الرئيسية / دراسات / تأملات مع الشعر (الجزء الثاني) – اسماعيل هموني

تأملات مع الشعر (الجزء الثاني) – اسماعيل هموني

4) الشعر والترحال:
هل يترحل الشعر؟ هل يفتح باب خيمته على النثر؟
لا شك أن الشعر كائن متحول؛ لا يستقر على حال. يلازم التنقل من أرض إلى أرض؛ لا تمنعه حدود؛ ولا معايير جمركية.
ليست الأشكال من تحدد الشعرية فيه؛ بل التحول من علاقات لغوية إلى تغايرات في الدلالات تنجز لغة جديدة، تلك هي النقلات النوعية التي تحدث أثناء الترحال. فليس النص، ولا القصيدة، ولا الكتابة؛ ولا غيرها من يحقق الشعرية للشعر؛ بل المؤكد أن تخلص الشعر من القيود وسعيه الحثيث نحو الحرية؛ وصدقية خوالجه الذاتية هو ما يفرد الإبداعية فيه عن غيره. لذا سيظل الشعر مقيما في ترحاله؛ باحثا عن الاستقلالية قائما في ذاته، ومنقطعا عن غيره. إلا أن رحلته لا تقوده إلى الانعزال عن الحقول المعرفية الأخرى التي تقاسمه النزعة الانسانية والتفكير النزاع نحو الخلق والابتكار.
لن يتماهى الشعر مع النثر؛ ولن ينكفئ عنه بحجة المفارقة والاختلاف؛ بل هما معا مدعوان إلى الترحال المستمر نحو المدهش والمجهول سعيا منهما إلى الجمال والخلود الجدي في عمر الإبداع البشري.
الترحال هو توغل في الشعرية حتى تخوم المجاز؛ أي انتفاء القطبية بين الشعر والنثر إلى مستوى يفرض الانتظام في سلم واحد من المغامرة من غير أحادية مقيتة. أي أن الترحال هو تعدد في الانتماء من غير ولاء سوى للشعر نفسه.
5) شعرية التجاوز:
تربك المعنى المتداول؛ وتشتت مستويات اللغة على غير النحو السائد. لا تقر للنموذج بالاعتراف؛ ولا تتكئ على منوال سابق؛ تجترح المغايرة منفذا للقول. لم يعد للبداهة فيها حيز؛ بل تعتمد على المراس والتثقيف سبيلا نحو
الكتابة الشعرية. أي أن الشاعر يصنع معناه ومبناه على كيفياته بما يحقق اختلافه عن غيره؛ ولا ينبغي له الركون إلى المشترك العام.
الشاعر هنا تجربة ذاتية مخصوصة لا تشبه سوى نفسها؛ بل تتغاير عنها من نص إلى آخر حيث يصير الشاعر نفسه موضع الفتنة وضربا من المشاكسة يخرق الإجماع؛ ولا يكترث بالرضا العام. وتحرص شعرية التجاوز على إظهار طاقة الإبداع في النص؛ وتوتير التجربة الشعرية قصد بلورة مفهوم مختلف للشعر ودوره في الحياة. شعرية مزعجة حد القلق؛ تبحث عن السؤال المؤرق؛ ولا تنشغل بالجواب الجاهز. لأن نصها لا يركن إلى الوضوح بل هو سعي حثيث نحو المجهول واللامرئي. تجربة فيها الكد الفكري الذي يفوق الطبع والفطرة؛ لأنها تقوم على لغة جديدة مفارقة لما كان؛ ومعنى ملتبس لا يمنحك نفسه إلا بعد طول مراودة؛ ومذهب شعري يحفظ نفسه عن المماثلة مع غيره مادام غيره ساكنا لا يبرح متردمه.
6) بين الشعر والنثر
رغم الحدود الفاصلة بين الشعر والنثر؛ والقيود المانعة للمعانقة بينهما؛ وسعي سدنة القطع والبتر من النقاد إلى توسيع جدار الفصل العنصري بينهما سيظل شيء ما يقول إن هناك من التواشج والتماهي بينهما ما يحول دون الفصل الممنهج بحد رؤية حراس الحدود.
تمت قولبة الشعر في الإيقاع والوزن باعتبارهما جوهرا مائزا له عن النثر خاصة عند الإنشاد أو الإلقاء وعند الغناء والترديد. لأن الصوت هنا عدة الميز؛ وعمود الرهان في التجنيس. ولئن اعتبر النثر مادة الكلام العادي؛ ينقل المعنى بوضوح لا شية فيه لا يحق له الترنم أو التنشيد. لا تسمع له قافية ؛ ولا لازمة لأنه جاء
للتواصل والتعبير عن الحاجات والضرورة الحياتية التي تقوم على النفعية والانقضاء الفوري.
غير أن التأمل يعيد الاعتبار للخفي بينهما؛ والمنهوك الذي اجتزئ منهما ليخلص إلى رأي يرى فيه أن التمايز في الهوية لا يلغي أبدا الجوامع المشتركة في الجوهر. أي؛ أن الشعر والنثر عنصران يصدران عن مخيلة لا تخفي سطوتها على الحدود؛ وتمردها على أفعال التجنيس.
فأنت ترى في النثر الفني من الشعرية الخلاقة ما يفوق أشكال النظم أو الوزن في تعامد بين الجمال والخيال. بل لعل قارئ القرآن الكريم؛ وهو صفوة القول الرباني المبين، يجد فيه من الجمالية المدهشة
النابعة من الأبنية اللغوية التي أعجزت فطاحل المعلقات. بل قد يعانق الشعر والنثر في ضرورات وجدانية توسع البلاغة الوجدانية مساحات لم يعلمها نقاد ظلوا عسسا على نقاء الجنسين.
لعل الناظر في متون أهل التصوف من أمثال النفري؛ وابن العربي؛ والحلاج؛ والبسطامي وغيرهم من أهل العرفان يجد هذه الوشائج الجمالية المفقودة عند غيرهم من أصحاب الجمارك.
تلك لعمري ميزة تدعونا إلى إعادة النظر في مدونة البلاغة العربية؛ وعمود شعرنا؛ لأن الحلقة المفقودة؛ إلى حد اليوم في الثقافة العربية؛ هي المرجعية الصوفية: ذوقا؛ ورؤية؛ وتنظيرا.

شاعر وباحث من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *