الرئيسية / دراسات / بلاغة الخطاب الإقناعي عند الجاحظ سهام بلفقير

بلاغة الخطاب الإقناعي عند الجاحظ سهام بلفقير

بلاغة الخطاب الإقناعي عند الجاحظ سهام بلفقير

مقدمة

يحكم البلاغة العربية القديمة اتجاهين، الأول ارتبط بالبديع ومحاسن الكلام ليتطور فيما بعد بفعل الخصومات التي نشأت بين الشعراء حول ما هو بديع وما ليس ببديع، أما الاتجاه الثاني فقد ارتبط بالبيان والتبيين مع الجاحظ الذي سعى إلى بناء نظرية عامة تتحقق من خلالها عملية الفهم والإفهام بين السامع والمتكلم، بحيث انتبه الجاحظ” إلى أن اللغوي لا يستطيع مهما أوتي من معرفة أن يحاجج في مجال الإقناع حول المسائل الدينية ما لم يستعن بعلم الكلام  وعلم الكلام هو علم الحجاج العقلي في المجال الديني وهو مركز التأويل القادر على ردم الهوة بين مستويات الخطاب في الحقيقة والمجاز”[1].

ويرى العمري أن الجاحظ بذلك يمتد ” في المشروع والطموح إلى نظرية في المعرفة (استنباطا ومعالجة وتداولا)، ويتراجع في المنجز حسب مقتضيات اللحظة التاريخية معرفة ووظيفة إلى تقنية في التأثير والإقناع، في مسلسل التحول من الطموح إلى المتاح والعملي تدرج الجاحظ من كلمة بيان إلى كلمة بلاغة، ومن كلمة بلاغة إلى كلمة خطابة، ينتقل من الواحدة إلى الأخرى وكأنما يتحدث عن الشيء نفسه”[2].

المحور الأول: مفهوم البيان عند الجاحظ

يعرف الجاحظ البيان بقوله: ” البيان اسم جامع لكل شيء كشف لك قناع المعنى، وهتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته، ويهجم على محصوله كائنا ما كان ذلك البيان، ومن أي جنس كان الدليل لأن مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام فبأي شيء بلغت الإفهام وأوضحت عن المعنى، فذلك البيان في ذلك الموضع”[3].

من خلال هذا التعريف الموجز للبيان توصل الباحث حمادي صمود إلى نتيجة مفادها أن مفهوم البيان عند الجاحظ في كتابه البيان والتبيين لا يخضع لمعنى واحد بل يتسع ليشمل ما هو لغوي وما هو غير لغوي أو ما يطلق عليه بعلم العلامات[4].

 أولا: أنواع ومراتب الدلالات على المعاني

إن الغرض الأساسي الذي يسعى إليه الجاحظ في نظريته العامة هو بلوغ الفهم والإفهام لذلك قال أن “مدار الأمر والغاية التي إليها يجري القائل والسامع إنما هو الفهم والإفهام”[5] للكشف عن المعنى القائم في صدور الناس وذلك بكون البيان قد ارتبط في مراحله الأولى بالوظيفة التعبيرية بغرض الكشف عن ما تحتضنه المعاني من خفايا غير منجلية أمام السامع وذلك لأن “المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم والمتحلجة في نفوسهم والمتصلة بخواطرهم، والحادثة في فكرهم مستورة خفية وبعيدة وحشية ومحجربة مكنونة وموجودة في معنى معدومة، لا يعرف الانسان ضمير صاحبه، ولا حاجة أخيه وخليطه”[6]  فكان لا بد من هتك الحجاب عنها حتى يفضي السامع إلى المعنى الحقيقي ويتحقق لديه الفهم.

جعل الجاحظ الدلالات على المعاني أنواعا مختلفة، وقد ضبطت في خمسة دلالات  ومن ذلك قول الجاحظ: ” جميع أصناف الدلالات على المعاني من لفظ وغير لفظ خمسة أشياء لا تنقص ولا تزيد: أولها اللفظ، ثم الإشارة، ثم العقد، ثم الخط، ثم الحال التي تسمى نصبة والنصبة هي الحال الدالة التي تقوم مقام تلك الأصناف، ولا تقصر عن تلك الدلالات، ولكل واحد من هذه الخمسة صورة بائنة من صورة صاحبتها، وحلية مخالفة أختها؛ وهي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة، ثم عن حقائقها في التفسير وعن أجناسها وأقدارها، وعن خاصها وعامها، وعن طبقاتها في السار والضار، وعما يكون منها لغوا بهرجا وسقطا مطرحا”[7].

– الــدلالـــــة باللـفــظ: حيث أخص الله عز وجل الإنسان بهذه الخاصية الإنسانية التي يمتاز بها عن غيره من الكائنات الأخرى، فجعل اللفظ مقياسا لقياس مدى قدرته على الكلام والتعبير عن مراده وعن حاجياته والإبانة عن نفسه ليقرن البيان باللفظ بالبصر ويجعله نتاجا للعلم.

– الـــدلالـــة بــالإشــارة: لقد انتقل الجاحظ من العلامة اللغوية وهي اللفظ إلى العلامة غير اللغوية وهي الإشارة التي يتم التعبير عنها بوسائل غير لغوية مثل اليد أو الرأس ومن ذلك قول الجاحظ ” فأما الإشارة فباليد وبالرأس وبالعين والحاجب المنكب إذا تباعد الشخصان وبالثوب وبالسيف، وقد يتهدد رافع السيف أو السوط فيكون ذلك زاجرا ومانعا رادعا ويكون وعيدا وتحديرا”[8].

ولقد قدم الجاحظ في هذا الصدد مجموعة من الأبيات الشعرية التي تتضمن هذه العلامة غير اللغوية وضمنها في كتابه البيان والتبيين ومن ذلك قول الشاعر[9]:

 

أشارت بطرف العين خيفة أهلها           إشـارة مذعــور ولـم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا         وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم
وقد أشار الجاحظ في هذا الصدد إلى أن الإشارة تستطيع أن تنوب عن اللفظ في الدلالة عليه ذلك لأن ” الإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له ونعم الترجمان هي عنه، وما أكثر ما تنوب عن اللفظ وما تغني عن الخط… ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص”[10].

– الــدلالـــة بـــالخــط: والمقصود بها الكتابة، أي كتابة ما يتم التلفظ به حتى لا يضيع أثره لأن التلفظ دون الكتابة يؤدي إلى الضياع وبالتالي ضرورة استعمال القلم لتخليد كل ما يتم التلفظ به.

– الـــدلالــة بــالعقد: ربط الجاحظ دلالة العقد بالحساب “فلولا معرفة العباد بمعنى الحساب في الدنيا لما فهموا عن الله- عز وجل- معنى الحساب في الآخرة، وفي عدم اللفظ، وفساد الخط والجهل بالعقد فساد جل النعم، وفقدان جمهور المنافع، واختلال كل ما جعله الله – عز وجل- لنا قواما ومصلحة ونظاما”[11].

– الدلالة بالنصبة أو الحال: ويعرفها الجاحظ في كتابه ” البيان والتبيين” بأنها ” هي الحال الناطقة بغير اللفظ والمشيرة بغير اليد، وذلك ظاهر في خلق السماوات والأرض، وفي كل صامت وناطق، وجامد ونام، ومقيم وظاعن، وزائد وناقص، فالدلالة في الموات الجامد كالدلالة التي في الحيوان الناطق، فالصامت ناطق من جهة الدلالة، والعجماء معربة من جهة البرهان “[12].

ثانيا: العلامة اللغوية

تعتبر اللغة من أشد الوسائل التي يعتمدها المتكلم في التعبير عن حاجياته وأغراضه لهذا ربط الجاحظ البيان باللغة، وقد “حاول حمادي صمود” ضبط هذا المفهوم عبر مراحل نذكر منها:

المرحلة الأولى: في هذه المرحلة يقترن البيان باللغة على اعتبار أنها ليست إلا وسيلة من الوسائل وليس في السياق ما يشير إلى تفردها وتميزها عنها وكثيرا ما تظهر في جوارها وسائل التعبير الأخرى…”[13]، فالجاحظ يقول:

” وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان”[14].

المرحلة الثانية: أما في هذه المرحلة فيدل المصطلح على قدرة الإنسان على توظيف اللغة اجتماعيا لتحقيق التواصل بينه وبين جنسه والإبانة عن حاجته.

المرحلة الثالثة: حيث جاءت كلمة بيان في ” جوار لغوي ذي طابع معياري تقييمي تصبح بمقتضاه وظيفة البيان في حاجة إلى مستوى لغوي تتوفر فيه خصائص نوعية تخرجه عن جاري الاستعمال إلى البلاغة والفن، إلا أن تلك الخصائص ليست صريحة، يستشفها القارئ من السياق اللغوي نفسه…”[15].

المرحلة الرابعة: في هذه المرحلة يرى حمادي صمود أن البيان إذا كان قد ارتبط في المرحلة الأولى والثانية بمحاولة الكشف عن المعنى فإنه قد انتقل في هذه المرحلة إلى الكيفية التي يتم بها بلوغ تلك الغاية على نحو يجعل الخطاب معطى حضوريا قائما بذاته”[16].

المحور الثاني: مكونات الخطاب الإقناعي عند الجاحظ

يجب أن يتمتع المتكلم بمجموعة من الآليات حتى يكون قادرا على الإبانة عن نفسه ولكي يشتد أثره أكثر كان لا بد من خضوعه لمجموعة من الضوابط التي تمكنه من ولوج الغاية الأساس التي يسعى إليها في خطابه والمتمثلة أساسا في الفهم والإفهام، وهذه الآليات يمكننا حصرها في مكونين اثنين وهما المقام والإبانة.

أولا: مقتضيات الإبانة

يقول حمادي صمود في هذا الصدد: “رأينا أن أشد مفاهيم “البيان” اتصالا بمشاغل الجاحظ ما بلغ به المتكلم إفهام حاجته “على مجاري كلام العرب الفصحاء” وبذلك يخلق ضرب من التعادل بين غايات القول وطرق بلوغها، ويغدو الحرص على إتقان الوسائل لا يقل شأنا من الحرص على تحقيق الوظيفة لا سيما أن هذه الأخيرة يمكن أن تتم من سبيل العادة وطول المخالطة والأخذ على الفاسد من الكلام فيتيسر الفهم باللكنة والخطأ والإغلاق واللحن”[17].

يتبين من خلال هذا النص أن الجاحظ قد بحث في سبل إخراج الكلام بشكل فصيح وبليغ يترك أثرا أشد لدى السامع، مع الحرص على إتقانها لتحقيق الفهم والإفهام عن طريق المخالطة والأخذ على الفاسد من الكلام.

إن للبيان حسب الجاحظ مجموعة من المقتضيات التي يجب أن تتوفر في كل خطابة وجعلها شرطا أساسيا يجب أن تتوفر فيمن يتصدر لهذا الموقف أو لهذه المنزلة ومن ضمنها ما رواه الجاحظ عن أحد العلماء بالبلاغة والخطابة:

” رأس الخطابة الطبع وعمودها الدربة وجناحاها رواية الكلام وحليها الإعراب وبهاؤها تخير الألفاظ”[18].

كما سعى الجاحظ إلى ضبط مجموعة من الصفات الصوتية التي يجب أن تتوفر في الخطيب أثناء إلقائه للخطاب ومن ضمنها البلاغة والجهارة ثم الفخامة والحلاوة وجودة اللهجة والطلاوة وهذه الصفات قد أوردها الجاحظ في كتابه البيان والتبيين حيث قال: ” وكان سهل ابن هارون شديد الإطناب في وصف المأمون بالبلاغة والجهارة، وبالحلاوة والفخامة، وجودة اللهجة والطلاوة”[19].

ثانيا: مقتضيات المقام

ارتبطت البلاغة بالحجة، حيث يقول بعض أهل الهند نقلا عن الجاحظ: ” جماع البلاغة البصر بالحجة، والمعرفة بمواضع الفرصة”[20] وذلك لأن ” جماع البلاغة التماس حسن الموقع والمعرفة بساعات القول، وقلة الخرق بما التبس من المعاني أو غمض، وبما شرد عليك من اللفظ أو تعذر”[21] حيث يجب على الناطق بالحجة أن يلتمس الموقع المناسب وأن تكون له معرفة سابقة بساعات القول ثم يختار بعد ذلك اللفظ والمعنى المناسب لذلك المقام ليتحقق بذلك الفهم.

أعطى الجاحظ للمقام أهمية كبيرة وشريفة، لكونه يشكل مقوما أساسيا ضمن كل خطاب فلا خطاب دون مقام عند الجاحظ حيث ” ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما ولكل حالة من ذلك مقاما، حتى يقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات”[22].

لذا فالمقام من الضوابط الضرورية الواجب مراعاتها في كل خطاب بحيث يجب على المتكلم أن يراعي المقامات، ويوازن بين أقدار المعاني وأقدار وأحوال المستمعين، من أجل أن يحقق المتكلم المنفعة ويتوصل المخاطب بالمعنى، فتتحقق بذلك بلاغة الخطاب الإقناعي فتفهم العامة معاني الخاصة من خلال تخير الألفاظ والمعاني الشريفة والابتعاد عن كل ما هو معقد غير ظاهر وذلك لأن “مدار الشرف على الصواب وإحراز المنفعة مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال، وكذلك اللفظ العامي والخاصي فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك على نفسك، إلى أن تفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء، فأنت البليغ التام”[23]. وذلك حتى “لا يؤتى السامع من سوء إفهام الناطق، ولا يؤتى الناطق من سوء فهم السامع”.[24]

خاتمة

هكذا فالجاحظ قد سعى إلى تأسيس مشروع بلاغي قوامه الإقناع، جاعلا لهذه النظرية مقومات وضوابط أساسية مؤسسة لها، حيث تساعد المتكلم على ضبط خطابه بشكل يجعله قادرا على إيصال المعنى المراد إلى المخاطب وإقناعه به، فكلما كان المتكلم حريصا ومراعيا لمقتضيات المقام كلما استطاع الإبانة عن نفسه ووصل لمراده وهو تحقيق المنفعة وإفهام المخاطب.

 

لائحة المصادر والمراجع

  • الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق وشرح عبد السلام هارون، بيروت، ج1، ط4.
  • صمود حمادي، التفكير البلاغي عند العرب أسسه وتطوره إلى القرن السادس، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط3، 2010.
  • العمري محمد، البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول، أفريقيا الشرق-المغرب ط2، 2012.

[1] – محمد العمري، البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول، ط2، أفريقيا الشرق_ المغرب، 29

[2] – المرجع نفسه، ص 39

[3] –  الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، ج1، دار الفكر، ط4، بيروت، (د.ت) ، ص76

[4] – حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب أسسه وتطوره إلى القرن السادس، دار الكتاب الجديد المتحدة 2010

ط3 ص143.

[5] – المرجع نفسه، ص 76

[6] – الجاحظ، البيان والتبيين، م.سا، ص 75.

[7] –  المرجع نفسه، ص 76

[8] – المرجع نفسه، ص 77

[9] –  نقلا عن الجاحظ، البيان والتبيين، م.سا، ص 78.

[10] –  المرجع نفسه، ص 78

[11] – الجاحظ، البيان والتبيين، م.سا، ص 80

[12] – المرجع نفسه، ص 81.

[13] – حمادي صمود، التفكير البلاغي عند العرب، م.سا، ص 149.

[14] – البيان والتبيين، م.سا، ص79.

[15] – حمادي صمود، م.سا، ص 151.

[16] – المرجع نفسه، ص154.

[17] – البيان والتبيين، م.سا، ص 199.

[18] –  المرجع نفسه، ص 44.

[19] – المرجع نفسه، ص 91.

[20] – المرجع نفسه، ص 88.

[21] – المرجع نفسه، ص 88.

[22] – البيان والتبيين، م.سا، ص 138/139.

[23] –  المرجع نفسه، ص 136.

[24] – نقلا عن الجاحظ، المرجع نفسه ص 87.

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *