الرئيسية / أمازيغيات / بين محمد وكرار و جاك بريفير – عبد الله الواثق

بين محمد وكرار و جاك بريفير – عبد الله الواثق

ملخص البحث:
التناص مصطلح نقدي حديث يرتبط بتفاعل النصوص مع بعضها وبما يترتب عن ذلك التفاعل من دلالات تثري سياق تلك النصوص. والناقد الأدبي عند دراسته لأي نص، يقوم بالتنقيب في طبقاته الخفية لفهم العوامل المؤثرة في بنائه، خصوصا ما يرتبط منها بنصوص سابقة ليبرزها للقارئ.
لذلك يستهدف هذا البحث الكشف عن أحد نماذج التناص في شعر الشاعر المغربي الأمازيغي محمد وكرار في ارتباط بإحدى قصائد الشاعر الفرنسي جاك بريفير.
الكلمات المفتاحية: التناص، التناص الأدبي، الشعر الأمازيغي، محمد وكرار، جاك بريفير.
تقديم:
استقر في وعي الشاعر الأمازيغي المعاصر أن التناص ثمرة للماضي كله، بكل حضاراته، وأنه صوت وسط آلاف الأصوات، التي لا بد أن يحدث بين تآلف وتجاوب. هذا الشاعر قد وجد في أصوات الآخرين تأكيداً لصوته من جهة، وتأكيداً لوحدة التجربة الإنسانية من جهة أخرى، وهو حين يضمِّن شعره كلاماً لآخرين بنصه، فإنه يدل بذلك على التفاعل الأكيد، بين أجزاء التاريخ الروحي والفكري للإنسان.
و إذا كان الشعر الأمازيغي المعاصر قد لجأ، في أحايين عدة إلى الأسطورة، أو الدين، أو التاريخ، أو التراث الشعبي..، فإن لجوءه إلى الأدب، وخاصة الشعر، مرتبط بكون تجارب الشعراء، على اختلاف مشاربهم وأجناسهم، وعلى اختلاف أزمانهم وأمكنتهم متشابهة، أو هي على الأقل متقاربة، يحمل بعضها جذور معاناة شبيهة، أو مقاربة لبعضها الآخر.
و قد أدرك الشاعر محمد وكرار أهمية الشعر الأمازيغي القديم خاصة، و شعر الآخر عامة، فحاول إغناء تجاربه من نماذج شعرية سابقة، يمكن إسقاطها على الواقع المعاصر، وقد حاول توظيف تلك النماذج في شعره، حيث نرى مجموعاته الشعرية، تفيض بتداخلاتٍ نصوصية كثيرة مع الشعر الأمازيغي القديم، ومع الشعر الأجنبي، حاكيا فيها مختلف الشعراء الوجوديين والواقعيين، كما وجد في الشعر العربي، على مختلف مراحله، تجاربَ شبيهة بتجربته الشعرية الخاصة، فحاكاها محاوراً، ومقتبساً، ومستلهماً، ولعل هذه التداخلات النصوصية المتنوعة تشير إلى الثقافة الأدبية الواسعة، التي يمتلكها الشاعر، وانفتاحه الرحب على مختلف الحضارات والآداب.
وبحكم هذا الاطلاع، فمن الطبيعي أن يستحضر وكرار، واعيا أو في لا وعيه، كثيراً من القصائد، ويعيد صياغتها من جديد، وفق سياق خاص، يلائم رؤيته للشعر، وموقفه منه. وبحكم هذا الاطلاع أظهر وكرار براعة فائقة في تعامله مع النصوص الأدبية التي استلهمها، أو امتصها في كثير من قصائده، فقد طبعها بطابعه الخاص، وحمّلها شحنات دلالية خاصة، وهذا ما نجده في نصه الشعري الطويل: «ءﻳﺴﻤﻀﺎي» (ﻣﺬاﻗﺎت) الذي يعد كذلك عنوان ديوانه الرابع المنشور عام 2016.
وينطلق النص من عتبات الديوان الأولى؛ بحيث تزين صورة طاجين بلون صلصالي أحمر، تعلوه خبزة التنور، وبجانبه قطع صغيرة منه غلاف « ءيسمضاي»، ما يوحي بعادة أمازيغية متعلقة بوجبة العشاء، والتي اتخذها الشاعر منطلقا لنصه الشعري الطويل؛ فمتناول الوجبة يتعرض في أحيان كثيرة لسوء النوم، ومشاهدة كوابيس تقض مضجعه، كما تشعره تارة بالتعب والإعياء، وتارة أخرى بالجوع، وهو ما عبر عنه المثل الأمازيغي الذي وظفه الشاعر في بداية نصه، ومثل يرمز للجوع (ءيكاياسنتن ءومغار ءودي).
و لعل فكر القارئ المطلع سيلاحظ ذلك الانفتاح للشعر الأمازيغي الحديث على الثقافات الأخرى و الذي أشرنا إليه آنفا؛ فها هنا يستحضر وكرار الشاعر الفرنسي جاك بريفير في قصيدته «نومة الضّحى» (ÉEMATIN GRASSE LA ) التي نتبيّن من خلالها هذا الإيقاع السرديّ في وصف الأحداث اليوميّة المتعاقبة:
مرعب هذا الضجيج
عندما يهز ذاكرة الرّجل الجائع
ومرعب أيضا رأس هذا الرّجل
رأس هذا الرّجل الجائع
إذ ينظر في الساعة التاسعة صباحا
الى زجاج مخزن كبير
يلمح في مرآته رأسا أغبر اللون
ليس رأسه على أية حال
في واجهات محلات « بوتان »
إنه لا يلعن رأسه
ولا يفكر فيه
إنه يحلم
ويتخيل رأسا آخر
رأس عجل مثلا
… (1 ).
و في هذا الإيقاع السرديّ نفسه ينقلنا وكرار الى مجال علوم التربية باستدعائه لشخصية العالم الروسي المشهور إيفان بافلوف، صاحب نظرية المثير الشرطي و الاستجابة الشرطية، و هي نظرية تقوم أساساً على عملية الارتباط الشرطي التي مؤداها أنه يمكن لأي مثير بيئي محايد أن يكتسب القدرة على التأثير في وظائف الجسم الطبيعية والنفسية إذا ما صوحب بمثير آخر من شأنه أن يثير فعلاً استجابة منعكسة طبيعية أو إشراطية أخرى. وقد تكون هذه المصاحبة عن عمد أو قد تقع من قبيل المصادفة.
يقول الشاعر في نصه «ءيسمضاي» (مذاقات) (2):
ءايدي ءيباسلن الكلب المشاكس
ءيكتيد لحال المسبب للمشاكل
ءورد سول كيس ياغ لم يعد ينفع معه
ءالادا س واناس قرع جرس بافلوفه
ن بافلوف نس عند سيلان لعابه
ءيضر كيك ينقض عليك
ءيزو كيك يطاردك
ءيطايك يطردك
مكدا س تي طايت كما طردته
ءيطايك يطردك
ءيسوتلاكد ثم يحوم حولك
ءار داغ زوردوزن يتمرغ في التراب
ءيكساك ءالن إلى أن يفقأ عينيك
ءايدي كا الكلب
د ءيس ءارد كا الذي
سول كيس تكورونت يفاجئك
ءور ءادلي ما عادت
كيس دي تَّال تصدر منه تلك
تاضصا الضحكة
ءيلاسن – تايديت نس المتسببة في قَص شعر كلبته
إن الرابط الأساس بين نص وكرار الشعري وقصيدة جاك بريفير، بالإضافة إلى طبيعتهما السردية، هو ما أسماه بافلوف المثير الشرطي و المتمثل في الإحساس بالجوع المؤدي إلى الحلم موضوع النصين. و قد اعتمد الشاعران التكرار المقطعي كمحور منه تتشعب الدلالات، و تنشط حركتها في باقي أجزاء كل نص شعري، ليتحول مثل أمازيغي سائر دال على الجوع إلى محفز على ولوج الحلم و عالم الرؤى عند وكرار لبناء رؤيا خاصة به كشاعر (3 ):
ءيكاسنتن ءومغار ءودي «دهنها شيخ القبيلة سمنا»
كرغاس كيسنت س كرا ن تيرمت فدعمتها بوجبة إضافية
ءورياد سنغ لا أدري
ماني كيكي كانت أين اختفت
ييلي نيت و كثيرا ما
ماغ رورغ ءيطساد س ءوزال غيرت وقت نومي إلى الظهيرة
ءورس ءيسار نيت تينيغ كرا فهل لا أزال أردد كلاما مفيدا؟!
نغد ءيس ءار كا سبيضيغ أم أنه مجرد هذيان
وتحضر تيمة الحلم في القصيدة، من خلال مجموعة من الإشارات والعلامات الدالة عليها، منها التكرار تكرار كلمة حلم بمرادفاتها:( تاواركيت ءينو=حلمي- ءيطس ءيفرغن= نوم مضطرب – ءار ءيسهنتير= يهلوس – ءيجيجيون = كوابيس..)، وتكرار عبارات تحيل إلى الحلم (هروصيغ مردوكيغ= متعب أنا منهك – نوكميغ= متضايق أنا – ءيبونيزن نايت برا= قرص الأرواح الشريرة..)، إضافة إلى كلمتي: (الظهيرة= ءازال والليل= ءيض) كزمنين مؤطرين للحلم.

و«الأحلام» هي الحلقة المفقودة في العنوان «ءيسمضاي» (مذاقات)، ليكون عدم احترام زمن الوجبات علامة على اضطراب زمن النوم و بالتالي ولوج عالم الأحلام. ويكون بذلك إسناد فعل الضياع في هذا العالم للظهيرة حقيقيا إذ تتوقف الأحلام (بمعناها الحقيقي المباشر) مع الاستيقاظ.
فلا يخفى ما يحدثه الجوع او التعود على إرجاء أوقات الوجبات، و السهر المؤدي إلى اضطراب في النوم، وما يصحبه من أحلام و كوابيس مزعجة، من انعكاس سلبي على صحة الشخص النفسية و الجسدية؛ فالنوم بعد الصبح قد كرهه بعض أهل العلم نظرا لما يترتب عليه من آثار صحية و غيرها إلا إذا كان لعارض أو ضرورة، وهو مضر جدا بالبدن كما قال ابن القيم في زاد المعاد: »ونوم النهار رديء يورث الأمراض الرطوبية و النوازل، و يفسد اللون، و يورث الطحال، ويرخي العصب، ويكسل، ويضعف الشهوة إلا في الصيف وقت الهاجرة. قال الشاعر:
ألا إن نومات الضحى تورث الفتى *** خبالا ونومات العصير جنون»
فتوظيف وكرار لنظرية بافلوف كان الغرض منها ربط حالة الشاعر وهو المتعود على السهر وعدم احترام الزمن اليومي لحاجيات الذات والروح، بحالة الكلب المشاكس في الحلم، و الذي بسبب انشغاله بالمشاكسة وخلق المشاكل، لم يعد يعير اهتماما لأي مثير ما يذكره بموعد الإطعام. و الحال أنه في نظرية بافلوف إذا تكرر ظهور المثير الشرطي (قرع الجرس) لفترة من الزمن دون تعزيز بالمثير الطبيعي (تقديم الطعام) فان الفعل المنعكس الشرطي (كمية اللعاب) يضعف ويضمحل تدريجياً و في النهاية ينطفئ أي لا تظهر الاستجابة الشرطية، و كذلك حالة شبعه يندر أن نحصل على الاستجابة و هذا ما أسماه بقانون الكف الداخلي، أو قانون الانطفاء.
أخيراً نخلص إلى النتيجتين التاليتين:
أولاً ـ إِنّ لغة الشاعر وكرار الشعرية حيّة نابضة بثقافة كل العصور، ومتمثلة لكُل الأَطْوَار الشعرية، ممّا جعلها تغدو حيّة في نفس المتلقِّي، توحِي له كل يوم بالجديد و الممتع، وتشكّل مفاتيح إيحائية، تكشف عن ثقافة واسعة في توظيف التراث، مما جعل قصائده مشحونة بفيض هائل من الدلالات التراثية، إذ استطاعت أن تبني لها وجوداً فنياً متميزاً، وتنبئ عن روح جديدة في البثّ الشعري، المتكئ على انفساح في الرؤية الفنية، و إحاطة واعية بمعطيات التاريخ، مع تمكّن في الأداء الفني، الذي يميِز بنية لغته الشعرية.
ثانياً ـ إن النص الشعري ـ عند الشاعر ـ نص توالدي، «شبكي»، لا يبدأ من بداية محددة، وينتهي عند نقطة محددة، إنه نص التنامي و الانفتاح على توالي النصوص الغائبة، وعلى نصوص القراءة المتعددة، إذ نستطيع من خلال التأمّل فيه، ملامسة شفافية اللفظ و اتساق المعنى وجماليته و إيقاعه الذي يمتزج فيه القديم بالجديد، ومن ثم الولوج إلى منعرجاته ودقائقه الخفيّة. وبذلك تكتمل الوظيفة التناصيّة، وخلفيتها الشعرية، في الكشف و التبلور و الانفتاح، وهذا إن دل على شيءٍ فإنّما يدل على حيوية نصوص وكرار الشعرية، وقدرتها الإيحائية.
يعد وكرار من الشعراء الذين طوروا أدواتهم الشعرية، وخلق انزياحات لغوية، أحدثت هوة رمزية وجمالية بين اللغة اليومية واللغة الشعرية ، مسافة ذهنية وجمالية عن الموروث التقليدي الأمازيغي، و طور شكل وبنية القصيدة ،التي انبثقت أصولها الجمالية والمعرفية من أسايس، ومن بقايا صور و ومجازات الشاعر الراحل حمو الطالب، ويحق لنا أن نعتبر وبكل موضوعية بأن محمد واكرار أضاف مآثر جديدة لمعمارية القصيدة الأمازيغية، وأدخلها مثلها مثل سلالات الشعر الأخرى الموجودة في بقاع العالم، إلى متاهات القصيدة الحديثة، بكل التباساتها وجمالياتها، سواء على مستوى اللغة، والتصور للعالم وتشظي كينونة الشاعر، وانتمائه الصعب إلى اللحظة الراهنة، بكل انتصاراتها وهزائمها في أتون الذاكرة، وكشوفات المخيلة . ومن نافلة القول التذكير بمرجعيات الشاعر المتنوعة، ففي الأدب العربي نشير خصوصا إلى رواد الحداثة كأدونيس، و محمود درويش وعبد الوهاب البياتي و غيرهم، و في الآداب العالمية تأثره بالأدب الفرنسي و الإنجليزي و الألماني.
نخلص إلى أن النزعة التجديدية تغمر أغلب شعر وكرار ، فهو يُظهر دوما من خلال شعره تلك الرغبة الملحة في رفض كل معلوم مألوف ، والسعي لكل مجهول غريب معهود، إنه نموذج للمبدع الذي يسعى بإصرار لخدمة الثقافة الأمازيغية خاصة، و الأدب المغربي عامة و جعلهما يسايران الأدب العالمي.

1 ( Cf. J. Prévert : Paroles . p 79. édition Gallimard 1949.
(2 ) محمد وكرار، المجموعة الشعرية: «ءيسمضاي» (مذاقات) ، ص.17 .
(3 ) محمد وكرار، المجموعة الشعرية: «ءيسمضاي» (مذاقات) ، منشورات بيت الشعر في المغرب، مطبعة البيضاوي، ط.1، 2016، ص.5 .

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

مظاهر الهجاء في شعر الرحل الأمازيغ بوادي نون – أحمد بلاج

مقدمة إنّ الشيء الذي يميّز كلّ شعب ما هو ثقافته وتراثه، هذه الثقافة تعتبر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *