الرئيسية / دراسات / تراجيديا الموت في ديوان “شاهدة الأحبة” للشاعر إدريس علوش – المحجوب عرفاوي

تراجيديا الموت في ديوان “شاهدة الأحبة” للشاعر إدريس علوش – المحجوب عرفاوي

تراجيديا الموت في ديوان “شاهدة الأحبة” للشاعر إدريس علوش- المحجوب عرفاوي

إدريس علوش  كاتب شاعر من مواليد 1964 بمدينة أصيلة التي تقع شمال المغرب ، وهو عضو اتحاد كتاب المغرب ، وعضو في بيت الشعر  ، ويعد من الأصوات الشعرية التي لها حضور وازن في المشهد الشعري المغربي المعاصر ، ينتصر في شعره للحب والحق والخير والجمال ، وهي قيم كونية نبيلة تستهدف الإنسان باعتباره أهم قيمة في الوجود ، ويتوسل في كتاباته الشعرية  لغة فيها الكثير  من الاقتصاد اللغوي الذي يتناغم مع لغة الشعر التي تنهض على الكثافة .

ولهذا الشاعر منجز شعري هائل يفوق عشرين ديوانا نذكر منها:

– الطفل البحري  ( 1990 )

– دفتر الموتى 1998

– مرثية حذاء 2007

– فارس الشهداء 2007

– قفازات بدائية 2008

– الطفل البحري ثانية 2008

– قميص الأشلاء 2008

– زغب الأقحوان 2010

– يد الحكيم 2010

– جهات العدم المشتهى 2011

شاهدة الأحبة 2012

– باقة للوردة واخرى للقصيدة ( 2014 )

– سر الكتاب  ( 2015 )

– منمنات  ( 2022 )

عن دار النايا بدمشق صدر ديوان “شاهدة الأحبة” الذي يضم أربع عشرة قصيدة، يشكل فيها الموت بؤرة مركزية، بل إنه يمتد إلى ثنايا، النصوص ويسري فيها. والديوان في المبتدأ والمنتهى مقبرة شعرية يرقد فيها بشكل أبدي شخوص بسطاء يحبهم الشاعر كالميكانيكي والجـــار والموظف والجد وماسح الأحذية والمعطل والفلاح والبحارة، وشخوص أخرى يتقاطع معها في الإبداع الشعري كالشاعر أحمد بركات ومحمد الخمار الكنوني. وقد خلف غياب هؤلاء أحزانا وآلاما تنهش جسد الشاعر باعتباره كان على علاقة دائمة بهم يصغي إليهم ويتحدثإليهم ويتأمل عذاباتهم لكونه امتدادا لهم في واقع أشد إيلاما، وهو مــــــــن عجل برحيلهم نظرا لتراجيديته،وعليه، فتراجيدية الموت ليست في المحصلة إلا تراجيدية الواقع التي تصادر الحق في الحياة كحق كوني لا أحد ينازع في أهميته. وحتى تظل الأسماء المحتفى بموتها في الوجدان والذاكرة جعل لها الشاعر شاهدة حتى لا يطالها النســـــــــــيان، خاصة أن الشاهدة أو الشاهد حجر يكون غالبا مستطيلا يوضع جهة رأس المتوفى يحمل اسمه وتاريخ ولادته، ومماته ويمكن أن يحمل كلاما يوصي بـه الميت، مثل ما فعل الشاعر العباسي أبو العلاء المعري الذي أوصى قبلمماته بأن يكتب على شاهد قبره:

فكانهذا ما جناه علي أبي وما جنيت على أحـــــــــــــد

إننا بصدد غياب قسري فظيع لشخوص لم يطق الشاعر فـــــــــــــراقهم، فكان من الطبيعي أن يرثيهم رثاء نابعا من قلب دامع وعاطفة صادقة حيث “أن قصيدة الرثاء نموذجا أكثر قابلية للالتزام الأخلاقـــــــــــــــــــــي، ففـــــــــي إطارها اختفت كل صور الزيف أو كادت، وعندها يصبح من المتوقعأن يصدق الشاعر في التعبير عن انفعاله”[1].

إلا أن ما يستوقفنا في هذا الرثاء، هو أنه يضمر مدحا لأحبة الشاعر الكادحين الذين اختطفهم الموت وهم يصارعون الحياة للبقاء، إذ ذكر النقاد أن “أفضل المراثي ما خلط فيه المدح بالتفجع على الموتى، فإذاوقع ذلك بكلام صحيح ولهجة معربة، فهو الغاية من كلامالمخلوقين “[2].

وبهذا الرثاء الصادق الناجم عن فقدان مزلزل، سيضمن الشاعر لموتاه حضورا في الذاكرة والتاريخ لن يطاله المحو، وما كان له ليلتفت لهؤلاء الذين رحلوا قبل الأوان لو لم يكن ملتزما بقضايا مجتمعهوتفاعله مع الناس البسطاء وتواجده في قلب الجغرافيات التي ترزح تحتالبؤس والحرمان وضنك العيش والموت خلسة:

ويحكي لأطفال الحي

أن أباه قد مات

خلسة

واختفى في هـوس الغياب … [3]

وعبر مشهد مؤثر ينزف حزنا يبعث الآلام في النفس والعقـــــــل ويضخ في الجسد البرودة التي تسبق الموت، يصور لنا الشاعر جاره حارس السيارات الذي تقدم في السن والذي كان أعلى سقف لأحلامه هو بناء بيت ليس إلا :

وقبل أن يموت بلحظ وت بلحظات

أحرق وصفة الدواء

مادامت تشاکــس خشونة

وانسل إلى ماخوره

حيف الحياة

وشراسة الموت[4]

ولأن الشاعر ادريس علوش صاحب رؤية عميقة لكل ما يؤثثالواقع، فإنه ينظر إلى العابر واللامفكر فيه، وإلى الذين يزاولون مهنا بسيطة محتقرة، كماسح الأحذية الذي يتفاني في تلميعها لنيل قطعةمعدنية:

يا ما انحنى على أحذية تنبت أقداما

علها تلمع ويلمع معها وجه صاحبها عل

قطعة معدن بخس تلمع

في يد عبد الله الذي اختار للمعان روحه

نبيذ المساء وفسحة المقبرة[5]

وباعتبار العطالة جرحا غائرا يفضي إلى الموت البطيء الرمزي أو المادي، يضعنا الشاعر تجاه معطل تنكر له الواقع المأساوي فبدا في أبشع مشهد:

يعاتب دكنــــــــــة

تضيق بالجسد

وروحا تحزن

للسؤال[6]

ولم يكتف الشاعر برثاء هؤلاء البسطاء، بل رثـــــــــــــــــــــى شاعرين مغربيين بارزين هما أحمد بركات ومحمد الخمار الكنوني، يقيم لهما اعتبارا اعترافا بكتاباتهما الشعرية المنتصرة لقيم التغيير الحقيقي الذي يقيم قطيعة مع واقع القمع والتسلط من أجل أن يحيا الإنسان المغربي الحياة التي يتمناها، يقول في حق أحمد بركات

ولأنه الشاعر

الذي اختار دوما

أن يفضح العالم

بدواليب الكلمات

شاكسه الموت مرة

وظلت قصائده لمرات

أقوى من حكمة الموت

لأنه …[7]

ويقول عن صاحب “رماد هبسريس” أي محمد الخمار الكنوني:

ترحل …/

وتترك للبياض

حروفا قاتمة يغازلها

لون الغبش

كشطـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــحات آثمة

تراقص سعف النخيل

جهة نوافذ الفيء[8]

وبالنظر إلى الأموات الأحياء في الديوان، نجد أنهما صـــــــــــــــنفان، يحيل الصنف الأول على أشخاص عاديين مغمورين تربص بهم الموت، ويحيل الصنف الثاني على أشخاص مبدعين باغتهم الموت وهم في بداية عطائهم الإبداعي، فكان رحيلهم خسارة للإبداع المغربي، لأنهم لو بقوا أحياء بيننا لأفادوا المشهد الثقافي المغربي، الذي اندس فيها كتبة كثر لوتوه بكتابات تتر ضحالة.

وعلى صعيد التشكيل الفني الذي يسم نصوص الديوان، نسجل أنما يجذبنا هو :

  • جمع الشاعر بين كلمتين في كلمة واحدة محاولا بذلك تجاوز مألوف اللغة كي يبني لغته الخاصة ونظام عالمه الشعري، ههنا يحدث تجاوز المعنى النحوي إلى المعنى الشعري، فقد جمع بين الذي كنته في”الكنته”، وبين التي كانت في الكانت:

للشاعر الكـنتهُ

للقصائد الكانت منك إلينا

واحة عشق

وللمراثيالكانت منا إليك

فسحة للقول[9]

  • اجتراح فراغات في الكثير من نصوص الديوان، وهي في النهايةكتابة مضمرة، ونمثل لهذه الفراغات بما يلي:

يعاتب دكنة

تضيق بالجسد

وروحا تحزن

للسؤال…

…  …  …  …

….  … …

…  …

[10]

ولعل مقصدية الشاعر من خلال هذه الفراغات هيأنيشرك، القارئ في بناء متخيله، ودعوته إلى اقتراح فرضيات للكتابة، بهذا المعنى يريد الشاعر قارئا إيجابيا لا سلبيا، ينتج معرفة من البياضاتوالفراغات لا أن يكتفي بالاستهلاك. والفراغ أو البياض في المقطع يمكن أن نعتبره كفنا أبيض سيلف فيه جسد المعطل مصطفى حمزاوي.

  • السرد الشعري: وقد اختاره الشاعر لتعميق الخصائص الفنية والجمالية في ديوانه، منطلقا من انهيار الحدود بين الأجناس الأدبية وتفاعل القصيدة العربية المعاصرة مع الفن التشكيلي والقصصيوالروائي والمسرحي:

كان

يستكين

إلى صمته

الوثني

حين ينهار المكان

ويحتسي

من نبيذ الخريف

مسافات لأحزانه الأولى

علَّه ينسى[11]

إننا أمام سرد شعري خفيف تحول فيه الشاعر إلى سارد يحكي عن الميكانيكي ويرسم ملامحه بلغة تنهض على الكثافة والاختــــــــــــــــــزال، عندها يتكشف بناء المفردات عن جرس موسيقى ودلالي يفيض شعرية.

وفي مقطع من نص “موت الكولونيل” يرسم الشاعر مشهدا مؤثرا يشع كآبة وحزنا تصيب سهامه القلب فتدميه.

… … الباب

ذابل

مشرع على العزاء

…… والكراسي

جاثمة

على الجدار القديم

… … والداخل

حزن رتيب

تذرف فيه الصبية

ما تبقى

من دمع الوفاء[12]

في هذا المقطع يمزج إدريس علوش بين كونه شاعرا وفنانا تشكيليا، لأنه جعلنا أمام لوحة فنية دالة تعبر عن باب مفتوح وكراس جاثمة على جدار قديم وصبية تذرف دموعا ويجسد هذا المقطع اللوحة مشهدا مأساويا لا نلاحظه إلا عندما يتعلق الأمر بمأثم مهيب.

لابد من التأكيد، في متم هذه القراءة أن ديوان “شاهدة الأجنة” لادريس علوش عمل شعري مائز، غني دلاليا وجاذب فنيا، يدين شعريا مظاهر القمع والحرمان والقهر التي تفرزها الجهات التي تحكم، عابثة بحياة البسطاء، لاغية وجودهم وأحلامهم، دافعة إياهم إلى الموت وعليه فتراجيدية الموت في الديوان هي بالضرورة تراجيدية الواقع !! .

[1]– يوسف خليف قضية الالتزام في الشعر الأموي، دار الثقافة للنشـروالتوزيع، القاهرة 1989 ص 298.

[2]–   – أبي إسحاق ابراهيم الحصري القيرواني، زهر الآداب، تحقيق علي محمد البجاوي ط 2 مصر ص 229.

[3]– إدريس علوش، ديوان “شاهدة الأحبة” ص 12.

[4]– الديوان نفسه ص 37

[5]– الديوان نفسه ص 59

[6]– الديوان نفسه ص 64

[7]– الديوان نفسه ص 53

[8]– الديوان نفسه ص 72

– [9]الديوان نفسه ص 54

[10]– الديوان نفسه ص 64

[11]– الديوان نفسه ص 7

[12]– الديوان نفسه ص23

 

عن madarate

شاهد أيضاً

الملحون وأسئلة الهوية والماهية- قراءة في كتاب محمد بوعابد (أبو ريم) حفريات في الشعر الملحون – عبد الجليل بدزي

  الملحون وأسئلة الهوية والماهية- قراءة في كتاب الأستاذ الباحث محمد بوعابد (أبو ريم) حفريات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *