الرئيسية / دراسات / تجربة الاستنارة في رواية ” الظل الأبيض” لعادل خزام (قراءة عاشقة) – لحسن ملواني

تجربة الاستنارة في رواية ” الظل الأبيض” لعادل خزام (قراءة عاشقة) – لحسن ملواني

 

تجربة الاستنارة في رواية ” الظل الأبيض” لعادل خزام (قراءة عاشقة) – لحسن ملواني

قرأت الرواية مشدودا إلى أحداثها متعاطفا مع بطلها الذي عشت معه تجربة الاصلاح الذاتي والنفسي ، وكأنَّ الأمر الذي استبد ببطلها يعنيني ، رواية تتخذ من البحث عن التنقية والاتزان النفسي موضوعا لها ، وتدفع بقارئها للتأمل وإعادة النظر في كثير من السلوكيات المكدرة لحياة الناس ، والرواية تحمل تجربة صوفية روحية عبرها يحاول البطل  تطهير نفسيته المثقلة برتابة العمل اليومي المكرر . لذا ، فهي رواية تحمل استنارة وبحثا عن الخلاص من أغلال عمله الذي حوَّلهُ إلى ما يشبه آلة لاقيمة لها ، وقد أوْجدَ الكاتب في أحداث الرواية ما يُسْعِفُه في ذلك متخذا من شخصياتها عونا وإسعافا ومنفذا من خلاله يستطيع أن يصل إلى مبتغاه الذي سيتحدد من حيث لا يدري ، إذ كان التقاؤه بمخلصته صدفة ودون سابق استعداد، وحين تقرأ الرواية تعيش عالمين ، الأول تجري فيه الأحداث ، ووالثاني يحملك لتعيش ساكنا ثابثا متأملا من أجل استيقاء روح جديدة ، أو من أجل تصفية روحك المثقلة بأدران الهموم اليومية.

من العادي الرتيب إلى الجديد المفيد

الرواية تنقلك من العادي نحو الغريب ، من المعروف إلى المجهول من خلال شخصيات نادرة الوجود في المجتمعات البشرية ، شخصيات تشتغل في سرية تامة ، وغايتها القصوى تنقية الروح وولوج عوالم الصفاء من أجل حياة بديلة للحياة الغارقة في الشهوات الفانية والمهلكة للإنسان.

والرواية من هذا المنطلق رواية يمكن إدخالها فيما يمكن أن نسميه بالرواية التربوية ، رواية محبوكة بلغة من قبيل السهل الممتنع ، لغة لا تخلو من شاعرية علما أن الكاتب شاعر قبل أن يصير روائيا.

توصيفات الكاتب للأماكن والشخصيات جميلة مقنعة وفق حبكة متينة تجعل القارئ مشدودا إلى وقائع وأحداث الرواية، فبمجرد البدء في قراءتها تتوغل في دهاليز أحداثها شيئا فشيئا، وما يجذبك في ذلك كون كل حداث يستتبع ما ليس متوقعا في الغالب. علاوة على سرية أغلب الأحداث ، الأمر الذي يستميلك لمعرفة بعضا من أسرار أناس يعيشون في هامش المجتمع بعيدا عن الأماكن العامة ـ يرون ما لايراه غيرهم، مقتنعين بالسير نحو اكتشاف جديد للذات والوجو بصورته الأخرى، وبشكل يجعلهم يستنيرون فلا يتأثرون بما نتأثر به، ولا يستجيبون لما نستجيب له بسهولة وبدافع من شهواتنا المضللة باعتبار ذلك  تافها لا يستحق المبالاة والاهتمام.

عنوان مختصر للهدف من الأحداث

عنوان الرواية مناسب لبسطه لظلاله على أحداث الرواية ارتباطا بصاحبة هذا الظل ” نور ” التي جعلها الكاتب الفاعلة الموجهة من حيث تحريك الأحداث والربط بينها لكونها صلة وصل بين بطل الرواية إبراهيم وزوجها المعلم برهان وشخصيات أخرى ، و قد حدد الكاتب مدار الأحداث ووجهتها بالعبارة الموضحة للعنوان (تجربة في الاستنارة)، والعنوان بهذه التركيبة يعكس بصدق محتوى الرواية، عكس بعض العناوين التي يقتصر دورها على الإثارة والتلميع  بعيدا عن لُبّ أحداث الرواية .وإذا كان العنوان كذلك ، فإن  صورة الغلاف لم تكن في مستوى ما تعكسه أحداث الرواية موضوعا وأسلوبا ، فقد جاءت بورتريها لكاتب الرواية عادل خزام ، في الوقت الذي يُنْتَظر أن تاتيَ لوحة تشكيلية ترمز و تلخص مضمون الرواية بشكل فني عميق.

أحداث للتصفية والانعتاق

تدور أحداث الرواية حول رجل استبدت به رتابة العمل اليومي ليجد بداية الطريق إلى السكينة والطمأنينة بمصادفته لصاحبة الظل الأبيض ” نور” وزوجها برهان اللذين حملاه على الخضوع لاختبارات روحية تأملية نجح فيها عكس الكثيرين غيره ، وقد مكنه ذلك من معاشرة الزوجين حتى موتهما ، ويرث من إبراهيم مجموعة من الأوراق التي تحمل نهجه وتأملاته في الحياة ، وتبقى ذات الظل الأبيض قابعة في أعماقه لا يستطيع نسيانها.

هكذا تصور الرواية رحلة بطلها عبر كثير من المحطات واللقاءات والأماكن،  وتنطرح عليه أسئلة وجودية بصدد حياة وموت ومشاعر وأسرار النفس البشرية…

ولم ينْسَ الكاتب ربط أحداثها بأماكن وأحداث تاريخية معلومة وحقيقية، وتوزيع أحداث الرواية على 17 فصلا مرتبطة ارتباطا مبررا ومقنعا يعكس مدى تحكم الكاتب في أدوات الإبداع السردي علاوة على جمال أشعاره.

جاءت الرواية نوعية الموضوع غريبة الشخصيات، تحاول أن تقدم نظرة وفلسفة الكاتب إزاء الواقع والحياة، وتذكرك وأنت تقرأها بدروس  ودورات التنمية الذاتية الكثيرة الانتشار اليوم ، ففيها يحاول الكاتب أن يرشدنا إلى ما يمكن القيام به  للتخلص من المنغصات التي نصادفها في حياتنا يوميا ” لا يحتاج الموضوع كله إلى فلسفة ،فقط عليك أن تواصل الجلسات صباحا ومساء، وسوف تجد أن ما يحدث لك طيلة اليوم لا يؤثر بك مهما كان نوع الحدث الذي تتعرض له أو الكلام  الذي يقال لك أو ما تشاهده ، أ،ت الآن تملك القدرة على فهم طبيعة عمل البدهن الذي يتلاعب بالشر ويجعلهم يميلون إلى هذه الجهة أو تلك إلى تجنب الألم أو إلى الميلان ناحية تحقيق اللذة الآنية الزائلة” ص 101.

وقد قضى الكاتب ـ كبطل ـ أربعين يوما صامدا خاضعا لأوامر وتوجيهات وتعليمات برهان ونور، متأملا من أجل اكتساب استنارة حولته ليصير حكيما يعود إلى عمله بشخصية صلبة قوية لا تؤثر فيها أحداث وأفعال وأفكار تؤثر في العامة .

وعبر تمارين ومقابلات وحوارات يحاول الكاتب الإجابة عن أسئلة لها علاقة بأعماق الذات ومجاهيلها ، والهدف كشف ما يرهقها ويثقلها ، ولعل إيمانه ووثوقه بالخلاص هو الذي جعله يتحمل كل التمارين التي يكلف بممارستها في رحلة متعبة تقتضي الصبر والصمود. ولولا جمال الوصف وحسن التخلص من حدث إلى حدث،علاوة على التشويق في سرد الأحداث لصارت الرواية كتابا فلسفيا يقدم أفكارا جامدة تخاطب العقل فحسب.

الرواية تحمل الكثير من الخطابات التي لها علاقة بالاستنارة والانعتاق من وحل المتاعب اليومية ، فهي رواية ممتعة ومفيدة في ذات الوقت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هامش

+ رواية “الظل الأبيض (تجربة في الاستنارة) ” تأليف عادل خُزام، شاعر وأديب إماراتي  ـ الطبعة الأولى 2013، كتاب مجلة دبي الثقافية ، الإصدار 76 ، وتتألف الرواية من 202 صفحة من القطع المتوسط.

 

كاتب من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *