الرئيسية / اهتزازات / بيت جدي: صرح كتاباتي (الجزء الأول) الحسَن الگامَح

بيت جدي: صرح كتاباتي (الجزء الأول) الحسَن الگامَح

لماذا الشعر…؟؟

كلما غصت في الكتابة، أو الغواية – كما كان يحلو لرفيق الكتابة أن يسميها-، تتداخل أمامي الأماكن كأني أشاهد شريطا سينمائيا بذاكرتي المثقلة بالذكريات البعيدة، فكل الأماكن تأتيني معبرة عن نفسها بإلحاح وتصطف أمامي مرة تتداخل فيما بينها ومرة تأتيني لوحة صافية الألوان بأبعادها المتباعدة، لا أنكر أني من عشاق الأماكن كتابة واكتشافا، وأردد دائما مقولتي: الأماكن تكتبنا على البياض نصا قابلا للتأويل مرتبطا بذواتنا وزماننا المعاش، هي الأماكن جزء منا ومما نكتب كان متجزئا أو متكاملا… متوحدا بنا أو منفصلا عنا، قد تأخذنا الأماكن سنوات وننصهر فيها كليا بتلقائية بلا حاجة لوقت للكشف والمكاشفة، أو نحتاج إلى وقت ما لنتعانق تدريجيا حسب ميولتنا وانصهاراتنا الفكرية والذاتية. لكن حين نعيد كتابتها تكتبنا من جديد كأنها جزء منا.

حين أذكر مرنيسة موطن الطينة الأولى تذهب ذاكرتي على الفور إلى بيت جدي، على تلة يطل على الحقول المجاورة ومركز طهر السوق شمالا وعلى القرية المتواجدة على تلة أخرى عالية غربا، والزاوية والدواوير البعيدة جنوبا، فموقعه الاستراتيجي يمنح للنفس طمأنينة وأريحية كلما فتحت نافذة من النوافذ الغرف العليا، أو جلست جنبه تستنشق نسم الصباح أو المساء.

(في الغرفة العليا من بيت جدي

أفتح نافذة كي أطل عليَّ

وأنا مستلق على ذاكرة البداياتِ

أبحث في تاريخ هذه الأرض

التي قاومت الجفاف والاستعمار

وكل ما يفسد على الأهل راحة النفس في الخلواتِ

أقيس هذا المدى بما أرى

وما حكى لي جدي هنا من ذكريات لا تنسى

موشومة في بيوت القريةِ وفي صوت الناياتِ

هنا تلتقي كل الفصولِ

كي تعلن عرس الوقت متربعا على هودج الصبواتِ

وأنا أسافر في سلاسة

عبر الحقب التي مضتْ

وعبر كل الفجواتِ)

فبيت جدي كان يأخذني إلى مغارات الكتابة كي أعتزل ذاتي الكاتبة أؤرخ ما مضى، فأكتب وأكتب لا أبالي بالأعراس المضيئة القرى البعيدة، أو أصوات الفتيات في الحقول يغنين أغان جبلية، أو شيوخ يحكون عن سنوات رحلت كما رحلت أسماء ووجوه كانت هنا تزين هذا المكان النقي، وصوت آذان الصلاة يهلل كل يوم خمس مرات من المسجد العتيق، بنوه الأجداد وأعادوا ترميمه عدة مرات، هو مركز القرارات والأفراح والأقراح الجماعية.

(هناك في بيت جدي

أهيم بين الحروف والكلماتِ

كما أهيمُ بين الحقول والجنانِ

أرتقي بذاتي في عزلة بين النسماتِ

نسيمُ الصباح يطهرني من نجاسة الليل

ونسيم المساء يعطرني بالنفحات

كنت كمن تهدهده أمه بين الحكايا

وأغاني الصيف ونكه البسماتِ)

كان لبيت جدي عبق تاريخي ممزوج بعرق من مروا من هنا، يتقاسمون خبز وقهوة جدتي كل مساء بعد صلاة العصر، بعد أن يعود جدي من الجنان البعيدة محملا بصنف من التين الطري الذي لا يوجد إلا في جنانه، وحبات العنب فنجلس جنبه يحكي لنا عن معارك ضد الاستعمار أو قصصا لا تنتهي إلا بآذان صلاة المغرب. وهو يحكي أؤلف روايات وأكتب قصائد في ذهني مستوحاة مما يحكي، كان بيت جدي الفردوس الأعلى الذي أحج إليه كل مصيف لأستمتع بأجمل الأوقات وبالكتابات المتنوعة من نثر وشعر، وقراءة لكتب عديدة. كنت كنحلة تتزود من كل الزهور كي أمنح لكتاباتي عسل الحياة، فكل ما كتبته في تلك العطل لا زال محفورا في الذاكرة، ربما لأن المكان كان يوحي لي بالكتابة أو ربما أني كنت أجد ذاتي من جديد بعيدا عن زخم المدينة وفوضاها، أو بكل بساطة أن ذاتي الكاتبة ترتاح هناك فتعثر بكل عفوية على الجو الملائم للكتابة.

(هناك في بيت جدي

يحلو لي

أن أتمرغ في عفوية على تراب القصيدة

وأختار مما أشتهي من منابع الحروف

ما يمنحني البوح في سلاسة العباراتِ

هناك في بيت جدي

يحلو لي أن أرقص عاريا

من كل ما أحمل من معتقدات ونواميس

فأجري في ولهٍ

أراقص الكلمات بين لغز الإشاراتِ

كأني من جديد ولدتُ راعيا

يسوق الحلم أمامهُ في الليالي

بين المروج الخضر وضوء المداراتِ)

 

 

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أكادير فتنة الدنى… (الجزء الثاني) الحسن الگامَح

أكادير فتنة الدنى… (الجزء الثاني) الحسن الگامَح   لماذا الشعر…؟ في وقت ما؛ قبل أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *