الرئيسية / ملف الزجل / تأملات في ديوان “دسارة الندى” للزجال المغربي محمد لشياخ – بقلم محمد بوستة

تأملات في ديوان “دسارة الندى” للزجال المغربي محمد لشياخ – بقلم محمد بوستة

مقدمة:

صدر ديوان “دسارة الندى” للزجال المغربي محمد لشياخ سنة 2012م. وصدوره في هذه الفترة بالذات، يزكي انتماءه إلى مرحلة حاسمة في تاريخ حركة الزجل المغربي المعاصر، إنها مرحلة الألفية الثالثة التي استقبلت فيها الساحة الأدبية المغربية دواوين متعددة ومتنوعة من حيث أشكالها ومضامينها. ولذلك فهذا الديوان يعتبر لبنة جديدة في صرح المنجز النصي الزجلي المغربي، بالنظر إلى الرؤية الزجلية التي تنتظم نصوصه، وطبيعة اللغة الموظفة في بناء عالمه الدلالي. يتألف هذا الوليد الجديد من سبع قصائد سكبها صاحبها في المجرى الخصب للحركة الزجلية المغربية المعاصرة، ونحب أن نفردها في هذه الدراسة بوقفة تأملية، نروم من خلالها تناول العناصر التالية:

  • محاولة لتفكيك المضمون:

في القصيدة الأولى التي تحمل عنوان “نعمة الكلام” يحيلنا الزجال على اسم من أسماء فن الزجل وهو “لكلام”. وإسناد النعمة إليه في هذا السياق يذكرنا كذلك بما شاع لدى أشياخ الملحون قديما، حيث كانوا يطلقون على هذا الفن اسم “الموهوب” لأنه هبة من الله ونعمة. ومن أقدم الزجالين الذين استعملوا هذا الاسم مولاي الشاد الذي عاش في أوائل القرن الهجري التاسع، وقد نقلوا عنه قوله: ” من لا يحفظ موهوب يبقى عقلو مقلوب”[1].

ولعل استهلال الزجال باكورة أعماله بعنوان من هذا القبيل إحساسٌ منه بقيمة “لكلام” في حياة الإنسان، لأنه هبة من الله ونعمة منه، وهو الضوء العاكس للدواخل والمشاعر، تكمن وظيفته في ترسيخ قيم الجمال والفكر، ولهذا نجده في هذه القصيدة يعتبره مصدر انبثاق الجمال من وجنات البنات “العزْباتْ”، يقول:

ورّق زين الكلام ف قلبي

ورقه……ورقه

….

خذاته الريح ف سلّه

تبيعه ف سوق لقبيله

خرجوا له العزبات

كلاوا كلامي

تشقق الزين ف حناكهم ورده[2]

ومن الوظائف التي أسندها الزجال  لفعل “لكلام” بطريقة شاعرية وظيفة “تلقيح القلوب” و” تنوير الأبصار”. فبعد أن صور “لكلام” عريسا، دفع به لزيارة الزهرة العالقة على طرف اللسان، يتعهدها بالرعاية والحنان لكي ترشف زادها وتدب الحياة في عروقها، يقول:

يحركها بالهوى

حتى تشرب عروقها الناشفه

من لغرام رشفه

تخلي ريحها

يلقّح قلوبنا

تخلي حروفها

تنوّر شوفنا[3].

وفي القصيدة الثانية التي تحمل عنوان “سهم الـﮕمره” يقدم لنا الزجال قصة عشق طرفاها الليل والقمر (الـﮕمره). يأتي الليل الحبيب في الموعد فيجد الحبيبة (الـﮕمره) قد تخلفت، بل اختفت، مما يدفع ذات الشاعر القلقة إلى صياغة أسئلتها:

شنو يدير الليل إلا جا ف الميعاد

ولقى الـﮕمره خالفات ميعاده

تخبات ورا الجبال

وحلفات ما تبرز ف الكونه[4].

هذا السؤال الذي يستهل به الزجال قصيدته له دلالة قوية في سياق النص. فما معنى أن تختفي (الـﮕمره) وتتخلف عن موعدها مع الحبيب (الليل)؟ فهل هذا يدل على أن الجمال الذي ترمز إليه (الـﮕمره) يفر منا ويختفي؟ لعلنا لن نبالغ إن قلنا إن الإنسان في رحلة الحياة عادة ما يصطدم بمثل هذه المواقف، يتأهب للأشياء الجميلة ويعد لها عدته، فيكتشف بعد ذلك أنها اتخذت في مجرى هذه الحياة سَرَبا واختفت. ولذلك فأنا أعتبر هذه القصيدة تصويرا فلسفيا لعلاقة الإنسان بالجمال. فالإنسان في تركيبته العاطفية والفكرية غامض مثل غموض الليل (الحبيب)، وهذا الغموض مما يؤثر على علاقته بمفهوم الجمال الذي ارتبط في ثقافة الإنسان منذ القديم بلفظ ” الـﮕمره” (الحبيبة). وإذا كان الغموض مُذهبا للجمال، فمن أين للإنسان أن يأتي به مرة ثانية لتنقشع الظلمة من هذا الوجود؟ هذا السؤال المحير هو الذي ترجمه لسان الزجال قائلا:

منّين يجيبُه لعباد ﮔـــمرة ثانية

تضوّي سواد الليل

وتتحدّى حوزْة النوى ف القشره[5].

في القصيدة الثالثة “الورد الحاسد” يستمر الزجال في طرق تيمة العشق. ونلاحظ أنه أسند للورد الذي يقع في منزلة المحبوب لعلوق قلوب الناس به، صفةً غير معهودة فيه هي الحسد، فيخاطبه قائلا:

سل يالورد الحاسد

من كبدي شواكك

زرعها ف ظهر الريح…ندّي اخبارك

كيف الورد يشهد ضد العاشق

يكابر…يفارق… وينافق

كيف تنفخ ريحك العاطر

ف جمر الحارق

وتسيل هارب ف الزقاق

تبغيني نبدى لهجر

ونكون اللّول

نتسمّى بادي لشقاق[6].

هذا الشقاق الذي يحدث بين المحب والمحبوب بسبب الحساد، لا يدفع المحب إلا إلى مزيد من  الصبر والإخلاص رغم صدود المحبوب:

اسقي وذانك يا الورد الحاسد

سير ارويني حجّايه

ارويني قصة واشعار

ف مجالس العاشقين

خبرهــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــم

إيلا كان الزين بايع راسُه بالماس

أنا صـــــــــــــــــــــــــــــــــابر

حتى تقطّر شهدُه ليام

وتنزلُه عسيله

مفرقه قسمه بين الناس

ونشرب حقي ف الكاس[7].

يستوقفنا في القصيدة الرابعة “دسارة الندى” هذا العنوان الذي اختاره الزجال ليجعله علامة للديوان كله. ولعل المتأمل لعبارة “دسارة الندى” يلاحظ أن الزجال جمع فيها بين لفظين بينهما من التنافر أكثر مما بينهما من وشائج القربى. فأي علاقة بين المصدر “دسارة” وبين كلمة “الندى”؟ فلفظة “الدسارة” في متداولنا الشعبي تحيل على ما يستهجن من السلوكات والأفعال، أما “الندى” فلا يخفى أن له معاني تتصل ببلاغة المدح والغزل في لغتنا العامية، ومن ذلك قولهم “هي كقطيب الندى”، وهم يقصدون بذلك طراوتها ونضارتها وبريقها، ومختلف هذه الصفات تصب في حقل الجمال… فهل معنى هذا إذاً أن المبدع يقصد ب “دسارة الندى” “دْسارةْ الجمال”؟ أي تنطُّع الجمال وزيغَه وإتيانه من السلوكات ما يستقبح ويستهجن؟ وهل يمكن أن نلحق بالجمال سماتِ القبح والاستهجان التي تناقضه؟ إن هذه الأسئلة وغيرها هو ما يدفعنا إلى القول إن عنوان هذا الديوان مفعم بشعرية متميزة هي شعرية المنافرة.

ذلك أن الجمع بين ما يحيل على القبح وهو المصدر “دسارةْ”، وبين ما يرمز للجمال وهو لفظ “الندى” يكتسب وظيفته الشعرية من خلال العلاقة الإسنادية غير المنطقية بينهما، ويسمي جون كوهن هذه العلاقة بالانزياح الإسنادي[8]، وهو نمط من التوظيف الشعري لا شك أنه  يصدم أفق تلقي القارئ ويحمله إلى مسالك متعة التأويل، لأنه يثير لديه الإحساس بالدهشة، وإذا كانت الدهشة بداية الفلسفة كما يقال، فلا ريب أنها كذلك بداية لتشكل المتعة الجمالية التي ينخرط الزجل المغربي المعاصر في صنعها، وديوان “دسارة الندى” قيد الدراسة مصدر خصب من مصادرها.

ويصور الزجال في هذه القصيدة تحولات مست البنية الاجتماعية، ولا سيما العلاقة بين المرأة والرجل. فكلمة “الندى” تقوم في هذه القصيدة رمزا لكل المظاهر الخارجية الجذابة التي يغتر بها بعض الناس فيقعون ضحايا لها. يقول عنه الزجال:

يدخل لديور لعباد بلا دقان

يقلب ف ظلام

من مصريه…لمصريه

على بنت جميله محضيه

يراقصها ف الحلام

يعلمها الكلام

اللي خباتُه عليها لعـﮕايز المكويه

الندى داسر

الندى باسل[9].

ومن التأثيرات السلبية لهذا الانجراف وراء ما يرمز إليه لفظ الندى من سلب للعقول وإغراء بالمظاهر اللامعة أن زعزع أركان العلاقة بين الزوجة وبعلها، ولنلاحظ كيف يصور الزجال ذلك قائلا[10]:

الندى داسر

الندى باسل

ﮔـــلّب بهباله علينا لمطارح

خلّى عقل النسا سارح

هجروا الخيمه

سكنوا الغيمه

ما بقوا يطلبوا ف العيشه سلامه

ما بقاوا بغاونا

كيف حنا هكّا رجاله

الندى الداسر علمهم السياحه

تقرقيب الناب….والنواحه

هذا الإخلال بالعلاقة بين الرجل والمرأة، مما تتسبب فيه الرمزية الخصبة لمفهوم “الندى”، يتعهد المبدع بمواجهته بشراسة، وليس هناك من سبيل لتحقيق هذه المواجهة سوى شحذ الحروف التي هي وسيلة لفضح القيم المهترئة في الواقع الاجتماعي والتعبير عن صوت الرفض لكل ما هو هجين، لأن  سلاح المبدع هو لسانه الذي ينسج من الحروف دروع الكلام وسيوفه:

 

الندى الداسر

حالف عليه حلوف

إيلا لقيتُه الليله

غ نذبحُه بالحروف

نوثق رباطُه ونشق صدره بالسيوف[11].

القصيدة الخامسة “مري البتول” تسمح بملاحظة اشتغال رمز المرآة. وإذا كان من العادة أن تصدر عن النّاظِرِ وجْهَهُ في المرآة سلوكاتٌ تعكس رؤيته للجمال، فإن الزجال في هذه القصيدة عكس الآية وشخَّص المرآة وجعلها هي التي تبدي معاييرها من مفهوم الجمال، وذلك حين دفع بها لتكسير إطارها، لأنها عجزت عن أن تستوعب الجمال الماثل أمامها وتعكس قوامه المبهر:

كسّر لمري كمّاره

قوام الزين ما جا على عباره

عينُه ما ﮔــدات

تعكس ظل هذ الكسده[12].

إن اختلاف مداركنا لمفهوم الجمال هو الدافع في اعتقادنا إلى عقد الزجال لمقارنة بين “مري لبنات” و”مري البتول”. ونراه يسند للأول صفات كان قد أسندها للفظ الندى كما تقدم الذكر، منها “الدساره”:

فين دسارتك يا لمري لبنات

يا شايف سر العزبات

روح يا الداسر

خبي ف الشمس كمّارك لمكسر

دير ما دار الليل

اللي عرف قدرُه

أو خبّى ف سواد الظلام نظارُه[13].

وفي مقابل ذلك يقدم صورة أخرى عن “مري البتول” مناقضة للسابقة، علما أن لفظ “البتول” يرمز للعذراء المنقطعة عن الزواج إلى الله، وهو ذو صلة بالتبتل الذي يعني الانقطاع عن الدنيا إلى ذكر الله، وبالبتل الذي من معانيه الحق والعطاء الذي ينقطع نظيره[14]، ولعل هذه الدلالة تنسجم مع إفراد الزجال للبتول في هذه القصيدة بصفات خاصة:

لالة لقوام…لالة بتول

حسنها محصون

محجبها الجان

من تكشاف لعيون[15]

هل هناك معيار ما محلي أو كوني لإدراك الجمال؟ ربما قد تتقارب بعض المدارك في هذا المجال، ولكن يجب القول إن هذا المفهوم الفلسفي شغل بال الزجالين كذلك، فانخرطوا في حركية التعبير عنه وصناعة الكلام حوله لنقلِ ما يمتلئ به هذا الوجود من مواقف متضاربة.

اختار الزجال للقصيدة السادسة عنوان “ريق الكاس“. هذا التعبير العميق المعنى يخالف ما ألفنا من عبارات “كثمالة الكأس” مثلا. ولا يخفى أن الريق هو أول الشباب، بينما الثمالة هي ما يستقر في قعر الكأس، والفرق كبير بين الصدر والعجز. ونجد الزجال في هذه القصيدة يصور خلوته بكأسه بعيدا عن وساوس الدنيا وملامة العذّال:

ريق الكاس تلاف

تلقى عشيره ما يلقى معاه خلاف

ريق الكاس عشير الخاطر

ما يسولك على اولاد

ولا وسخ الدنيا ولا اوتاد

ولا صهد ولا امطار

يشد يدك شدة العارف لميل الخاطر

يرج اعماقك….رجه

ترش الخمله منّك والنهجه

تخليك تحس بالشباب

يتفتق ف اعماقك وردة[16].

فرمزية “الكاس” في هذه القصيدة لا ينبغي تقزيمها في المعنى الشائع السلبي: الكأس التي لا ترمز إلا إلى الخمرة. فالكأس وعاء فقط، وكما يمكن أن يحتوي الخمرة، يمكن أن يحتوي إكسير الحياة، وإلا فما معنى قول الزجال “يخليك تحس بالشباب”؟ فالشباب عنفوان الحياة. وحتى حين قال المجاطي: “تسعفني الكأس ولا تسعفني العبارة”، فإن كلامه هذا كان حمال أوجه، وهو المولوع بالخمرة حتى الثمالة…

في القصيدة الأخيرة السابعة “ذكر الريح” ينقل إلينا الزجال صراع الإنسان مع رموز التدنيس. وهو يستعمل هنا “ذكر الريح” إشارة إلى القوة والشجاعة والشدة، لأننا نقول مطر ذكر ومعناه وابل شديد. ومن ثم فالريح التي هي مؤنث في استعمالنا اللغوي، يخلق لها الزجال في هذا النص “ذكرا”، ليتخذ عبارة “ذكر الريح” رمزا للصلابة والشدة التي أغارت على الناس، فرامت تدنيس واقعهم، فما كان إلا أن تمت إحاطة حزام العفة بالأشواك حماية له:

ربطنا الشوك ف حزام العفّه

استودعناهم لشواق التالفه

رمى ذكر الريح سيوفُه مره

وارمينا مره[17].

هذه الرماية للسيوف ستنتهي بالقضاء على رمز الإغارة والتدنيس:

هزّينا ذكر الريح المسعور

دفنّاه ف القبر المسجور[18].

والنتيجة كانت الاحتفال عند الغروب بإخراج البنات من أجل تطهير ما تم تدنيسه، وهكذا رميتْ سنين من الخوف إلى الوراء، وتبرعم جناح الطائر، كرمز على استعادة الحياة والعفة:

عند الغروب خرّجنا بناتنا

نغسله حناكهم بالسلوى والمنه

من بعد سنين الخوف

خلّف الطير.. ريش الجنح المنتوف[19].

كانت هذه محاولة لتفكيك مضمون قصائد هذا الديوان الممتع. والملاحظ أن الرؤية الشعرية للزجال محمد لشياخ تستمد طاقتها من مفاهيم محددة، لعلها أبرزها هو مفهوم الجمال. فمنه ترتوي قريحته الإبداعية لتتقجر ينبوعا غزيرا ينقل إلى المتلقي إكسير الحياة مغلفا بأسئلة الذات الوجودية والإنسانية. ولا شك أن زجله، بناء على ذلك، هو شرفة أخرى في صرح الزجل المغربي المعاصر، منها نطل على همومنا الواقعية وانشغالاتنا الرمزية وقضايانا الإنسانية، يقتسمها معنا الزجال محمد لشياخ بمنظور رؤيوي عميق ووعي جمالي راسخ.

  • ملامح من البنية النصية:

2-1- المدخل المعجمي:

يتسم المعجم اللغوي الذي وظفه الزجال محمد لشياخ لنقل المضامين السابقة بخاصية ازدواجية يفسرها اشتغاله بإضاءة عالمين متنافرين: عالم الجمال وعالم القبح، ليس بمعناهما المادي فحسب  حيث تعتمد الرؤية البصرية، ولكن ببعدهما المعنوي والرمزي كذلك حيث تشتغل الحواس الأخرى. ونستطيع أن نلحق بعالم الجمال كل ما تعلق  ب” لكلام” وبالعشق وطلب الحرية والعفة وغير ذلك، بينما تتصل بعالم القبح الصراعات المشار إليها، ورموز التدنيس وظاهرة الانخداع بالقشور البراقة…ويمكن أن نتأمل فيما يخص العالم الأول هذه القائمة من الألفاظ (الـﮕمره، الزين، الورد، النعمان، كحل، الزهره، عريس زاهي، مسك، قوام، شمس الضحى، الماس، الشباب، العفه…)، بينما نختار للعالم الثاني ألفاظا وعبارات من قبيل: ( تحارز معجونه، ف لخلا، لعباد الناعسين، الحاسد، شواكك، لشقاق، الندى داسر، الندى باسل، سواذ الظلام، ايام الحـﮕره، الخوف، محراب الذل، الريح المسعور…).

وينبغي القول إن ثمة سمة أخرى تميز المعجم الْشْياخي، إنها سمة البداوة. ذلك أن أغلب الألفاظ المستعملة تحس فيها بعبق البادية حيث الشموخ والأصالة والأنفة والهويه… ولعل تدبر هذه القائمة مما يزكي هذا المذهب: (لــﮕــميحه، الرحى، طحين، حنّه، العزبات، لحصيده، الغابه، سبوله، زيتونه، مَصريّه، الشيح، الزعتر، النحله، سوق لقبيله، العتوقه، مري البتول، كمّارُه، حطاب شجاره، الغيس، الطوب، لوتاد…).

والكثير من هذه الألفاظ يتحول في بنية الديوان إلى رموز خصبة نابضة بالدلالات العميقة التي يصبو الزجال محمد لشياخ تبليغها إلى المتلقي. وقد تناولنا سابقا رمزية “الندى” وأشرنا  كذلك إلى رمزية “ذكر الريح”، وثمة رموز أخرى كثيرة تمنح لغة لشياخ فرادتها، ونريد أن نقدم منها مايلي:

  • لكلام: إنه رمز البوح بالنسبة للمبدع، لذلك وظفه في نصوصه بكثرة. ونحن إن تأملنا بعض الأسطر من قبيل: “كلامي تحارز معجونه، كلامي تسبيبة قبول، لكلام الزين مثقاله نعمه، كلام مصفوف ف عقد عتيق، كلام مكتوب بلون الـﮕمره، كلام العاشق خلاني خايفه…”، ندرك مدى غنى رمزية هذا اللفظ الذي يتردد ذكره في قصائد الديوان، فهو يستمد إيحائيته من حقول مختلفة: من السحر والجمال، من النفس والقلب…ولم يكن عبثا أن افتتح الزجال ديوانه بنص اختار له “نعمة لكلام”، ولعل ذلك يترجم إحساسه بخوض بحر الكلام وانقياده له للتعبير عن همومه وقضايا مجتمعه، وتلك نعمة لا يمنها الزجال علينا، ولكنه يرمز إلى استعصائها على كثيرين، ومن تأتَّتْ لهم وانصاعت لألسنتهم وأقلامهم، فلا شك أنهم ذوو حظ عظيم، ومع ذلك تبقى “النعمه محسوده”!
  • الــﮕــمره: يرمز مفهوم (الــﮕــمره) في المخيال الشعبي إلى الجمال، وتيمة الجمال في نصوص الديوان واضحة للعيان على نحو ما بيّنا. وقد أثبتنا من ذي قبل أن الرؤية الشعرية للزجال محمد لشياخ تستمد طاقتها من مفهوم الجمال، ولذلك كان منه انفتاح كبير على رموز الجمال، ومنها رمز الـﮕمره كما يتجلى ذلك في الأسطر التالية: ( آش دّير الــﮕــمره/ هامت الــﮕــمره شارده/ عايشين بلا ﮔــمره/ عيونها تكابر زين الــﮕــمره/ كلام مكتوب بلون الــﮕــمره/ منين يجيبوا لعباد ﮔــمره ثانيه/ لقى الزين منزوع من ضي الــﮕــمره/ زين البتول مثقاله ﮔــمره…)

2-2– النفس الحكائي:

نقصد بالنفس الحكائي الميل إلى صيغة السرد والوصف في قصائد الديوان. ذلك أن أغلب النصوص ينتظم بنيتَها حكيٌ يبلغ بالأحداث وضعية العقدة، فيختار الزجال بعد ذلك حلا من الحلول. ونستطيع أن نستدل على ذلك بمقاطع من الديوان مثل:

خرجوا لحصيده الرجاله

لقاوا الورد واقف

وقفة نباله

صاد الشرﮔــــي بصدره المشقوق

واللفحه على بيوت لقبيله[20].

في هذا المقطع يوظف الزجال حدث خروج الرجال إلى معترك “لحصيده”، فيجدون “الورد” قوة فاعلة تتصدى ببسالة للريح، والورد رمز للجمال كذلك، يمنحه الزجال في هذا السياق طاقة المواجهة.

وفي قصيدة “دسارة الندى” يحكي الزجال عن حركة “الندى” وخروجه متسللا إلى البيوت بحثا عن ضحية ما من أجل إغوائها:

يدخل لديور لعباد

يقلب ف ظلام

من مصريه… لمصريه

على بنت جميله محضيه

يراقصها ق لحلام

أما القصيدة الأخيرة فتنتهي حكاية “ذكر الريح” فيها بدفنه في “القبر المسجور”، وبذلك تنتهي قصة الصراع التي أشار إليها الزجال منذ مطلع القصيدة حين وظف لفظ “غاره” فقال:

غاره……غاره

ذكر الريح سرق طاره

قضى ليله ينغم دروب الحاره[21].

2-3- الإيقاع المتنوع:

الإيقاع في فن  الزجل من المقومات الجمالية التي أسالت مدادا غزيرا. وإذا كان أهل الملحون قد خضعوا لسلطة “القياسات” المتعددة، و”المرمات” المحددة في “المبيت” و”مكسور الجناح” و”السوسي” و”المشثب”، فإن الزجل المعاصر تأثر بالثورة التي شنها رواد حركة الشعر الحديث (الحر) على البنية الإيقاعية التقليدية، فزان قصائده بإيقاع متنوع مطرب للأذن ومغنٍ للوجدان والفكر. وقد ثبت أن الزجل المغربي عرف منذ القرن العاشر الهجري ثورة على التبييت والإيقاع النمطي من طرف الزجال ادريس المريني. والمتأمل لديوان “دسارة الندى” يجد أنه ينخرط في هذا الخط الثوري، مركزا على الإيقاع المتنوع الذي صار أسا من أسس بنيته النصية. فثمة روي متعدد كما يظهر في أواخر الأسطر، بيد أن بعض القصائد، مثل القصيدة الأخيرة “ذكر الريح”، اعتمد فيها الزجال على بنيىة ثنائية أو ثلاثية تقوم على وحدة الروي بين سطرين في غالب الأحيان، على نحو يذكرنا بالحبات المستعملة في فن العيطة وإن كان الفارق واضحا:

لبّسنا الخوف نعاله

باعنا ل زهوُه بدرهم هباله

 

 

الليله القلوب واقفه

ف محراب الذل تالفه

 

الخيل صهيلها مضوي لرجا

مرعّش ريش الطير ف المرجا

هذه البنية الثنائية، أو الثلاثية في بعض الأحيان، من سمات البناء الإيقاعي الذي يعتمده الزجال محمد لشياخ. وهو بقدرما يربطنا بأشكال فنية في التراث، نجده يعلن عن اختيار واع من قبل المبدع، يحرص فيه على سكب الإيقاع في شرايين نصوصه الزجلية، لأن الزجل بدون إيقاع كالحياة بلا ماء.

خاتمة:

يبقى ديوان “دسارة الندى” عملا زجليا زاخرا بالكثير من الملامح الفنية التي اتخذها الزجال محمد لشياخ وسيلة لتبليغ مقصديته. ويمكن القول إن “دسارة الندى” عمل فني يترسم خطاه بحزم وبتميز في عالم بدأت تدب فيه “دسارة الكتْبه”. وهو يستمد تميزه من فرادة معجمه، وعمق رمزيته، إضافة إلى جمالية صوره وتنوع إيقاعه. وللمبدع محمد لشياخ عمل آخر تحت عنوان “الحلمة.. كورال”، وفيه يستأنف رحلة الغوص في قضايا الإنسان والحياة والوجود متوسلا لغة عامية شاعرية تشع ببديع الصور والإيحاءات المفعمة بالدلالات المتنوعة. وتنفتح هذه الرحلة مع هذا الديوان الجديد “الحلمه.. كورال” على عوالم الصياغة الملحمية[22] التي ترجمت امتداد نَفَسِ الإبداع عند محمد لشياخ، فكان لزاما أن يمتد معه النص الزجلي لينفتح على عالم الأحلام/ الطموحات، هذا العالم الذي يشغل مساحة شاسعة في وجدان الإنسان وكيانه، ويدفعه إلى فعلِ الحركة بمختلف أصنافه وتجلياته قصد تحقيق المبتغى.

ولقد اختار محمد لشياخ للتعبير عن هذا العالم من الأحلام فعلَ الحركةِ الإبداعيةِ الذي يتوسل اللغة العامية الراقية، فيسبكها سبكا فنيا ينزع بها نحو البوح الملحمي الذي يتدفق معه فعلُ الكلام معلنا أنه في البدء كانت الكلمة، وفي الختم ستستمر  الكلمة.. وفي سيرورة هذه الكلمة سيستمر وجود الإنسان وإنسان الوجود. ونحن نعتبر هذا الملمح الفني الملحمي الذي وسم التجربة الزجلية عند محمد لشياخ في هذا الديوان الجديد استمرارا لأفضال قصيدة “نعمةْ لكلام” التي ضمها ديوان “دسارة الندى”؛ حيث يلمس القارئ ما يمنحه المبدع محمد لشياخ لفعل “الكلام الإبداعي” من قيمة في حياة الإنسان، بوصفه هبة من الله ونعمة منه[23]، وباعتباره سلاحا في يد المبدع يُشهره في وجه تناقضات المجتمع ومشاكله، ويضيء به أدغال النفس البشرية الحالمة، ثم يرسخ به القيمَ الجمالية والثقافية والإنسانية في أرض عطشى تُبَخِّرُ خيْراتِها أنفاسُ الطغاة الحارقة التي تحول دون تحقق أحلام الكائنات الشاعرية.

نهنئ صديقنا المبدع محمد لشياخ على حسن استثماره الفني ل “نعمةْ الكلام”، وعلى وميضه الشاعري والجمالي والدلالي الذي يرسله من عمق شغاف قلبه ليمنح عشاقَ الزجل فرصا ثمينة للاستمتاع والانتشاء.. والتفكر في حياة الإنسان. ونرجو أن تسمح الظروف بالعودة إلى العملين معا قصد ترسُّمِ معالم هذه التجربة الزجلية التي لها نكهتا الخاصة، تلك التي تستمد مفعولها من النفحات والجذبات “الْشْياخيّة”.

 

[1] الجراري عباس، الزجل في المغرب: القصيدة، مطبعة الأمنية، الرباط، 1970، ص546.

[2] لشياخ محمد، ديوان دسارة الندى، منشورات مطبعة وراقة تارودانت، الطبعة الأولى 2012، صص4-5.

[3] نفسه، ص8.

[4] نفسه، ص9.

[5] نفسه، ص15.

[6] نفسه، صص22-23.

[7] نفسه، صص24-26.

[8] جون كوهن، بينة اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال، 1986، البيضاء، ص110.

[9] الديوان، ص28.

[10] نفسه، صص32-33.

[11] نفسه، ص34.

[12] نفسه، ص36.

[13] نفسه، ص38.

[14] المعجم الوسيط، مادة (ب ت ل).

[15] الديوان، ص38.

[16] الديوان، ص46-47.

[17] نفسه، ص53.

[18] نفسه، ص54.

[19] نفسه.

[20] الديوان، ص6.

[21] نفسه، ص49.

[22] تبين ذلك العبارة ذات وظيفة التعيين “الأجناسي” التي أثبتت أسفل العنوان وهي: “ملحمة زجلية”.

[23] أطلق القدماء على فن الزجل اسم “الموهوب”، لأنه هبة ووهب don le، وشاع عنهم قولهم “منْ لا يحفظْ موهوبْ يبقى عقلو مقلوبْ”.

عن madarate

شاهد أيضاً

حوار مع الزجال حسن خيرة حاوره الشاعر الحَسَن الگامَح

حوار مع الزجال حسن خيرة حاوره الشاعر الحَسَن الگامَح   ورقة عن الزجال حسن خيرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *