في السجون. وقد تجاوز المجالات البسيكولوجية والانثروبولوجية والسياسية، إلى المجالين الأنطولوجي والاستهلاكي، فقد صار وسيلة للتعريف بالذات واستعراضها، خاصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فيعبر المرء عن عزلته واغترابه وتمرده، ويعبر عن أفكاره وقناعاته، سواء على مستوى تزيين الجروح وتحويلها إلى نماذج فنية، أو عبر وشم العضو التناسلي للمرأة برسم الشجرة حتى تتخفف من حلق شعر العانة الذي يصير له دور جمالي يتجاوز به العقبة التي كان يشكلها[4]. ورغم أن الأمر يبدو غريبا نظرا لحساسية الموضع الموشوم، فإنه يزداد غرابة إذا عرفنا أن البسملة كانت توشم على فروج عاهرات بنغازي بليبيا[5].

ويبرز الوشم الجسد ذي الطبيعة الحية الإلهية بما يجعل منه جسدا ذا خصوصية محلية، خصوصية ربما تترجم موقفا معينا أو تكتفي فقط بإبراز “الأنا” الخاصة بالفرد في صيغتها التشكيلية، وبما يحقق المقصد التبالغي عن طريق دعوة الرائي إلى تأمله والانتباه لمضمونه، قبل الحسم في الاستجابة له أو تجاهله[6]. فهو إذن انتقال بالجسد من طينه الأولي إلى مرئي ثقافي خارجي. وقد كان دوركهايم من أوائل من بينوا الدلالات العامة للوشم، وهي الدلالة الرمزية، الطقسية، والاتصالية[7]. كما ننوه بالدور التاريخي الذي تمثله الأوشام، وفي هذا الصدد، نذكّر بما خلص إليه الدكتور كيمير Keimer بعد دراسته آثار وشوم مومياوات الراقصات الفرعونيات، من تطابق مواضعها مع مواضع حلي راقصات العصور الحديثة المصريات، مما حمل على الاعتقاد بامتداد تاريخي يربط ما نراه اليوم بما كان عليه الحال قبل آلاف السنين[8].

تعددت أسباب وضع الوشوم حسب الثقافات، فقد وضعها الإغريق لتمييز جواسيسهم، والقبائل الإفريقية درءا للسحر، وبدو العرب للزينة ورد الحسد[9].. بينما كان أفراد القبائل البدائية يعمدون إلى الوشوم حتى يعيبوا أجسادهم، فيستبعدهم تجار العبيد الباحثون عن الأصحاء ذوي الخلقة المقبولة[10]. وفي بعض القبائل، تؤدي الوشوم دورا هاما في الاندماج الطقوسي كما في الانفصال، بحيث تسمح بإدماجه فردا في قبيلته من جهة، وبتمييزه عن أفراد باقي القبائل من جهة أخرى[11]. كما تتضاعف الأوشام بحسب الوضعيات الاجتماعية، خاصة في أنظمة الزواج وأثناء السعي إلى إثبات الانتماء السلالي، بما يشبه ذاكرة نظامية تحدد مكانة كل فرد داخل بنيته الاجتماعية[12]. وأحيانا تتخذ القبائل القديمة الوشم وفق مرجعية طوطمية تبدأ من الجسد وتمتد حتى باقي متعلقات الأفراد[13]. أما الوشوم البدائية التي كانت تعتمد قديما في الموانئ والزنازين والمعسكرات وغيرها.. فكانت لها دلالة الشدة والقساوة وتحمل الآلام[14].

يأخذ الوشم في الكتب المقدسة طابعا دينيا سرعان ما يستثمر طابعه الدنيوي في التطويع، فقد ذكر الحديد المحمّى لصنع علامة تدل على الإهانة والاستعباد[15]. ومن النصوص الدالة نجد ما يلي:

  • “وتخبر ابنك في ذلك اليوم قائلا من أجل ما صنع إلي الرب حين أخرجني من مصر، ويكون لك علامة على يدك وتذكارا بين عينيك لكي تكون شريعة الرب في فمك”[16].
  • “نختم عبيد إلهنا على جباههم”[17].
  • “وله (أي المسيح الذي كان يمتطي فرسا أبيض) على ثوبه وعلى فخذه اسم مكتوب: ملك الملوك ورب الأرباب”[18].

أما إسلاميا فيعتبر الوشم أمرا منهيا عنه، ويمكن الاستدلال على ذلك بما يلي:

عن وهب بن عبد الله السوائي أبو جحيفة أنه قال: “رَأَيْتُ أبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ فَقالَ: نَهَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن ثَمَنِ الكَلْبِ وثَمَنِ الدَّمِ، ونَهَى عَنِ الوَاشِمَةِ والمَوْشُومَةِ، وآكِلِ الرِّبَا ومُوكِلِهِ، ولَعَنَ المُصَوِّرَ”[19].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال:  “لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ، والواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ”[20].

ورغم صبغة التحريم تلك، فإن ثمة أجسادا تولد بأوشام غريبة، وتكمن الغرابة في كونها تتخذ مظهرا قدسيا بشكل أو بآخر، وهناك حالات عديدة مثبتة لمواليد يحملون اسم الجلالة منقوشا على جلودهم، أو مشكّلا من طيات الأذن، أو آيات قرآنية، وهو بالنهاية ما يجعل الجسد/الطين جسدا مختلفا بمسحة إلهية مضافة، حتى يصير قِبلة للتبرك أحايين كثيرة.

يذكرنا هذا بختم النبوة الذي عرف به الرسول (ص). فعن السائب بن زيد أنه قال: “ذَهَبَتْ بي خَالَتي إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقَالَتْ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ ابْنَ أُخْتي وجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي ودَعَا لي بالبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَشَرِبْتُ مِن وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إلى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ”[21]. ومعروف أن اليهودي سأل الرسول ص عن علامات النبوة، وكان هذا الخاتم واحدا منها.

وعلى المستوى المؤسساتي للسلطة، كان محكومو أوربا أواسط القرن التاسع عشر يحملون على أجسادهم وشوما هي بمثابة اعترافات موشومة، إما مقصلة في الأذرع اليسرى، أو خنجرا مغمدا في قلب دام على الصدور[22]. وقد ظلت الوشوم وسيلة التعرف على المساجين والمتهربين من الخدمة العسكرية، وذلك بكل من بريطانيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، خلال القرن 19م[23].

بفرنسا، وحسب تشريع 1791م، خصصت عقوبة مضاعفة بكل الأحوال تقريبا لمكرِّرِي الجرم، وتبعا لقانون فلوريال (…) كان يتم وسمهم بحرف (R) الدال على هذا التكرار[24]، قبل أن تقوم الدولة بإلغاء الوسم بالحديد المحمى عام 1832م، لتتبعها إنكلترا عام 1834م.[25]

تعيدنا العلاقة بين المحكومين والوشم إلى خريجي السجون بالمغرب، حيث تعتبر الوشوم دلالة على العنف الجسدي، بغض النظر عما إذا كان الشخص الموشوم معتديا أو معتدى عليه أولاً، ولذا غالبا ما يتم رفض توظيفهم من قبل الأشخاص والمؤسسات، بدعوى أنهم غير جديرين بالثقة. هكذا يظل الماضي الإجرامي مسجلا في الذاكرة الجلدية، وليس من السهل تلافيه مهما أعلن الشخص توبته وغير عاداته نحو الأفضل[26].

وإذا امتاز ما سبق ذكره بطابع القسرية، فإن بعض الأشخاص، خاصة المشهورين منهم، يسعون إلى التعاطي الطوعي لنوع من الوشوم المؤقتة، بحيث يرون في ذلك مجالا خصبا للتمايز وخلق نوع من الكاريزما والموضة واستعراض الذوق الخاص[27]، إما بشكل مناسباتي مشروط أو بين حين وآخر، طلبا لإطلالة جديدة أو تعبيرا عن موقف مفاجئ بما يتجاوز الزينة في الحالتين، وذلك عن طريق تحميل الجسد بالعلامات والرموز، إما بصيغة رسوم أو كتابات، كما فعل المخرج اللبناني رامي بيطار، إذ وضع على يده اليسرى وشما يمثل عجز بيت لأبي العلاء المعري “وما جنيت على أحد” إيمانا منه بعدم إنجاب ابن يأتي لهذا العالم المهدد بالدمار والموت والحزن. وتعتبر ريو دي جانيرو البرازيلية خير مثال عن طريق تنظيمها السنوي لاحتفال “أسبوع الوشم”، ملتقى المشاهير الذي يتم فيه انتخاب ملكة جمال التاتو[28].

علاوة على ذلك، يشكل ابتكار “الوشم الناطق” ثورة حقيقية في هذا المجال، إذ يتم تسجيل صوت الشخص من خلال كلمة أو جملة، ثم يتم تحويله إلى بصمة صوتية مرسومة على شكل تخطيط، هذا الأخير يتم استنساخه ووشمه على الجلد، بعد ذلك يتم نسخ الوشم عبر الهاتف ببرنامج مخصص لذلك، وهو ما يسمح بإنطاق الوشم وتحصيل الصوت الأصلي المسجل. هكذا ربما يموت الشخص ونظل محملين بصوته على جلودنا، محتفظين به حيثما حللنا، مع إمكانية استرداده في الوقت الذي نختاره[29].

“كانت العادة أن ترسم أشكالا هندسية تقليدية على الوجه والجسم، غالبا ما كانت تحدد موقع حاملها ضمن المجتمع، مثل تابعيته لإحدى القبائل، أو مرحلة البلوغ أو المجموعة الحرفية التي ينتمي إليها أو شجاعته”[30]، ويظهر ذلك جليا في نوع الوشوم لدى أمازيغ سوس، قياسا على وشوم أهل الريف أو زيان مثلا. وعلى كل حال، وحتى بغياب دراسة علمية موثوقة تثبت الأمر أو تنفيه مغربيا، فإن الأمر يظل قائما في مناطق أخرى، كما لدى عشيرة السادة النعيم في الموصل بالعراق[31].

ويذكر أن البحار الإنكليزي “أوكونيل” قد تزوج ابنة أحد زعماء القبائل بجزيرة “بونابه”، فاضطر إلى تحمل ألم الوشوم على جسمه حتى يثبت ولاءه لأسرتها، ثم اكتشف لاحقا أن الوشوم عبارة عن تاريخ مصور لأسماء زعماء العشيرة وعظماء القبيلة الذين ماتوا[32]، وهذا الأمر شبيه بما يحققه الخدش في قبائل إفريقيا الوسطى باعتباره طقس عبور من الطفولة إلى الرشد، والانتماء إلى الجماعة[33].

هناك من يرى أن المعاملات بين أفراد الهنود الحمر بكاليفورنيا كانت تتم بالوشوم، باعتبارها تحدد ملكيات الأشخاص، عن طريق نقل الوشوم ذاتها من الجسد إلى الأشجار بما يسمح بتحديد الأراضي، كما اعتبرت وسيلة لافتداء الأسيرات فور التعرف عليهن عن طريق ما تحفل به جباههن[34].

يمكن للوشم الثقافي والاجتماعي أن يكون على شكل حذف (الختان) أو تشويه (برد الأسنان مثلا) أو إضافة (رموز…)[35]، فبالنسبة لبعض الأسر القروية بمصر، وقبل أزيد من قرن، كانت العادة تقتضي دق وشم على الشفة العليا لمن كان وحيد أسرته، مع علامة دائرية قرب خياشيمه لتقيه من شر العين[36]. كما يصنف الاعتقاد الشعبي وشم الجبين في ملتقى الحاجبين بمثابة عين ثالثة لدرء خطرها[37].

وبالنسبة للأهالي الأصليين بنيوزيلاندا وكذا وطنيي جزر جنوب استراليا، تعتبر الوشوم الحلزونية وسيلة حماية من شر الأرواح[38]. أما بالنسبة لنساء بورما فإن الوشم المثلث مخصص لضمان تعلق أزواجهن بهن[39]. بينما تتميز الطوائف الدينية الهندية بوشوم معينة على جباه المتمين إليها[40]. وفي بعض القبائل جنوب آسيا وشرقها، يتم إخفاء معالم الوجوه بالوشوم لمن أراد الزواج، ويعتبر ذلك شرطا أساسيا للمباركة[41]. ومقابل ذلك تخصص بعض القبائل البدائية وشوما لأجزاء الجسم –كل على حدة- مضادة للأمراض التي تصيبه[42]، تماما كما هو الحال لدى بعض القبائل الموجودة بغابات وأحراش أمريكا اللاتينية وأفريقيا، على امتداد نهري زامييزي والنيل، وكذا في أرياف وبوادي العراق وصعيد مصر وبعض مناطق الصحراء بشمال إفريقيا، والتي تتخذ الوشم جزءا من العلاج، وذلك بوضعه على مواطن الألم[43]. وتبقى المفارقة قائمة دوما: فإذا كان الأمر مجرد اعتقاد بالنسبة لتلك الثقافات، فإن ثمة دراسات -على العكس من ذلك- تربط الوشم بالمشاكل النفسية واضطرابات السلوك[44].

يتموقع الجسد/الوشم بين جسدين: الجسد/الجلد، والجسد/اللباس، خاصة في المناطق المحجوبة عن العين[45]، فهو من جهة جسد مواز، ومن جهة أخرى لباس مواز[46]. ويصف وستر مارك مختلف الوشوم المنتشرة في العالم العربي، وخاصة لدى بربر شمال إفريقيا بأنها تنتمي لحضارات سحيقة، فهي محملة بالتاريخ وبامتداد الوجود الإنساني، علاوة على تحولها من مجرد رموز بدائية تحاكي الطبيعة[47] إلى أشكال دالة ذات بعدين جمالي وتصنيفي، فهي لا تكاد تخلو منها مختلف المنتجات التقليدية، من نسيج وخزف وحصير وفخار وحلي وتطريز ومشغولات خشبية وأوان نحاسية وغيرها[48].. وهو امتداد يشير برولتون إلى أنه يجاوز ما قبل الأسرات بمصر وكذا اليونان القديمة.

من الأشكال المنتشرة الدالة على تفادي الحسد ضمن الموروث الأنثروبولوجي مثلا، نجد الرقم سبعة العربي، بنقطتين محوريتين، إحداهما في الأعلى والثانية في الأسفل، كما يوضحه الرسم التالي ضمن الدائرة الحمراء:

وهو من الأشكال التي أوردها وستر مارك في كتابه[49] باعتبارها منتشرة في شمال إفريقيا، تحت الرقم 52. ويأتي مقاربا له الشكل المثلث الذي يرمز إلى العين الحامية[50]. تتقاطع هذه الوشوم في العديد من أشكالها مع تلك الرسومات المستخدمة في الأحجبة والأحراز المخصصة للوقاية من الحسد ومن شرور الإنس والجن[51]، وهو ما أقر به أحد الأشخاص الذين لوحظ على طرف جفنه وأنفه علامات تكاد تكون مضمحلة المنظر، فلما سئل عنها قال إنه كان بهي الطلعة في صباه، ولخوف أمه من عين الحسود قامت بوشمه[52].

وإذا كان الإسلام قد فرض على المرأة الحسناء صون وجهها باللثام تجنبا للفتنة، فإن اللجوء إلى وشمه من شأنه أن يحقق الغاية ذاتها، إذ الوشم هنا هو تلثيم بالخط، وإقرار رمزي بنوع من التعقل والنضج والحكمة[53]. هكذا كانت تفعل الجدّات لعشرات السنين بالمملكة المغربية، قبل اندثار هذه العادة لصالح مساحيق التجميل القابلة للمحو والتغيير دوما.

غالبا ما يشم المغاربة مقدمات أجسادهم، بينما يشم البولينيزيون أجسادهم كاملة تقريبا، كما أنه مقابل وشم النساء المغربيات وجوههن، يشم الرجال الأيادي من الكف وحتى الكتف[54].

تكاد الوشوم المغربية تتوزع على سائر الجسد، سواء ما بين الحاجبين أو الخد أو الذقن أو الصدر أو الظهر أو الكتف أو الذراع أو مقدمة الذراع أو اليد أو البطن أو الركبة والرجل والقدم، كما تتعدد أسماء الزخارف الموشومة خلافا للأشكال الهندسية، فنجد عبارات مثل “الغمّاز” و”الطّابع” و”لكْحل” و”وُشام اللحية” و”صدر” و”حاملا” و”عوّامة” و”وسّادة” و”حنيّش” و”خلخال” و”وردة” و”حمّاقة” و”سلسال الفخذين” و”قَطعت لْوَا”[55].

وقد يكون الوشم المغربي عبارة عن طابع (زخرف ما بين الحاجبين مكون من محرز وخاتم)، أو تسنيدة لالافاطمة الزهراء (زخرف على الذقن، وهو نذر لالا زهراء بنت النبي)، وكذلك الخاتم السليماني (خاتم السليمانية) مرسوما على المعصم أو اليد، أما زخرف الطلسم فالناس يقولون عنه بأنه يقي من العين اللامة[56].

ربما اختصت بعض القبائل والعشائر دون البعض الآخر بنوع معين من الوشوم، وذلك حتى تظهر تميزها وانتماء أفرادها إلى تلك الجماعة المخصوصة، ويظهر ذلك جليا في نوع الوشوم لدى أمازيغ سوس، قياسا على وشوم أهل الريف أو زيان مثلا. وعلى كل حال، وحتى بغياب دراسة علمية موثوقة تثبت الأمر أو تنفيه، فإن الأمر يظل قائما في مناطق أخرى، كما لدى عشيرة السادة النعيم بالموصل[57].

فمثلا عند فقدان الوالدين للإبنين البكرين على التوالي، فإنهما يثقان بأن ثمة شرا ما يجب التصدي له، شرا ناتجا عن السحر أو العين، وفي الحالتين فإنهما يعمدان إلى صياغة حلي مخصوصة لهذا الغرض، مكونة من أنواع معينة من الأحجار والخرز، منظومة في خيط بحيث يصير سوارا أو قلادة، علاوة على تعليق صرة صغيرة مخفية تحتوي أنواعا معينة من البخور مثل الجاوي وصالابان والحرمل، وهو اعتقاد بأنها تمائم محسوسة لها القوة نفسها التي لأحجبة الكتبة المتعاطين الرقى والتعازيم.

وفي منطقة الريف بمراكش يخلص وستر مارك إلى اعتماد النسوة قديما على ثلاثة رموز أساسية للوشم: الخميسة (أي الكف مفرودة أصابعها)، والصليب، والعين. هذه الأخيرة هي الأكثر تداولا، سواء على المشغولات الفخارية أو على الجدران الخارجية للمنازل (وذلك باستخدام الطبع بالأكف الملونة)، أو بشكل يد فضية تعلقها النسوة على الصدغين من جانبي جباههن أو على شكل حلق يتدلة من آذان الصبية[58].

ويمثل القلب الذي يخترقه السهم أشهر الوشوم العاطفية، حيث يدل على نوع من الوفاء، وحين تضعه العاهر تخلق نوعا من المفارقة: إذ أنى لهذا الجسد المباح للجميع -بحكم طبيعة عملها- أن يوازي قلبا مخصصا لرجل واحد؟ هل الوفاء والخيانة ذوا طبيعة عاطفية قلبية، أم حسية جسدية؟[59]

وعلى المستوى الخِلْقي، يعتبر الحمل وشما قيّماً كفيلا برد الاعتبار للمرأة من خلال الاعتناء بجسدها من قبل المحيطين بها ومحاولة ترضيتها بتحقيق مطالبها، خاصة ما تشتهيه بشكل فجائي خارج وقته المعلوم، وهو ما يعرف لدى النساء بالوحم، وثمة حكايا عديدة في هذا الباب، منها أن نساء اشتهين أكل فواكه ما مثلا، فلما لم يجدنها شعرن بالحاجة لحك مواضع ما من أجسامهم، لتكون النتيجة حمل الأبناء أثر الأطعمة المشتهاة موشومة على جلودهن، وتكتسي لونها وأحيانا شكلها، لذا تتجنب الأسر المخاطرة بتجاهل مطالب المرأة الحامل[60].

نخلص إلى القول إن الوشم رسم ناطق غالبا ما يكون قصدي الدلالة، وهو تموقف الجلد من شيء ما، وتحول من حالة الخرس إلى التعبير. صحيح أن الأشكال متشابهة بالنهاية مهما اختلفت، ومختلفة مهما تشابهت، لكن لا أحد بإمكانه إنكار قيمة التشابه والاختلاف ولا قيمة التقاطعات القائمة والمحتملة بينها. إن ما يجعل من الوشم علامة ما هو السياق الثقافي الذي يبتكر فيه أو يتم وضعه وتسويقه خلاله. ومثلما نصنع باللغة، بإمكاننا دوما توليد مصطلحات وشمية تصلح حديثا لكل حادث.

 

 

*طالب باحث بسلك الدكتوراه، تخصص البلاغة والخطاب، كلية الآداب والعلوم الإنسانية-المحمدية، جامعة الحسن الثاني، المغرب.

[1] حياة الصورة وموتها، تأليف: ريجيس دوبري، ترجمة: فريد الزاهي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء-المغرب، 2002، (د.ط)، ص55

[2] الأسس التخاطبية في الوشم: مقاربة لسانية، نرجس باديس، مجلة الثقافة الشعبية، السنة السادسة، العدد 23، خريف 2013، ص117

[3] نفسه، ص117

[4] مفهوم الجسد العاري من خلال أعمال الرسام النمساوي إيغون شيل، بحث ماجستير، المعهد العالي للعلوم الإنسانية، جامعة تونس المنار، إعداد: يسرى بلالي، إشراف: خالد البحري، موسم 2017/2018، ص46/48

[5] الإسم العربي الجريح، عبد الكبير الخطيبي، ترجمة: محمد بنيس، مطابع منشورات عكاظ، الرباط-المغرب، فبراير 2000، (د.ط)، ص64

[6] الأسس التخاطبية في الوشم: مقاربة لسانية، مذكور، ص123

[7] الجسد والجمال، جان ميزونوف وماريلو بروشون وشفايتزر، ترجمة: د. أنور مغيث، شركة الخدمات التعليمية، القاهرة، ط01، 2006، ص111

[8] فن الوشم.. رؤية أنثروبولوجية نفسية، د. بركات محمد بركات، مجلة الثقافة الشعبية، السنة الأولى، العدد 03، أكتوبر/ نوفمبر/ ديسمبر 2008، ص69

[9] قراءة الجسد في متحولاته الوشمية، إبراهيم محمود، مجلة الثقافة الشعبية، السنة الثانية، العدد 07، خريف 2009، ص55

[10] الوشم لدى قبائل افريقيا الوسطى: الذات والموضوع، حسين عباس، مجلة الثقافة الشعبية، السنة الرابعة، العدد 13، ربيع 2011، ص90/91

[11] سوسيولوجيا الجسد، دافيد لو بروتون، ترجمة: عياد أبلال وإدريس المحمدي، روافد للنشر والتوزيع، ط01، 2014، ص114

[12] نفسه، ص115

[13] الوشم: الرمز والمعنى، د. نور الهدى باديس، مجلة الثقافة الشعبية، السنة العاشرة، العدد 39، خريف 2017، ص149

[14] تجربة الألم بين التحطيم والانبعاث، دافيد لوبروطون، ترجمة: فريد الزاهي، دار توبقال للنشر، ط01، 2017، ص144

[15] الإسم العربي الجريح، مذكور، ص62

[16] سفر الخروج/الإصحاح الثالث عشر/ 8-9

[17] رؤيا يوحنا/الإصحاح السابع/ 1-4

[18] رؤيا يوحنا/ الإصحاح التاسع عشر/ 16

[19] صحيح البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بردربه البخاري، تخريج وضبط وتنسيق الحواشي: صدقي جميل العطار، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت- لبنان، 2016، رقم الحديث 2086/ج2

[20] نفسه، رقم الحديث 5933/ج4

 

[21] صحيح البخاري، مذكور، رقم الحديث 190/ج1، وأيضا 6352/ج4

[22] المراقبة والمعاقبة ولادة السجن، ميشيل فوكو، ترجمة: د. علي مقلد، مراجعة وتقديم: مطاع الصفدي، مركز الانماء القومي، بيروت- لبنان، 1990، ص 260/261

[23] رموز الوشم الشعبي: دراسة مقارنة، أحمد حسين علي محمد، القاهرة، الهيأة المصرية العامة للكتاب، 2012، ص147

[24] المراقبة والمعاقبة ولادة السجن، مذكور، ص 123

[25] نفسه، ص 53

[26] يمكن الاستدلال على هذه الحالات بالعنوانين التاليين: “روبورتاج: شباب نادمون على الوشم.. ما مصيرهم الآن؟” نشرته قناة le360، وذلك على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=h2ZF8eLxb14.

“سجين سابق دوزت اكتر من نصف عمري داخل السجون وبغيت نعيش بالحلال”، على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=Ca9Y1EpxjsU

[27] قراءة الجسد في متحولاته الوشمية، مذكور، ص64

[28] انظر الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=608p9565ew4

[29] ينظر فيديو “الوشم الناطق” على الرابط:  https://www.youtube.com/watch?v=pHElC6_43D4

[30] أصل الأشياء بدايات الثقافة الإنسانية- يوليوس ليبس- ترجمة: كامل إسماعيل- دار المدى للثقافة والنشر- دمشق- سورية- ط02- 2006- ص 36

[31] رموز الوشم الشعبي: دراسة مقارنة، مذكور، ص139

[32] أصل الأشياء بدايات الثقافة الإنسانية، مذكور، ص 38

[33] الوشم لدى قبائل افريقيا الوسطى: الذات والموضوع، مذكور، ص84

[34] رموز الوشم الشعبي: دراسة مقارنة، مذكور، ص74

[35] سوسيولوجيا الجسد، مذكور، ص114/115

[36] رموز الوشم الشعبي: دراسة مقارنة، مذكور، ص104

[37] طقوس العلاج الشعبي بالمغرب،  د. إدريس مقبوب، مجلة الثقافة الشعبية، السنة التاسعة، العدد 34، صيف 2016، ص111

[38] رموز الوشم الشعبي: دراسة مقارنة، مذكور، ص68/69

[39] نفسه، ص71

[40] نفسه، ص72

[41] نفسه، ص67

[42] نفسه، ص71

[43] فن الوشم.. رؤية أنثروبولوجية نفسية، مذكور، ص69

[44] نفسه، ص72/73

[45] الإسم العربي الجريح، مذكور، ص80

[46] الغرافيتيا أو الخربشات العربية على الحيطان (مقدمات في سوسيولوجيا الهامش والثورة)، د. أحمد شراك، روافد للنشر والتوزيع، ص95

[47] رموز الوشم الشعبي: دراسة مقارنة، مذكور، ص222

[48] نفسه، ص213

[49] westermarck.E, Survivances paiennes dans la civilisation Mahometane. Paris, Payot.1935.

[50] رموز الوشم الشعبي: دراسة مقارنة، مذكور، ص220

[51] نفسه، ص125

[52] فن الوشم.. رؤية أنثروبولوجية نفسية، مذكور، ص71

[53] الإسم العربي الجريح، مذكور، ص79

[54] نفسه، ص72

[55] الإسم العربي الجريح، مذكور، ص101/102

[56] نفسه، ص99

[57] رموز الوشم الشعبي: دراسة مقارنة، مذكور، ص139

[58] رموز الوشم الشعبي: دراسة مقارنة، مذكور، ص213

[59] الإسم العربي الجريح، مذكور، ص91

[60] الجسد الأنثوي وحلم التنمية: إنها امرأة تذوب-زينب معادي-نشر الفنك-الدار البيضاء-المغرب-2004-(د.ط)- ص 54

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *