الرئيسية / وجوه واسماء / بورتريه الشيخ الذي رفض أن يغادر بيته إلى أن وقع الحَسَن الگامَح

بورتريه الشيخ الذي رفض أن يغادر بيته إلى أن وقع الحَسَن الگامَح

 

قيل لي: من هو الشيخ أحماد…؟؟ وهذا من باب التعريف لا من باب الـتصنيف… ومن باب التأليف لا من باب التحريف.

قلتُ: هو من رفض أن يغادر بيته قرنا من الزمان، حتى وقع البيت ليلة 8 شتنبر فلم يقع عليه… وهو من تحكم في زمام البيت منذ شبابه، وأعاد بناءه طفلا وشابا ورجلا وشيخا، فلما وقع جلس أمامه يرثيه:

(آه أيها البيت العتيق

وأخيرا وقعت

كما وقعت كل بيوت الدواوير

وقعت لتبكيني وتحرمني من حنان الكبدْ

آه أيها البيت العتيق

الذي ضمني قرنا من الزمانِ

كنت أحلم أن أموت في حضنه إلى الأبدْ

لكنه وقعْ

ولم أقعْ

كأن الأقدار رفضت أن أحقق حلمي

فأعادت موتي بلا عددْ)

فهو الشيخ الذي كان يعيش مع ابنه الصغير وحفيد ابنه، بعد أن هاجر أبناءه إلى أولا برحيل أو تارودانت، ورغم إلحاحهم كي يستقر مع واحد منهم كان يرفض قائلا:

جدي أوصاني بالبيت: نحن يا بني نولد في هذه الأرض ونموت في هذه الأرض، وتشيع جنازتنا من هذا البيت، هو إرثي من جدي الأكبر، فحافظ عليه كما تحافظ على عينيك… هو عش الأجداد وذكراهم التي لا تنسى، وعش الأجداد لا يفرط فيه بل نموت من أجله….

أنا لن أغادر هذا البيت إلا على لوح النعش، هنا ولدت وهنا سأموت.

وحين يذكرونه بأن البيت قديم من الطين، يجيبهم: أنا بنيته مع جدي وأبي، مات أبي وأعدنا بناءه مع جدي، مات جدي وبنيته لوحدي عدة مرات، وإن وقع سأبنيه من جديد… هو نبضي وعيني التي ترى وإن بلغت من العمر عتيا.

فهو الشيخ الذي رفض مرارا الابتعاد عنه، ها هو الآن يجلس قبالته يبكيه بدمع حار جار:

(أه أيها البيت العتيق

ما أقساك

أتقع وتتركني بلا مأوى ولا ذكريات

أعاني من وحدة تخنقني الحسراتْ

أبكيك وأبكي من ماتوا تحت الأنقاض

دون كلمات وداعِ

أو قبلات وداع

أو كل من رحلوا بلا وداع

وفي القلب تركوا حرقة أعنف من الجمراتْ)

 

فالشيخ من حسن حظه أو من سوء حظه، قد ذهب لقضاء حاجته خارج البيت، قبل الهزة الأرضية بعشر دقائق بخطوات ثقيلة جدا بعيدا عن البيت، وعصاه في يده، وقبل أن يقضي حاجته قضى الله أمرا مفعولا. زلزلت الأرض فتمسك بجدع شجرة الزيتون حتى سقط على الأرض. ثم قام من مكانه مهرولا بدون عصاه حسب ما سمحت به قدميه: كل شيء على الأرض والغبار الكثيف يصعد إلى السماء.

وهو يصرخ: ابني… ابني… حفيدي.

الكل تحت التراب وهو قبالة الأنقاض يبكي البيت ويبكيهم:

(وقعت أيها البيت العتيق

في ليلة لم تكن في الحسبانِ

وقعت،

ليتك وقعت ولم تأخذ معك أكبادي

لتتركني وحيدا بلا مأوى

أشكو بأسي لله، ثم للعبادِ)

فتحية له من القلب إلى القلبِ…

ورحم الله شهداء ليلة 8 شتنبر 2023، ستبقى غصة في القلب، وألما لا يشفى.

وسلاما له سلاما…  يكفر عني ما نسيته من تذكير أو تعريف به وهو المعرف الذي لا يحتاج للتعريف.

أكادير: 12 شتنبر 2023

عن madarate

شاهد أيضاً

بورتريه الشاعرة مليكة العاصمي: نخلة مراكش الحسَن الكامَح

بورتريه الشاعرة مليكة العاصمي: نخلة مراكش (الجزء الأول) الحسَن الكامَح     قيل لي: من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *