الرئيسية / ملف الزجل / بنية التجريب في ديوان « للحلمَه وترَه سادسَه»للزجال المغربي يونس تهوش –  سليمان حجاجي

بنية التجريب في ديوان « للحلمَه وترَه سادسَه»للزجال المغربي يونس تهوش –  سليمان حجاجي

1.فرش نظري:
1.1 الزجل الشفهي:
يعد الزجل لونا تعبيريا قديما ضاربا في جذور الثقافة العربية عامة والمغربية على وجه الخصوص، لهذا يرى بعض الباحثين أنه «يكاد يُقدم نشأة الزجل على نشأة الفنون الأخرى، مخالفا بذلك من قالوا إنه نشأ في عهد الملثمين على يد أبي بكر بن قزمان بالأندلس، وأنه كان تفريعا على الموشحات»(1)، فهو ملازم للإنسان أينما كان، فقد يظهر في أهازيج وأغاني تتناقلها الشعوب مشافهة خلفا عن سلف، ولعل هذا ما جعل من الزجل فنا مرتبطا ارتباطا كبيرا بالثقافة الشعبية، ولهذا فقد أدرج الزجل، بحسب الكثير من الدراسات، ضمن الأدب الشعبي الشفوي، لذا فإن نصوصا عدة ضمنه كانت وما تزال تُـنشد مرفقةً بإيقاعات الموسيقى أو بالرقص أو بالغناء، ومنها ما كان ينشد ضمن مجموعة من الطقوس الدينية أو الشعائر الروحية أو المناسبات المختلفة المعدة لهذا الهدف أو ذاك… فعده فنا شفهيا يمثل أحد مقوماته الرئيسة، فقد ظل الزجالون يبدعونه، وتتناقله الألسن، وهناك من الأزجال ما ضلت شفهية لم تدون وهناك أخرى كانت شفهية فكتب لها الله من دونها مثل كثير من قصائد الملحون وأزجال عبد الرحمان المجدوب(2 ). يُعرَّف الزجل، انطلاقا من ذلك، بوصفه شعرا عاميا، وبذلك فهو يتميز عن الشعر المكتوب باللغة العربية الفصحى، ففيه يتم التعبير باستعمال اللغة العامية أو الدارجة، لكن هذا التميز ليس قاصرا على هذا الجانب فقط، وإنما أيضا نابع من وجود مجموعة من التقاليد والقواعد والأنواع التي تجعل منه مختلفا عن الشعر الفصيح، وبعبارة أوضح فالزجل لا ينحصر الاختلاف بينه وبين الشعر الفصيح بواسطة اللغة المستخدمة في التعبير، فقط. بل نلفي اختلافات جوهرية على مستويات متعددة) المواضيع والقضايا والأساليب والإيقاعات…(، وهذا مرده إلى كونه فنا قوليا قريبا من المعيش اليومي للإنسان، بما يتضمنه من معاناة وآمال وتطلعات، يحاول الزجال التعبير عنها عبر تصويرها باللغة العامية المتداولة في الحياة اليومية، وبمسحة فنية تمنح هذا النمط من التعبير خصوصيته وتفرده وقدرته على التأثير العميق في النفوس الإنسانية. وعموما فالنصوص الزجالية كثيرة ومتعددة يصعب الإحاطة بها والإلمام بها جميعا لأن ديوانها التاريخي الضخم جدا؛
والذي قال عنه ابن سناء الملك «منها ما هو الكثير والجم الغفير والعدد الذي لا ينحصر والشارد الذي لا ينضبط.. فهذه الأزجال ما لها عروض إلا التلحين، ولا ضرب إلا الضرب، فباللحن يعرف الموزون من المكسور والسالم من المزحوف»(3).
2.1 الزجل المكتوب:
هذا النوع من الزجل هو الزجل الذي عَرف، بداية، طريقه إلى التدوين، وفي مرحلة لاحقة الطبع والنشر ليصل نهاية إلى أيدي القراء، وهو بالإضافة إلى ذلك نمط من الزجل حديث النشأة، فقد ظهر في الثقافة المغربية في حقبة السبعينيات من القرن العشرين، وهذا يعني أن تاريخه لا يتجاوز الخمسة عقود وهي فترة قصيرة نسبيا في عمر الفنون، ويمكننا تصنيفه إلى صنفين مهمين هما؛ صنف تم تدوينه من أجل الغناء أساسا، ونمثل له بمجموعة من أزجال الزجالين المغاربة من قبيل الطيب لعلج، وعلي الحداني وأيضا مجموعة من أزجال التجربة الغيوانية المغربية التي كتبت أزجالها لتغنى فصارت تجربة فريدة من نوعها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وصنف آخر تمت كتابته ليوجه للقراء.
سنركز أنظارنا في هذه القراءة على الصنف الثاني، أي: الزجل الذي كتب ليقرأ، بوصفه شعرا لأن الشعر عندنا شعر سواء أكان مكتوبا بالفصحى أم بالعامية؛ فإضافة إلى كونه تجسيدا لما يخالج النفس من أحاسيس وتصويرا لما ينتابها من مشاعر فياضة قبل أن ينبس بها اللسان( 4)، فهو مكون فني أنتج ضمن نسق من التراكمات التصورية والمعرفية والمنهجية التي يتضمنها النسيج النقدي والتحليلي والذي انصب اهتمامه على كل صيغ الشعر وأنواعه. كما أنه محاط برؤيا تبرر وجوده، وتضمن تجدده واستمراريته، ومع ذلك فالزجل ذو خصوصيات تضمن فرادته، إذ إنه من الطبيعي «أن هذا الأدب وهو يتحول من بنية شفوية إلى بنية كتابية، أن يتحول من مجراه الأصلي إلى مجرىً ثانٍ غيَّر بعض الشيء من محتواه»(5 ).
وتجب الإشارة هنا أن من أبرز أعلام هذا الصنف إدريس أمغار مسناوي وأحمد لمسيح وإدريس الزاوي وإدريس فكري وإدريس الكرش وإدريس بلعطار وأحمد دحمون وأحمد زرمون ومحمد الباكي ومحمد مومر ومحمد موثنا وشكيب اليوبي وامحمد الزروالي ولحسن باديس وفؤاد شردودي ويوسف الموساوي ورضوان حجاج
والميلودي العياشي وعبد الرحمان الجباري وتوفيق العمراني وعبد الرحيم باطما، وفاطمة قاسمي ومراد القادري وأسية واردة ونهاد بنعكيدة وفاطمة شبشوب والزهراء الزرييق ومحمد الراشق وعزيز محمد بنسعد، وأيضا كوكبة من الزجالين الشباب ومنهم؛ يونس تهوش هذا الزجال المغربي الواعد الذي في محصلته هذا الديوان المدروس وديوانيين آخرين هما قيد النشر في دولة الجزائر.
3.1 التجريب:
جرت العادة على توظيف مصطلح التجريب، في التداول الإبداعي والنقدي العربي والعالمي، بوصفه مشروع رؤية فنية تحث الكاتب أولا، والقارئ ثانيا، على خوض غمار المغامرة والاجتهاد وعدم التسليم بما هو جاهز وقبلي من الرؤى والأشكال وأصناف التعبير. وهو المصطلح الذي عرف شيوعا كبيرا منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي بشكل مميز في البيئة المغربية، لكن قلما يتم الالتفات إلى تنوع الاستشرافات التي يوحي بها، وكذلك الانتباه إلى مختلف الاشتراطات التي تساعده على توشيج علاقاته المختلفة بالأجناس التي يحيا ضمنها. مما أغرق هذا المصطلح في نوع من الالتباس في الكثير من الأوقات.
يعد التجريب إذن، صفة أساس ترتبط بالإبداع الحقيقي، وعلامة فاصلة تحدد الفرق بين المبدعين الذين يضعون نصب أعينهم العدول والانزياح عن الأشكال والانتظارات التي تم تكريسها سابقا، بشكل دائم ومستمر، وغيرهم من المبدعين. إنه، بعبارة أخرى، يشكل حدا فاصلا بين المبدع الذي يبدع من داخل المعيار الذي وضعت حدوده سالفا، والمبدع الذي يطمح إلى تخطي هذه الحدود والقفز عليها باستمرار بغية تشييد عوالم أخرى خارج هذا المعيار.
وبما أن حديثنا عن الشعر/ الزجل، فنورد التعريف الذي قدمه الشاعر/الناقد محمد السرغيني للتجريب حيث يرى أن: «التجريب أساسا هو أن يخرج المجرب عن حدود القاعدة المشاعة انطلاقا منها (…) هو أن ينطلق الشاعر من القاعدة العامة المألوفة. التجريب هو محاولة تجاوز القواعد السائدة انطلاقا من هذه القواعد نفسها (…) التجريب هو محاولة للخروج من الدوران في الفراغ، خاصة بعد أن أحس الشعراء بأن العصر هو عصر الرواية وليس عصر الشعر. لذلك يجب أن تضبط مواصفاته على كل المستويات (…) والتجريب الذي يمكن أن يصبح قاعدة هو الذي يكون مصحوبا بقناعة ذاتية« (6 ).
ومن خلال هذا التعريف الذي صاغه شاعر وناقد عليم بخفايا العملية الإبداعية، يتبين لنا مدى النضج الذي وصل إليه الوعي بالتجريب مفهوما وممارسة، كما ينبغي الإيضاح هنا أن التجريب الذي نقصده هو التجريب المبني والمؤسس على خلفيات معرفية ورؤى فكرية جلية، وليس الخروج عن النموذج السائد شعريا ومخالفة الذوق الفني العام لا غير. كما تجب الإشارة أيضا أن المنجز الشعري العربي، قد عرف طيلة مساره محاولات عدة للخروج عن السائد والنمط الفني المتعارف عليه، بدءا بنصوص شعر الشعراء الصعاليك، إلى النصوص الخمرية عند أبي نواس، إضافة إلى نصوص الموشحات، وصولا إلى نصوص التفعيلة وقصيدة النثر.. وفي كل مرحلة تدور رحى الصراع، فيظهر أنصار للقديم المألوف وأنصار للحداثة والتجريب.
يحمل إذن الشاعر/المُجَرّب، سواء أكان شاعرا بالفصحى أو بالعامية، هم التجديد وخوض غمار التجريب، والوصول إلى أماكن لم يصلها أحد، وإضاءة زوايا معتمة لم ينتبه إليها أحد، وصقل تجربته باستمرار، ولعل يونس تهوش من هؤلاء الذين أعلنوا التمرد على النموذج أولا من خلال ركوب خطر التعبير بالعامية المغربية بدل العربية الفصحى وتجريب أشكال مختلفة من أنماط التعبير شكلا ومضمونا ثانيا.
2.التجريب في ديوان « للحلمَه وترَه سادسَه «:
يقع ديوان» للحلمَه وترَه سادسَه» للزجال المغربي «يونس تهوش» في ستين) 60( صفحة من الحجم المتوسط، ويضم بين دفتيه خمس قصائد) زهرة الاحلام، عاطفة الزهر، حتى يتوحّمنا السحاب، للحلمة وترة سادسة، عين الشمس (وهو بالمناسبة التجربة الأولى لهذا الزجال في الكتابة الزجلية، وقد صدر عن المطبعة السريعة بالقنيطرة، وقد أبدع لوحة غلافه الفنان التشكيلي فؤاد شردودي، وتم تدبيجه بتقديم من الشاعر/ الزجال إدريس أمغار مسناوي، وعنونه بـ» الزجال يونس تهوش الحالم المتحدي» ، حيث قدم للديوان فأعطى فكرة عن مضمونه واتجاهاته وأغراضه… وأوضح أن تجربة الزجال تجربة واعدة تستحق أن تقرأ، وأكد أن التجريب ملمح رئيس من ملامح التجربة الزجلية ليونس تهوش، على اعتبار أن هذا الزجال ينطلق من سؤال البحث عن موقع خاص في التراكم الحاصل في هذا الفن، أي من الشغف الدائم بالبحث عن التميّز ومن النفور الجلي من التطابق مع تجارب الآخرين، كما أنه سؤال طموح يجعل التجريب عنده تجربة غنية غير قابلة للتكرار، كأنه يمثل بصمة خاصة تحيل على هذا المبدع الشاب وتميزه عن غيره وفي ذلك يقول إدريس أمغار مسناوي «يونس تايستلهم التجربًه من رحم التراث المحلي والعالمي باش يمنحنا ـــ هذا المبدع الكريم ــــ قصيدة عالِمَه، لأن لكتابَه ف سفره السندبادي تجريب؛ والتجريب داخل له الزجال بوعي وبثقة عاليَه من أن لا تجديد بدون مغامرَه، ولا مغامرَه حقيقيَه بعيدة على التجريب… ف هذ الديوان يونس مغامر حقيقي تا يعمل بكل انفعاله ووعيه الزجلي على ابتكار الجديد انطلاقا من اللغه، من الفكره، من الصورة وصولا للشكل« (7 ).
يتضح انطلاقا من القراءة الفاحصة للديوان هذا الشاعر/ الزجال أنه ديوان متنــــــــــوع وغني بتجارب شعرية مختلفة، يقول مسناوي: «يونس ف ديوانه… تايمنحنا نسيج زجلي متكامل، مــــــطروز ب 5 ذ القصايد، كــــــل قصيده تنسيك ف اختها« (8 )، مما يؤكد أن تجربته الشعرية تنم عن وعي شعري جلي بأفق الكتابة في تمظهراتها المختلفة، وإذا كان اختيار تهوش للغة العامية المغربية وسيلة مهمة للتعبير الشعري، اختيارا واعيا؛ فلتأكيد أن لهذه اللغة قدرة على زرع الدهشة وخرق أفق التلقي باستمرار وترك الأثر البالغ في نفوس المتلقين، فهي لغة تزاوج بين مستويين مهمين؛ الأول يتمثل في اقترابها من لغة المعيش اليومي، أما الثاني فكونها لغة تستثمر المجاز والتشبيه وصنوف الانزياح المختلفة.
لقد تنوعت نصوص يونس تهوش حسب اختلاف السياقات التي أُبدعت فيها من ناحية، وحسب الخلفيات الشعرية والمعرفية التي انطلق منها في كتابة هذه النصوص، من ناحية ثانية، فضمن كل متن من متون الديوان الشعري إشارة بادية أو خفية للموضوع الذي يشغل ذهنه، وبالتالي انعكاس لمدى انفعالاته وتفاعلاته مع الآخر المماثل ثقافيا أو المختلف عنه. كما نؤكد ثانيا أن أهمية المنجز الشعري لدى تهوش تأتي فيما يحفل به هذا المنجز المتحقق من تفرد شعري يحمل في ثناياه مساحات تجريبية ذات أبعاد وخصوصيات مختلفة. وتبعـا لذلك، فقد تعددت مواضيـع ديوان» للحلمَه وترَه سادسَه» وتنوعت، وتراوحت نصوصه بين الطول والقصر النسبي.
تطلع إطلالة سريعة، في مجمل العناوين التي انتخبها تهوش لنصوصه الشعرية، القارئ على نوعية المواضيع التي حركت وجدانه وجعلت قريحته تجود زجلا رائقا، كما شكلت مجالا خصبا مترعا لتجسيد الأفق الشعري الذي حاول رسمه. وهذه العناوين هي:) زهرة الاحلام، عاطفة الزهر، حتى يتوحّمنا السحاب، للحلمة وترة سادسة، عين الشمس) حيث إن كل عنوان على حدة يوحي بدلالات متعددة ويحيل ضرورة إلى الإطار التاريخي والأدبي والرمزي الذي أنتج ضمنه.
ستركز هذه القراءة على قصيدة واحدة من هذا الديوان لعلنا نكون موفقين في رصد بعض جوانب التجريب فيها، وهذا لا يلغي وجود هذه السمة في القصائد الأخرى، وهي قصيدة «حتى يتوحّمنا السحاب» والتي تعد واسطة العقد بالنسبة لهذا الديوان فهي ثالثة القصائد الخمسة، وقد كتبت في سنة 2012 بين مدينتين مغربيتين هما؛ مدينتا فاس وورززات، حيث وظف فيها الشاعر شخصية السندباد الذي وجد فيها أنموذجاً ثريا ومعبِّرا عن مغامرته الفكرية والوجودية فاتخذها قناعاً رمزيا في هذه القصيدة المذكورة. وقد قدم في المقطع الأول من القصيدة ــــــ المكونة من خمسة مقاطع ـــــــ مشهد السندباد الحالم بنفسه في جزيرة الأحلام، حينذاك تبدأ مغامرة السفر الممتع سفر الكتابة والإبداع، فعبر عن القصائد التي نسجها سندباد/الشاعر بلفظ «ريام «وهي جمع ريم والتي تعني الغزالة الجميلة، ويستحضر الشاعر بعد هذا رمزا تاريخيا دينيا وهو معجزة «عصا موسى «عصا موسى التي يمكن أن نجعلها معادلا في هذه القصيدة للموهبة الشعرية التي يمتلكها الزجال، والتي يراها قادرة على تعبيد الطريق نحو التعبير عما يجول في فكره من رؤى وأفكار يقول الشاعر: (9 )
تشهّاتني رياح الاحلام
سندباد ف جزيرة الكلام
درت مع افكاري ريام
وشقيت ب عصا موسى
طريق ف عين الطريق
ف مخ بحري
لقيت رؤيات تتلاطم
منامات تتلاحم
وأنا نتْناغم مع فكري
تستمر، في المقطع الثاني، رحلة السندباد المعاصر فيستسلم لهذا العشق الذي يمثل الوجود الحقيقي للسندباد /الشاعر، ويستدعي رمزين دينيين هما «يوسف «و «نوح «عليهما السلام، فالرمز الأول يمثل الإغراء الذي تشكله الكتابة والإبداع، والتي تحتاج إلى صبر وجلد يماثل صبر النبي «نوح « في دعوة قومه للإيمان والتي دامت حسب بعض الروايات تسعمائة وخمسين سنة، مما يؤكد أن الشاعر واع تماما بما سيلاقيه في طريقه من صعوبات، فطريق الإبداع ليست مفروشة بالورود، كما أنه يستمر في التجريب ويستعير رمزا تاريخيا آخر مختلف عن الرمزين السابقين، وهو رمز «ابن بطوطة «الذي يحيل على حب الرحلة والارتحال، والشوق إلى معانقة المجهول، لعل هذا الرحالة الذي جاب الأمصار وجال في الأقطار أن يعين السندباد /الشاعر في سفره الشاق ويبدي له بعض معالم الطريق المفعمة بالاحتمالات المتعددة، هذه الاحتمالات التي يرى فيها السندباد /الشاعر لذة ومتعة لا نظير لها، يقول الشاعر: ( 10)
ف خاطر الرؤيا
سلمت ب نبوءة يوسف
قبلتْ هدية نوح
طالعت ابن بطوطة على سري
وبدا(ء) خطْوي يتهجّى أبجِد سفري
لقيت:
حلاوة السْفر ف الأعماق
بنّة الغوص إشراق
شهوة العبارة تضياق
كل ما الرّيح تجْري
يوظف السندباد /الشاعر، في المقطع الثالث، بنية المثل الشعبي «الغايب حجتو معه» توظيفا تحويريا في قوله «المسافر حاجته معه «( 11)، ليمنحه معاني أخرى توافق تجربته الشعرية، ويعلن أن السفر عند الناس أنواع ومع ذلك يرى أن السفر عنده لن تكتمل جدواه إلا بشراع يراه وجوديا وهو شراع الزجل، الذي يمتلك إمكانيات تعبيرية وجمالية تجعل السندباد /الشاعر يجد فيه كينونته الضائعة، فتصير الكتابة عنده تمثل الحياة، وذوبانا في آفاق رحبة، يقول الشاعر: ( 12)
المسافر حاجتُه معه
وأنا حاجْتي فْ نظري
السفر ڤالوا انْواع
والزّجل شراع
وانَا على شطْ الإبداع نوهّج بدْري
نتسلق القوس نقوزَح زهْري
نذُوق ملْحة الحياة
ف رمشَه نَتْنَعْنَعْ
نذُوب فْ رمشات
و فْ موجَه نملّح طيني
ويستمر السندباد /الشاعر، في المقطع نفسه، في إعلان أن الكتابة ستخلص نفسه من حالة الجمود، وستحيي في نفسه القيم التي عرفت الذبول والاضمحلال، ويوظف رمزا مغربيا خالصا وهو «لالة عيشة البحرية»( )، بوصفها رمزا للخصوبة، هذه الخصوبة التي يأمل الشاعر أن تظل موجودة فيما يكتبه وما يبدعه، بل إنه نجح في ربط هذا الرمز بالموروث الزجلي الصوفي حين يستحضر قول الزجال الذي يقول:
يا محمـد أي سيدي ..
صلى الله عليك لـبـدا
أحسن ما يقال عنـدي ..
بـسـم الله وبيك نـبدا
حبك في سلطان جسدي ..
ما عزك يا عين وحـدة
قدر النحلة كي تســدي ..
تبني شهدة فوق شهـدة
يقول الشاعر: (14 )
نڤول شجرَه كنتْ ذابله كنتْ
ودبا البحريَه عويشَه تسْقيني
شهدَه بعد شهدَه
ولمّا تنبثْ الكتابَه ورْدَه
نتّهرق عليها ندى
حتى نفيضُوا خميرَه وحدَه
ولعل الشاعر في هذا الربط غير المألوف بين مكونات تنتمي إلى مجالات مختلفة يكون قد وحّد رؤيته لمفهوم الكتابة الإبداعية التي تروم تجميع الشتات للتعبير عن الوحدة، ومن المكونات الأخرى التي وظفها الشاعر في هذه القصيدة أيضا أسطورة من أساطير حضارة المايا، لينقل القارئ إلى أفق جديد مختلف عن الأفقين السابقين، لكنه في المقابل مرتبط بهما؛ حيث إن توظيف الشاعر لهذه الأسطورة جاء ليبين كيف يتصور الشاعر مفهوم الكتابة ومفعولها السحري، فيغدو الزجل معادلا للحياة والجمال، هذه الحياة التي تصير امتدادا لحكايات ألف ليلة وليلة، بما تمثله من ضـــــــروب المتعــــــــة وصنوف الملذات، ولعــــــل أهم هذه المتع هــــــي متعة السفر اللامتناهي «سبع سفرات «(15)، مع ما يحيل عليه الرقم سبعة من دلالات في الثقافة العربية منها ــــ الدلالة التي أشرنا إليها ـــــ والذي يعززه بقوله «سبع حلمات تجمّل قدري«( 16)، هذا القَدَر الذي جعل الشاعر يعيش حلولا مزدوجا ـــــ بمفهوم المتصوفة ــــــ فصارت الكتابة ذات الشاعر والشاعر ذات الكتابة، إنه نوع من الحلول يرَّقي هذه الذات في مراقي الخلود والأبدية، كما خُلِّدت حكايات ألف ليلة وليلة يقول الشاعر«تحكينا شهرزاد حكايَه«(17 )، هذه الحكاية التي هي عبارة عن حوار جرى بين شهرزاد وشهريار حول الشاعر والشعر(الكتابة)، هذا الحوار الذي تُستحضر فيه شخصية بصمت الزجل المغربي ببصمتها الخاصة وهي شخصية محمد شهرمان، هذه الشخصية التي منحها الزجال تهوش نفسا جديدا تمثل في كونه صار المحل الأوحد للجمال بوصفه رمزا من رموز الزجل، حتى صار مطمعا لكل النساء وعلى رأسهم «تاليا» التي تريد الرقص معه، والأميرة «ديانا» التي ترغب أن تنسج معه علاقة غرامية مثل غرامياتها السابقة، أما «بيكاسوس» فتذيقه من «الدلع» صنوفا، بل إن «فينوس» تهيم به فتكشف له كل الأسرار، وبعد كل هذا تستمر شهرزاد في القول إن الكتابة تتنوع لذّاتها وتُقِر أنها ستظل على الدوام مغامرة، كما يعلن الشاعر أنه في الحالات جميعها سيظل مؤمنا بالكتابة بوصفها السبيل للتغيير، وأن الحداثة ليست قطيعة مع التراث وإنما إحياء له بأشكال مختلفة ومتنوعة، يقول الشاعر: (18 )
الحَداثَه تزِيد فْ عمر ألف ليلَه وليلَه
اللي ڤال التراث أوهام خانتُه الحِيلَه
والسندباد يا لَلاَّ طريقُه طويلَه
طوويلَه… طووويلَه…
يُسْتشف من هذا المقطع الزجلي طبيعة تصور الشاعر للتجريب فالتجريب والحداثة عنده ليستا إعلانا للقطيعة مع التراث المحلي أو العالمي وإنما إحياء له، بل إن الشاعر/ السندباد سيضل في رحلة بحث دائم عن خبايا هذا التراث وإظهاره في صور حداثية جديدة، وعموما فهذه القصيدة الطويلة، هي أشبه ما تكون بحكاية متتابعة الأجزاء، استلهم فيها الشاعر الملامح العامة للتجربة السندبادية، المتمثلة في روح المغامرة وارتياد الآفاق، وزيادة على ذلك فإن التوحَّد بين السندباد/ الشاعر وتجاربه أضفى على القصيدة انسجاماً في أجزائها، خاصة وأن هذا الشاعر قد استطاع أن يوازي في قصيدته بين عوالم مختلفة ومتباعدة، لكنه ببراعته تمكن من نسجها وتحبيك نصه وكوَّن بنية شعرية متكاملة.

هوامش

( 1) محمد قنديل البقلي، فنون الزجل، سلسلة كتابك، رقم 128، )د.ت(، ص: 63-64.
( 2) وقد ألف عنه الشيخ المهدي الفاسي المتوفى سنة 1109ه مؤلفا عنونه بعنوان «ابتهاج القلوب» (وهو نسخة مخطوطة)، تضم بعض أزجاله.
(3 ) ابن سناء الملك، دار الطراز في صناعة الموشحات، تحقيق جودة الركابي، (د. مط)، دمشق، الطبعة الثالثة، 1983، ص:29.
(4) عبد الحميد بورايو، محاضرات في الثقافة الشعبية، التاريخ والقضايا والتجليات، منشورات الرابطة الوطنية للأدب الشعبي، باتنة، الجزائر، الطبعة الأولى، 2005، ص: 3-2.
(5 ) Goody Jack, Entre l’oralité et l’écriture, PUF, Paris, 1994, p18
(6 ) حوار مع محمد السرغيني: (الشعر المغربي الحديث والمعاصر: تاريخ وقضايا في ضوء الشهادة والنقد)، مجلة دراسات سيميائية أدبية لسانية، العدد الرابع، 1990، ص: 17-18.
(7 ) إدريس أمغار مسناوي: تقديم ديوان» للحلمَه وترَه سادسَه»، ليونس تهوش، المطبعة السريعة، القنيطرة، المغرب، الطبعة الأولى، 2014، ص:04.
( 8) نفسه، ص:05.
(9 ) يونس تهوش، ديوان» للحلمَه وترَه سادسَه»، المطبعـــة السريعــة، القنيطــــرة، المغرب، الطبعة الأولى، 2014، ص:2021-.
(10 ) يونس تهوش، ديوان» للحلمَه وترَه سادسَه»، ص:212-2.
( 11) يونس تهوش، ديوان» للحلمَه وترَه سادسَه»، ص:22.
( 12) نفسه، ص:-2223.
( 13) من المشهور أن ضريح «لالة عيشة البحرية» يوجد بالقرب من مدينة «الجديدة» بالمملكة المغربية، وهو يُعد قِبلة مجموعة الفتيات اللواتي انسدت في وجوههن الآمال في الزواج، وذلك للتبرك بماء البئر الموجود في الضريح ولعلهن يتخلصن من العنوسة، حيث يقمن في الضريح بالاغتسال بمائه وكتابة أسمائهن وأسماء عشاقهن بالحناء على جدران هذه البناية على أمل أن يلتئم الشمل.
( 14) يونس تهوش، ديوان» للحلمَه وترَه سادسَه»، ص:2223-.
(15 ) نفسه، ص:25.
( 16) نفسه، الصفحة نفسها.
(17 ) نفسه، ص:27.
( 18) نفسه، ص:32.

عن madarate

شاهد أيضاً

حوار مع الزجال حسن خيرة حاوره الشاعر الحَسَن الگامَح

حوار مع الزجال حسن خيرة حاوره الشاعر الحَسَن الگامَح   ورقة عن الزجال حسن خيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *