الرئيسية / دراسات / تأملات مع الشعر (الجزء الثالث) – إسماعيل هموني

تأملات مع الشعر (الجزء الثالث) – إسماعيل هموني

 

7) الشعر الرؤيا

تتكشف الرؤيا من وراء حجاب؛ كأنها رؤية من الغيب. وبذلك لا يكون الشعر مؤطرا بالغرض قدر ما يكون نفاذا إلى اللامرئي. وليس معناه

العودة بالشعر إلى السحر والتحريف أو التخريف؛ بل الرؤيا كشف البكارة الأولى للكون؛ أي البدء الذي فقدناه ونحن نعتور العالم.

إنها العبور إلى التجدد الذي طمس في الحس والوجدان الشعري حتى أضحى بداهة أنهكها التداول اليومي.

لا يخفى أن المعنى مادة شعرية لكنها لا تكون مخصوصة بالشعر حتى تحولها الرؤيا من الراكد إلى المتحرك ثم من المتداول إلى الغامض الشفيف. فالغموض مساحة الرؤيا حيث ريادة الإبداع تبدأ بالخارق الذي

يهمس بتحولاته في هندسة النص وشكله في سيرورة داخلية جدلية تقوم على المحو والكشف؛ وتنتقل من المعلوم إلى المجهول.

الرؤيا كتابة تقطع مع مقابلها الماضوي؛ تبتعد عن منطق الخطابة والنموذج الصوتي معرفيا وتعبيريا. أي؛ لا تضع حوافرها موضع من سبقها؛ ولا تستسلم لمبدأ ما جرت به العوائد؛ ولا تقدس ما مضى؛ ولا تبجل ما هو كائن سوى من خلال أثره الجمالي في ذاته وغيره.

الرؤيا سؤال وجودي/شعري؛ أساسه: كيف أكتب؟ وليس كيف أخطب؟

8) المتخيل الشعري

الخيال انعتاق من الأسر؛ حرية الذات. لا تمرد في الشعر من غير ثورة في المتخيل. أي؛ استقلال تام عن هيمنة ورعاية العقل. فالتخييل ليس تهويما أو تهوينا من سلطة التعقيل؛ بل هو منجز الشعر الحقيقي.

ليس صورة من الوهم عن عالم لا نعلمه؛ لكنه هو العالم الذي يباعدنا عن العالم نفسه.

فالشعر خيال حي مفارق للحقيقة المجردة كما هي في المعطى الخارجي عن الذات الشاعرة. إنه عالم الامتداد في أبد لا أفق له؛ تلك هي” الرؤية المقدسة “الكامنة في لغة الشعر المجازية التي تدرك

التحولات الذهنية والنفسية في الشاعر نفسه.

إنه “أخطر النعم” التي تقود الذهن البشري الى الابتكار، والخلق، والخصوبة في التصوير، والدقة في التعبير.

إنشاء بين الحس والسيرة الوجدانية للشعور البشري حيث تنشأ معرفة جديدة متخلقة من الناشئ لا يدركها العقل المسدود بالمعيار.

تلك قوة السحر في اشتغال لغوي مفارق للسائد أو الكائن؛ والعابرة لأعراف الكلام.

من يقرأ اليوم جبران والشابي بالخصوص يجد في منجزهما الشعري لغة مدهشة حد المفارقة العجائبية في سياقها التاريخي؛ كأنك تدخل معهما (مدينة الخيال) محفوفا بالملائكة الأخيار.

ويكاد الشابي في كتابه الجليل (الخيال الشعري عند العرب) أول من قدم طرح متكاملا غن المتخيل الشعري برؤية شعرية إنسانية لا تخفي مرجعيتها الرومانسية؛ وبوعي شعري متفرد وأصيل.

9) الشعر: كلام الماء:

لا قيثارة للشعر سوى الماء؛ خيوطها الأنهار؛ والبحار؛ والغيم؛ وابقي من عطش الانسان في قعر الجرار. عمقها المجاز السائل الذي ينساب؛ من غير ترهل ولا تعثر؛ من تجانس الإيقاعات كأنه ينبوع صاف لا تصادم بين ذراته وهو ينحدر من شلال الخيال.

في الشعر تتضاعف المياه داخل الحياة بذهول ماتع؛ ترى سيولة الكلمات تنهل من رغائب الوجدان ببساطة كأنها اللجين الرقراق.

يرشدنا الماء إلى موسيقى الشعر؛ نسمع عمق الأصوات من فواعل الحياة. أي؛ نعيش الشعر سقيا وروية من خلال الأسرار الخبيئة في الكلام.

حين نسير بخفة إلى الأقاصي أو التخوم نصل إلى البدايات الأولى التي غشيتها الأتربة وتراكمت عليها حجارة الحياة حتى أخفت عنا جريان النهر الذي هو أول التجذر؛ وبدء الشلال.

إن المدود التي نجدها في الأصوات؛ هي في الحقيقة؛ مدود مياه ترتاح فيها النفس البشرية في تصاف روحاني قل نظيره. كأنه صلاة خاشعة في محراب النور.

الشعر؛ إذا؛ كلام الماء في غسق الخيال.

10) الشعر.. فيوض المعنى؛

يخترق الشعر كل غامض يركن إلى الحجب يتسلل إليه كأنه يريد أن يكون صوته أو لسانه الأبدي. أي أن المعنى فيه فيض وتبادل وتفاعل بين الخيال والفكر.

الشعر فتنة المعنى؛ فيه أسراره؛ وتيهه؛ لا يرتجي الوصول ابدا؛ بل يروم السفر الأبدي في اللغة الثانية. أي؛ المغامرة في لجي المجاز.

المعنى في فيوضه مترحل؛ يحاذي المخاطر؛ ولا يأبه للمضايق؛ لأنه مغامرة تتوغل في أقانيم السحر والغموض. تلك هي اللغة السامية التي تسكن الأعالي؛ والتخوم اللانهائية. فالمعنى هنا لا نحده ابدا؛ ولا استقصاء له.

الفيوض ظلال هاربة من اللامحدود وإليه. أي؛ ما لا نراه إلا تخيلا؛ لأن الفيض ما اخترق التاريخ؛ وتصادي في الأحلام؛ وتسارر في الوجدان.

هي رحلة مدهشة بين الحلم والوعي؛ وهي ما يجترح اللذة عند المتلقي في حوض المعنى استحضارا وتجاوزا لحدود الشعر القصية.

 

شاعر وباحث من المغرب

 

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *