الرئيسية / اهتزازات / بيت أختي مهد كتاباتي الأولى (الجزء الثاني) الحسن الكامح

بيت أختي مهد كتاباتي الأولى (الجزء الثاني) الحسن الكامح

 

لماذا الشعر…؟؟

بعض الأماكن لها حنين ينقش في الذاكرة كلما فتحت نافذة عليها تطفو موقعة في خاتمة قصيدة أو نص سردي توقع في وله مدلولها الخاص عبر الحروف المترامية هنا وهناك، وبيت أختي ببوفكران نواحي مكناس له مدلول عميق في كتاباتي الأولى في الثمانيات، إذ كلما أفتح دفترا أو ملفا لكتاباتي إلا واسم المكان يبدو بخط غليظ أسفل النص.

(هذا البيت معزلي

فدعوني أنثر الأحرف كما أشاء

على البياض

وأنا مستلق على خضرة في الجنانِ

هذا البيت معتكفي

هذا البيت ملاذي

فدعوني أغوص في عمق المعاني

أرتب الكلمات والمجازات

كما يحلو لي غير مكترث بالزمانِ)

كان المكان جنة للكتابة والعزلة الإبداعية بامتياز، بيت على مرتفع وسط ضيعة فلاحية بين أشجار مثمرة وخضرة لامتناهية، محاطة بأشجار القصب الطويل الخيزران، مما جعله قبلة لي أيام العطل إذ لا تبعد عن مكناس إلا بعشرين كيلومتر.

كنت أحج إلى بيتي اختي بدارجتي الهوائية الرياضية الخاصة بالسباقات، أيام الدارسة الجامعية أو أيام كنت أدرس في البيضاء بعد عودتي إلى مكناس.

(هنا كنت أعانق في شغف

بياض الورقْ

أضمه إلي حبيبا

يحررني من زحام الحي والمدينة

وإليه في عجالة أستبقْ

لم يكن بيني وبينه سوى طريق مستقيم

فأركن في زاويتي عابدا منعزلا

أسوي بين الكلمات في طبقْ

هو المكان ضارب في القدم

هو المكان قائم في الذات

يحكي عن معمر كان هنا يوما

ثم في رحلة عاد إلى البلاد وفي دمعه يحترقْ)

البيت بني في عهد الاستعمار على مرتفع يطل على الضيعة، فمن نوافذه أو شرفته يمكن أن تطل على الضيعة من الجهات الأربع، وبعد الاستعمار ومرور السنوات المحددة لخروج المعمرين من المغرب، انضم مع الضيعة إلى الممتلكات الفلاحية للدولة، له هندسة أوربية رائعة توحيك بيوتات الأفلام السينمائية الغربية، ينقسم إلى طابقين سفلي وعلوي مع درج دائري رخامي أسود في غاية الجمال. وبه مدفئة وسط قاعة الجلوس وسط البيت. وفي الحديقة المحيطة بالبيت توجد أشجار مثمرة من بينها شجرتا التوت ذات ضلال وافر مثل مظلتين كبيرتين التقيتا، فكنا نجلس تحتهما بالساعات على العشب الأخضر، وهناك يحلو لي أن أغوص في عالم الكتابة أرتشف قهوة من يد أختي أو كأس شاي، كان المكان المضل لدي للكتابة.

فللبيت حميمية وعبق تاريخي لا مثيل لها، بهندسته الأوربية رغم أني من عشاق الهندسة العربية الإسلامية، يوحي لك أنك تسكن بيتا في أعماق أوربا بين خضرة لا متناهية. فتشعر كأنك سافرت من مدينة عتيقة إلى بيت في الجهة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط.

(كل شيء هنا

يأخذ وقتك إلى أرض

لم تطأها من قبل

إلى مدن الحروفْ

تسوق حلمك تعانق الشط الثاني

وأنت غارق بين الكلمات

تحت ظل وارف

تحتمي بالاستعارات لا بالسيوف)

هنا في هذا البيت الخيالي كتبت قصائد متنوعة ومجموعة من القصص القصيرة بعنوان” شيء لا يسقط من الذاكرة” لم تنشر بعد، ورواية المرفوض التي عنونتها من “ليتني كنت منسيا”، ونصوصا مسرحية عديدة.

كنت أسابق أيام العطل لأكتب ما برمجت من قبل وأعانق الخيال بكل تجلياته الإبداعية لا فرق عندي بين الليل والنهار، احاول ترتيب الوقت كما يحلو لي مع الحفاظ على أوقات الأكل الجماعي مع أفراد أسرة أختي، ومن حين لحين أقوم بجولة مع ابن أختي في الضيعة أو الحديث المطول مع أختي أو ألاعب بناتها.

هي ايام لا تنسى ولن تنسى أبدا لأن الكتابات تؤرخ لها خلال عقد من الزمان تقريبا، فالمكان يكتبنا شئنا أو أبينا لأنها في تداخل متواصل مع فصول الذاكرة.

(تكتبنا الأماكن عمرا

أطفالا لا ننمو

نزاول حلمنا الدائم بين الاستعاراتِ

نقسم وقتنا بين ما مضى

يحملني إلى سنوات خلتْ

أو نتيه بين مجازات البياضاتِ)   

 

أكادير:28 نوفمبر 2020

عن madarate

شاهد أيضاً

إلى أمي في اليوم العالمي للشعر – الحسَن الگامَح

  إلى أمي في اليوم العالمي للشعر لماذا الشعر لم أكن أعرف أني حين كنت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *