الرئيسية / دراسات / تجليات التصوف في ديوان شاعر الملحون الشيخ إدريس بن علي السناني – عز الدين المعتصم

تجليات التصوف في ديوان شاعر الملحون الشيخ إدريس بن علي السناني – عز الدين المعتصم

تجليات التصوف في ديوان شاعر الملحون الشيخ إدريس بن علي السناني عز الدين المعتصم

 

تقديم

حقّق الشعر الملحون طفرة نوعية على مستوى موضوعاته وخصائصه الفنية، ولم تكن هذه الفرضية مجرد ظن نشأ في الوهم، ولكنها حصيلة فعل تأملي في نصوص دواوين الملحون المغربي الصادرة عن أكاديمية المملكة المغربية، حيث بلغت التجربة الإبداعية ذروتها عند شعراء متميزين أمثال: عبد العزيز المغراوي والجيلالي امتيرد ومحمد بن علي العمراني ولد أرزين وعبد القادر العلمي والتهامي المدغري وأحمد الگندوز وأحمد الغرابلي والسلطان مولاي عبد الحفيظ ومحمد بن علي المسفيوي الدمناتي وأحمد سهوم والحاج إدريس بن علي السناني الملقب بالحنش.

ومن هذا المنطلق تروم هذه الدراسة البحث عن تجليات التصوف في ديوان الشيخ  إدريس بن علي السناني، من باب التأكيد على القيمة النوعية التي اكتسبها الشعر الملحون الصوفي، حيث غدا يحفل بجملة من القضايا والمضامين الأكثر تأثيرا في الوجدان المغربي، ومن أهم هذه القضايا “ظاهرة التصوف” التي ترتبط ارتباطا وثيقا بمفاهيم العشق الإلهي والخمرة الصوفية والفناء في الله. وقد وجدت هذه المفاهيم طريقها إلى قصائد الملحون الصوفي، وانسجمت مع منظورها الذي يميل إلى الرمز والانتقال بالمتلقي إلى عوالم فسيحة الأرجاء. وهذا التحول يقتضي منهجيا إبدال الرؤيا إلى قصيدة الملحون.

1-  حول الشعر الملحون

إن التراث الشفهي المغربي إبداع إنساني عريق يقوم على طقوس كلامية تتصل بالحياة اليومية، وترسم في غناها وتنوعها العديد من الدلالات والمعاني الرمزية التي تنمو وتتحول داخل وجدان جمعي مشترك. وفي عمق هذا التراث الشعبي اللفظي، تشتغل مجموعة من التعبيرات الشفهية على الذاكرة واللسان بوصفهما يشكلان الحافظة الجمعية التي بات الاعتماد عليها أمرا ضروريا لصون هذه الإبداعات القولية. ومن أهم أنواع التراث الشفهي المغربي نجد الشعر الملحون الذي أثار اهتمام العديد من الباحثين، فأخذوا في مقاربته، وتحديد معناه الشيء الذي أفرز تعاريف عديدة. وذلك راجع لاختلاف وجهات النظر، وغالبا ما يقف الباحث -في دراسته لهذا الشعر الشفهي- أمام افتراضين مصدرهما معنيان من معاني اللحن، هما الغناء والخطأ النحوي.

لقد تحركت مخيلة شعراء الملحون بين العامي والمعيار، فكانت واعية بأن مجال المتخيل الشعري والغنائي لا يستقيم بدون فتح المحاورة والتبادل بين اللغتين من جهة، وبين الفكر والمخيلة والمرجع من جهة أخرى. وتبعا لذلك كان معجم الملحون ذا غنى ملفت للنظر ومثير للدهشة في بعض الأحيان بسبب الخصوصية الفائقة التميز التي عرفت تركيبة الجملة، واختيار الألفاظ والربط بين الصور، ووضع الاصطلاحات المنسجمة مع فضاء العامية المتداولة في التخاطب والنظم والإنشاد والتقعيد. بيد أن الأمر يقتضي وقفة تأملية عند طبيعة اللغة المستعملة في قصيدة الملحون، ففي هذه اللغة تكمن أصالة القصيدة، وموطن قوتها وجمال ومصدر تميزها. فإن عبقرية شاعر الملحون يمكن اختزالها في قدرته على خلق عالمين في آن واحد، وهما: عالم الشعر وعالم اللغة. لأن لغة قصيدة الملحون ليست على الإطلاق لغة العامة من الناس، كما أنها ليست هي اللغة العربية المعيار، بل هي لغة ثالثة، وظف فيها الإبداع الشعري اللغتين معا.

إن لغة الملحون تكونت من خلال الانزياح عن العربية المعيار والعامية على المستويات الأربع: معجما وصرفا وتركيبا ودلالة. الشيء الذي يستدعي قراءة قصيدة الملحون قراءة جادة وفاحصة قادرة على الخروج من اللفظ (الدال) إلى المعنى وإلى معنى المعنى؛ أي اعتماد كل أشكال القراءة ومستوياتها، من القراءة المباشرة إلى القراءة التركيبية التأويلية، مما يكون دليلا على تركيبة القصيدة وعمقها الدلالي وشحنتها الجمالية والفنية. وهذا الأمر يجعلنا نقر بأن الشعر الملحون يمثل ملامح خطاب ميتا لغوي (فوق لغوي)، أي لغة داخل القصيدة تتحدث عن القصيدة ذاتها، وهذا ما يعكس وعيا فنيا نقديا جديرا بالتأمل والدراسة. وبذلك، فإننا نعتبر شاعر الملحون مثقف عصره، حتى وهو ينتمي اجتماعيا واقتصاديا إلى الفئات الشعبية العريضة المتواضعة، فإنه ينتمي ثقافيا إلى فئة المبدعين والمفكرين، الذين يتجسد فيهم الوعي الجمعي لأمتهم وجماعتهم. فالشعر الملحون بما يمتلكه من مقومات وخصائص وخصوصيات، هو رافد من روافد الشعر المغربي.

وإذا كان الشعر الملحون “يدخل ضمن الأشكال البسيطة، فليس هناك معيار أو ضابط جمالي واحد في المجتمع، بل معياران، بحيث لا يمكن قياس الآداب الرسمية والعالِمَة بالآداب الشعبية”

. ولعل عمق الفكرة، هنا، أن الأنماط الخطابية متنوعة، ولكن هذا التنوع وإن أفضى إلى تعدد، فهو يؤول في نهايته إلى خطاب واحد، وهو الخطاب الاجتماعي.

والشعر الملحون باعتباره صنفا شفهيا يشكل صيغة ثقافية للتواصل ، تجلي تركيبة وجدان الإنسان العادي، وتعكس ضميره الفردي بما هو ضمير جماعي، وتنقل سيكولوجية الجماعة التي يتم تداولها فيها، لأنها تحيا وتتحرك في المكان وفي الزمان، وفي تحركها تغتني وتتجدد وتنتشر، وفي ديناميتها تراكم شروط إنتاجها وطقوس تلقيها، إضافة إلى حفاظها على القيم الجمالية وتطويرها للغة.

ولعل هذا الثراء اللغوي جعل الشعر الملحون يحظى بمنزلة خاصة في الثقافة المغربية لأنه “يطرح انتصار اللغة الأم والهوية الأولى التي تشكل وجود الإنسان المغربي، باعتباره خزانا لأشكال ثقافية تمتلك سندا شرعيا وتمثل هوية أصيلة” ، إضافة إلى كونه يمثل ظاهرة اجتماعية تتجاوز النطاق الأدبي والفني الضيق لترتفع إلى مستوى أكثر إشراقا وشمولية، فتهم العالم الاجتماعي والمؤرخ والباحث في تطور الأفكار والمهتم بالتراث الشعبي، لأنه رصيد حافل، ومعين خصب، يرفد التاريخ بالحلقات المفقودة ويمد اللغة بما فات تسجيله على الرواة. كما يصور وجدان الشعب ومشاعره، ويمدنا أيضا بمعلومات وافرة، عن الأعراف والتقاليد المشبعة، كما يطلعنا، في الآن نفسه، على طرائق العيش ومؤالفة المحيط الاجتماعي.

يعد الشعر الملحون الصوفي نوعا خطابيا قائما بذاته، وشعريته تندرج “ضمن أدب يشكل أسلوبا أو جنسا أدبيا رابعا بعد القرآن وحديث الرسول والشعر، لأن الأمر يتعلق بخطاب إشكالي تتحكم فيه ثنائية السماء والأرض، العقل والقلب، المادة والروح، العادي والخارق، الله مصدر الصفاء المطلق والإلهام المطلق، والإنسان الذي يعبده بهذا الإبداع الرابع، الثاوي في سلوك القوم وإيمانهم وكراماتهم” . الأمر الذي جعله يكتسي أهمية بالغة ضمن الفكر المغربي، لكونه يلعب دورا هاما في معرفة المخزون الفكري والثقافي، فهو يتضمن تصورا ما وفلسفة معينة، وهو مجمل الخطاب الذي يؤسسه حول الوجود والمعرفة والإنسان.

انطلاقا مما سبق، نستشف أن الشعر المحلون يعد من أهم القضايا التي تستأتر باهتمام الباحثين والدارسين، على الرغم من كونه يمثل تجربة إبداعية انبثقت من وسط شعبي، يشكل الحرفيون قاعدته الواسعة، إنتاجا وتلقيا. فهؤلاء استطاعوا إنتاج قصائد زاخرة بالرموز والإيحاءات مكونة فضاء سفر في الزمن النفسي، بحيث يصبح كل مكون من مكونات العالم الخارجي جزءا من صورة العالم الداخلي للشاعر، وحلم اليقظة الذي يصبو إليه. ومن ثم، ينبغي الارتقاء بهذا الشعر، باعتباره الذاكرة الحقيقية للمغاربة كما يعيشونها بتلقائيتهم اليومية، فهو أقرب من نبض الجمهور وألصقهم بواقعهم وتاريخهم. فنحن في حاجة إلى دراسته باعتباره يختزن التاريخ الاجتماعي للمغرب، وما يتمتع به من أنواع ومظاهر القيمة، نظما وإنشادا، مما يجعله مؤهلا بامتياز للتقاطع مع العديد من فنون القول، والتفاعل مع الكثير من ضروب الإبداع.

2-  نبذة عن الشيخ إدريس بن علي السناني

الشيخ إدريس بن علي السناني هو والد الفقيه المدرس المؤلف محمد الراضي السناني وأخ الشاعر قدور الحنش، يقول عنه العباس بن إبراهيم في “الإعلام بمن حلّ بمراكش وأغمات من الأعلام”: “هو إدريس بن المقرئ علي بن علي بن الغالي بن المهدي بن محمد الطاهر بن الراضي المالكي البكري المدعو الحنش”. ويذكر عبد القادر زمامة أن “كلمة الحنش ليست لقبا شخصيا للشاعر ولا لآبائه، وإنما الأمر يتعلق باسم الدّوار الذي كانت تسكنه أسرة الشاعر”. وزاد بأن دوار الحنش يوجد بقبيلة بني مالك العربية المستوطنة بالغرب، فكان ينبغي أن تزاد في الكلمة ياء النسبة، لأن الأمر يتعلق بنسبة أسرة إلى هذا الدوار المعروف باسم الحنش .

يعد الحاج إدريس بن علي السناني المدعو “الحنش” أحد كبار أشياخ الملحون، ومن أبرز أعلام الفكر والأدب في المغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، إذ كان عالما مؤلفا وكاتبا بارعا وشاعرا مبدعا في المعرب والملحون. وكان شغوفا بمجالس العلم ومحافل الذكر في الزوايا والمساجد، ومصاحبة المنشدين والذكارة وأشياخ الشعر الملحون. ويبدو أن الشيخ إدريس بن علي السناني السناني كان له اتصال بالسلطان الحسن الأول الذي كان معجبا بملحونه. وقد برز إدريس بن علي السناني في مجال العلم بعد أن نال منه حظا وافرا بما تلقاه على يد علماء عصره؛ وكذا مجال الزهد والتصوف بعد أن تراجع عمّا كان ألفه، وغدا ملازما للزوايا ومجالس الوعظ والذكر. وقد كان الشيخ إدريس بن علي السناني فقيرا وحرفته الخرازة، بيد أن اتصاله بالسلطان الحسن الأول كان وثيقا، إذ كافأه مرة على قصيدة ساعدته على حل مشكل خاص كان يواجهه. ولعل القصيدة المعنية هي التي ساق ابن إبراهيم حربتها التي يقول فيها السناني:

قولوا لغزالي التّايهة روفي روفي

لاش ذا الجفا عطفي على الخليل

مالك على الرسام غافلة

أمشموم البنات الغزال فضيلة

وكان قدم لهذا البيت بما يلي: “لما وقع لجاج بين العلامة مولاي الكامل المراني وزوجته الشريفة المصونة السيدة فضيلة، أخت المولى الحسن، ذهبت عند أخيها ورفضت الرجوع عند زوجها بعد أن راودها بجميع أنواع الملاطفات، وبقيت حولا كاملا، فنظم الشيخ إدريس بن علي السناني قصيدة على لسان زوجها يستعطفها بذلك. فبمجرد ما وصلتها القصيدة  وعرفت ما فيها رجعت عند زوجها وطاب خاطرها”.

 

3- الحب الإلهي

يعد الحب الإلهي في الشعر الصوفي بمثابة المرآة العاكسة لمواجيد المتصوفة وإشراقاتهم، وتعلقهم بالذات العلية في أروع ما يتصورونه من كمال وجمال وخير وقدرة وعلم، ولا يمكن إدراك ذلك إلا من لدن أهل الذوق والعرفان. فهو غرض جل أشعار المتصوفة التي تدور حول العشق والوجد والفناء، ويقول الخواص في هذا الغرض: “الحب الإلهي هو محور الإرادات، واحتراق جميع الصفات والحاجيات” . وقد شكل هذا الحب موضوعا هاما لأرباب التصوف منذ عصر العابدة العاشقة رابعة العدوية، إمامة العاشقين والمحزونين التي قالت في الحب الإلهي:

أحِبُّكَ حُبَّين: حُــبَّ الهَـــوَى         وحُــــبّاً لأَنّـــــَكَ أَهْــــــلٌ لِــذَاكَــا

فَأَمَّا الَّذِي هُو حُبُّ الهَوَى         فَشُغْلِي بِذِكْرِكَ عَمَّن سِوَاكَـــا

وَأَمَّا الَّذِي أَنْــــتَ أَهْـــلٌ لَــهُ         فَلَسْتُ أَرَى الْكَونَ حَتَّى أرَاكَــا

فمَا الْحَمْدُ فِي ذَا، ولَا ذَاكَ         وَلَكِنْ لَكَ الْحَمْدُ فِي ذَا، وَذَاكَا

وقد تغنى المتصوفة بعد رابعة العدوية بالحب الإلهي، واعتبروه مقاما من مقامات السلوك الصوفي، أو حالا من أحواله. ولم يشذ الشيخ إدريس بن علي السناني عن سنن المتصوفة إذ قال:

لجْمَالكْ وبْهَاكْ شَاقْ قَلْبِي وبْقَى منْ لِيعْتُه متِيّمْ عَادْ مطْرُوحْ

حَارتْ فِيهْ اعْقُولْ جَارْحَة      رحْمُه ببْهَاكْ جُودْ بطْلِيقْ اسْرَاحُه

إن الحب الخالد هو أصل كل جمال في الكون ومصدره، بل إن جميع الموجودات قد استمدت منه وجودها. ومن ثمة يتصف الجمال الحسي الأنثوي في الشعر الملحون الصوفي بصفة السمو، فهو جمال استثنائي مفارق لما هو اعتيادي، فهو لا يكون مؤنسا أو ممتعا، بقدر ما يكون مذهلا ومحيرا. وفي هذا المعنى يقول الشيخ إدريس بن علي السناني في قصيدة “ربيعية 3”:

بَاتْ المَطْرْ الغْزِير ينـــزَل على الابْطَاحْ      حتى كَمْ منْ جْدَارْ منْ جَهْدُه طَاحُوا

وارْيَاحُه في البْهِيمْ تَهْجَمْ علَى الادْوَاحْ       والبَـــرْقْ في خلْفهَا يشَالِي برْمَاحُــه

واللِّيـــل علَى الجمِيعْ خيَّـــمْ بجْنَـــــاحُـــــه

يهدف الشاعر إلى مشاهدة الأنوار العلوية والإشراقات الربانية، فالبرق يرمز إلى اللوامع النورانية التي تدعو السَّالك إلى الحضرة الربانية التي تنير الوجود. كما أن الشروح الصوفية، التي اهتمت بفك الرموز الغزلية لبعض الأعمال الشعرية الصوفية، تساعد على كشف الدلالات الباطنية التي توحي بها عناصر الصورة الشعرية إلى جانب قرائنها اللفظية والسياقية. فالبرق –كما جاء في شرح ترجمان الأشواق– لمحيي الدين بن عربي “رمز لتوالي الإشراقات الربانية وتعاقب الأنوار الرحمانية، والليل رمز للحجب والآثار الظلمانية التي تحجب القلب وتمنعه من مشاهدة الأنوار العلوية” . إن البرق ليس مجرد حركة طبيعية تتصل بتحولات الجو وتقلباته، ولكنه يتصل بالنفس ويعبر عن أحوالها وتغيراتها الدائمة، لذلك فهو يجلي كل الغيوم، ويحرر من ضغط الهموم ولواعج الآلام التي تعتصر فؤاد العاشق. واللجوء إلى عالم الحس للتعبير عن عالم المطلق أمر واقع، ما دام الحس هو مصدر التخيل. فالجمال ملكة وموهبة كما هو الشأن لدى المبدين، ومن الإشراق كما هو الحال عند المتصوفة، ومن الحدس بالنسبة إلى أرباب المهن والحرف. إن “الله جميل”، يعني أنه سبحانه وتعالى قدير على جذب قلوب عباده برباط الحب، مستحوذ بمفرده على حواسهم. ويقول الشيخ إدريس بن علي السناني في قصيدة “الهاجر”:

سَــــلْتَـــكْ بِاللَّه يَـــــا الـــهَـــــاجْـــــــر      قَصّر مَنْ حَالةْ الجْفَى كِيفْ اجْرَى نُهْجَارْ

يَهْدِيكْ الله اخْلَاصْ منْ الهَجْرَة      خَــافْ مـــنْ الله يَـــا جَافِي رَسْـــم اعْشِيــــرُه

غير أن شاعر الملحون الصوفي مهما صدَّ عنه محبوبه ولم يبادله الهوى والحب، فإنه لا ييأس من بلوغ الهدف المنشود، فالصبح قريب، وهو لا يكفُّ عن الرجاء، مهما تكاثفت الدياجي وتلاحقت الظلمات، فالحبيب سيدنو منه وسيفوز بلقائه، وسينهل من مورده العذب ما يشفي غليله، ويزيل حزنه وشجنه. يقول الشيخ إدريس بن علي السناني المعروف بالحنش في قصيدة “زينب”:

آهْ علَــى منْ شَـــافْ وانْكْـــوَى بالجْمَر الّلهَّــابْ

منْ نَارْ العَشْق المُنِيرْ كيّ علَى جُرحْ اصْعِيبْ

جَــرْحْ بسِيفْ اسْقِيــلْ عَنْترِي مَسْقُولْ امْذَهَّــبْ

يتّضح أن حب الشاعر الإنساني قد امتزج وتداخل مع حبه الإلهي في معظم قصائد العشاقي ، فأفصح فيها عن حبه الصادق ومشاعره الفياضة وقلبه النابض الذي تصطليه حرارة الهوى، فتبدأ معاناته الروحية. ومع ذلك فلا شيء ألذ ولا أحلى ولا أغلى من أن يحترق الشاعر الصوفي بنار الحب الذي تتغذى منه نفسه وتمنح حياته ما هي له أهل من التوازن الروحي، الذي لا تكتمل لذة الحياة إلا به. ومن ثمة، نستخلص أن المرأة أذكت جذوة الإبداع الشعري وحفَّزت الشيخ إدريس بن علي المالكي على إنتاج أعمال شعرية متميزة في خصوصيتها البنيوية، وهكذا تعد المرأة رحيق الإبداع، في ذكرها حلاوة وفي أنسها طلاوة.

لا عجب –إذن- أن تكون المرأة حاضرة وبقوة في قصيدة الملحون الصوفية، فهي الرمز الذي يلوح به الشاعر ليعبر بواسطته عن ضعفه ونحوله وشحوبه. وهذا جزء من الاستغراق في الجمال الإلهي المتجلي في صور المرأة المحبوبة، لأنها هي الملاذ الأوحد لمن أهلكته الخطوب وجعلته يكابد الفواجع. من هنا، كانت المرأة، وما زالت، منبعا غزيرا لشعراء الملحون، وخاصة المتصوفة منهم، لتكون العلاقة بينهم وبين المرأة رمزا للعلاقة بالله.

 

4-  الخمرة الصوفية/ الأزلية

تنتسب الصورة الرمزية في الشعر الصوفي إلى ذي النون المصري الذي يعد أول من استعمل ألفاظ الكأس والشراب مجازا في هذا المجال . وقد سلك المتصوفة بعده مسلكه، فلجأوا إلى الصورة الخمرية لكونها تسعفهم في ترجمة مشاعرهم وأحاسيسهم الباطنية، فكانوا يشعرون بقصور اللغة عن حمل همومهم والتعبير عن أحوالهم ومشاعرهم، فعمدوا إلى استعمال بعض الوسائل التعبيرية القريبة من النفس مثل الأشعار الخمرية والغزلية، فأسهموا بهذا الأسلوب الجديد في إثراء اللغة وتوسيع آفاقها التعبيرية، وإخراجها من مأزق اللغة العادية القاصرة عن حمل الحقائق التي يفيض بها الحق على عباده فيضا سرمديا.

ونحن نرصد الظاهرة الصوفية عند الشيخ إدريس بن علي السناني، لابد من الإشارة إلى أن من الشعراء الذين استعاروا من معجم فن الشعر الخمري مفرداتهم، سلطان العاشقين عمر بن الفارض بخمرياته الشهيرة، وعلى رأسها “الميمية” التي لها مقام معلوم في محافل الأذكار، إذ شَقَّ هذا الشاعر الطريق لمن جاء بعده من الشعراء المتصوفة. لنقرأ هذا البيت الذي يربط المحبة بحال السكر، من باب التلازم الترتيبي في الموضوع:

شَرِبْنَا عَلَى ذِكْرِ الحَبِيبِ مُدَامَةً      سَكرْنَا بِهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تُخْلُقَ الكَرَم

إن الخمرة الصوفية تحقق للصوفي النشوة والغيبة عن العالم المادي المدنس ليرتقي إلى العالم المقدس، ومن ثمة، فهي تختلف عن الخمرة الحسية التي تفقد شاربها التركيز والتمييز بين الحلال والحرام، بين الجيد والردئ. يقول الشيخ إدريس بن علي السناني:

كُبْ أَسَاقِي كَاسْ الرْحِيقْ العْتِيقْ ورَادَفْ للْعْشِيقْ هَذاكْ اصْلَاحُه

بوْجُودْ اغْزَالِي صَابَغْ الشْفَرْ عَمّرْ كَاسْ الرَّاحْ

يستمد الشيخ إدريس بن علي السناني معنى السُّكْر والخمر والكأس للتعبير عن حقيقة التجربة الصوفية، وهذا كله ينم عن تطلعه المستمر إلى رضوانه تعالى، ليصل إلى قمة الانفعال ونشوته العارمة، ومن ثمَّ يظل في سكر حتى يفيق من نشوته. يقول الشاعر في قصيدة “الساقي2”:

ازْهَى وكُــبْ يَــا سَاقِــــي

واسْقِي اهْلَالْ عِيدِي صَابغْ الارْمَاقْ      لِيلَتْنَا بالحُسْن بَايْتَة رَايْقَـة

إن الخمرة التي ينتشي بها شاعر الملحون شبيهة بالخمرة الروحية لدى المتصوفة، فهي خمرة فاعلة دون خَمَّار، وشاربها يسقط صريعا، بين سكارى وما هم بسكارى. لينتقل إلى أرباب الوقار والتمكين. والتمكين – حسب المتصوفة – هو “عبارة عن إقامة المحققين في محل الكمال والدرجة العليا، فيمكن لأهل المقامات العبور من المقامات، والعبور من درجة التمكين محال، لأن الأول درجة المبتدئين، والثاني مستقر المنتهين، ويكون العبور من البداية إلى النهاية، ولا وجه لتجاوز النهاية، لأن المقامات منازل الطريق والتمكين قرار الحضرة”  . يقول الشيخ إدريس بن علي السناني قي قصيدة “أمينة”:

نَادَى وَقْت السْرُورْ كُبْ الكِيسَـــانْ      يَا الّلـــي بِكْ الخَاطْـــر هَانِي

الله ينْصُر صُورْتكْ يَا لالَّة بُوسَالفْ أَمِينَة

يتضح بجلاء أن شاعر الملحون إدريس بن علي السناني يغيب عن الواقع المحسوس عندما يحتسي كؤوس الخمرة الروحية، ليدخل عالم الحقيقة. وهكذا، فالخمرة التي تحدث السكر للشاعر الصوفي، ليست شيئا آخر غير الحقيقة التي تشرق في قلب العارف، فتدخله في غيبوبة ليتذوق نشوة السكر وحلاوة الوصال. وعلى هذا الأساس اكتسبت الصورة الخمرية عند المتصوفة أبعادا جديدة تختلف اختلافا كليا عما رسمه أهل الظاهر، فتكلموا عن كؤوس الحب المترعة، وغيبتهم عن الوجود في سكرهم، وأشادوا بالخيال، فهو أعظم شعائر الله على الله، “إذ لابد وأن نعترف بوجود مسافة بين عجز اللغة– أي اللغة العادية– وبين عظم التجربة وسموها، ومادامت تجربة المعرفة الصوفية كذلك، فإن الحديث عنها سيظل غامضا ورمزيا، يشير ولا يصرح، ويدور حولها ولا يجرؤ على تحليل لبها وجوهرها” .

إن رسالة الخطاب الصوفي متولدة عن التفاعل بين الشاعر والمتلقي، وعبر هذه الرسالة يتم الوصول إلى الحقيقة بحركة متعبة، هي محاولة استبطان البنية الرمزية للعالم، والنفاذ إلى حقائق الأشياء واختراقها باعتبارها حجبا نحو حقائق أخرى. لأن المرء كما يقول أبو حامد الغزالي: “إذا صفا قلبه، ربما يمثل له الحق في صورة مشاهدة، أو في لفظ منظوم يقرع سمعه، فيعبر عنه بصوت الهاتف إذا كان في اليقظة، وبالرؤيا إذا كان في المنام” . غير أن وصف هذا التفاعل، كما يذكر ادريس بلمليح ، يجب أن يرتبط بتوجهين اثنين في آن واحد: أولهما يدرس مكونات الفعل النابع من النص أو الكامن فيه، والثاني يهتم بأنظمة رد الفعل التي تتكون لدى المتلقي في إطار الوقع الجمالي الذي يحدثه فيه النص.

 

على سبيل الختم

انطلاقا مما سبق ذكره، نستشف أن الشيخ إدريس بن علي السناني استطاع أن يسمو بالشعر المحلون إلى أعلى مراتب الهذيان الروحي، مما جعله من أهم القضايا التي تستأتر باهتمام الباحثين والدارسين، على الرغم من كونه يمثل تجربة إبداعية انبثقت من وسط شعبي، يشكل الحرفيون قاعدته الواسعة، إنتاجا وتلقيا. فهؤلاء استطاعوا إنتاج قصائد زاخرة بالرموز والإيحاءات مكونة فضاء سفر في الزمن النفسي، بحيث يصبح كل مكون من مكونات العالم الخارجي جزءا من صورة العالم الداخلي للشاعر، وحلم اليقظة الذي يصبو إليه. ومن ثمة، ينبغي الارتقاء بهذا الشعر، باعتباره الذاكرة الحقيقية للمغاربة كما يعيشونها بتلقائيتهم اليومية، فهو أقرب من نبض الجمهور وألصقهم بواقعهم وتاريخهم. فنحن في حاجة إلى دراسته باعتباره يختزن التاريخ الاجتماعي للمغاربة، وما يتمتع به من أنواع ومظاهر القيمة، نظما وإنشادا، مما يجعله مؤهلا بامتياز للتقاطع مع العديد من فنون القول، والتفاعل مع الكثير من ضروب الإبداع.

 

بيبليوغرافيا

 

– أبو الحسن علي بن عثمان الهجويري، مرجع سابق، كشف المحجوب، تحقيق: إسعاد عبد الحق قنديل، دار النهضة العربية، بيروت، 1980.

– أبو حامد الغزالي، إحياء علوم الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ج.3، 1986.

– أبو نصر السراج الطوسي، اللمع في التصوف، تحقيق: عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، طبعة القاهرة، 1960.

– إدريس بلمليح، القراءة التفاعلية، دراسات لنصوص شعرية حديثة، دار توبقال، الدار البيضاء، ط.1، 2000.

– إدريس بن علي السناني، الديوان، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 2012.

– حسن الشرقاوي، معجم ألفاظ الصوفية، مؤسسة مختار للنشر، القاهرة، ط.1، 1987.

– حنان بندحمان، “اللغة والهوية، بحث في الزجل المغربي الحديث”، تنسيق ليلى المسعودي وآخرون، ضمن الثقافة الشفهية والتنوع اللغوي في المغرب، منشورات مختبر اللغة والمجتمع، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة، 2009.

– دان بين أموس، “مدخل لدراسة الأدب الشعبي- خطاطة أولية”، ت. عبد العزيز اعمار، المناهل، منشورات وزارة الثقافة، مطبعة دار المناهل، الرباط، ع. 54- 55،2001.

– عبد الكريم اليافي، دراسات فنية في الأدب العربي، مطبعة دار الحياة، دمشق، ط.1، 1972.

– عبد الله بن عتو، مقدمة للخطاب الصوفي المغربي الحديث، مطبعة الأمنية، الرباط، 2008.

– عبد المنعم الحنفي، العابدة العاشقة رابعة العدوية “إمامة العاشقين والمحزونين”، دار الرشاد، القاهرة، ط.2، 1996.

– علال الغازي،”شعرية التصوف، قراءة في كتاب التشوف لابن الزيات”، تنسيق علال الغازي وآخرون، ضمن أعمال الملتقى العلمي لتادلة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، بني ملال، 1993.

– عمر بن الفارض، الديوان، دار المعرفة، بيروت، ط.2، 2008.

– محيي الدين بن عربي، ديوان ترجمان الأشواق، تحقيق: عبد الرحمن المصطاوي، دار المعرفة، بيروت، ط.2، 2009.

 

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *