الرئيسية / رؤى حوارية / حوار مع الكاتبة الجزائرية عائشة بنور (الجزء الأول) – أجرى الحوار أحمد طايل من مصر

حوار مع الكاتبة الجزائرية عائشة بنور (الجزء الأول) – أجرى الحوار أحمد طايل من مصر

حوار مع الكاتبة الجزائرية عائشة بنور (الجزء الأول) أجرى الحوار أحمد طايل من مصر

 

أطلقوا عليها بلد المليون شهيد، وانا اضيف أنها ايضا بلد المليون مبدع ومفكر وبتميز، تشدنى دوما كتابات الشمال الإفريقي، لأنها تتميز بالكثير من الواقعية والقليل من الخيال، وليس مثل الكثيرين الذي يغلقون الخيال ببعض الواقع، لذا هو أدب يعبر الحياة بكل تفاصيلها المعاشة، يطرح قضايا ويضع حلولا، إبداع له أهداف ويخاطب عقول الآخرين دون تعال أو تكبر، وما يكون صادقا يكون طريقه سهلا نحو العقول والأفئدة، نستضيف في هذه الحلقة الروائية الجزائرية عائشة بنور

في البداية،  أقف وقفة اجلال وتقدير للشعب الفلسطيني الأبي الذي وقف في وجه الاحتلال الغاشم وأترحم على قوافل الشهداء الذين استشهدوا وسقوا بدمائهم أرضهم الطيبة في ظل الصمت الدولي أمام المجازر التي ترتكب في حق الشعب الأعزل، إنها جرائم ضد الانسانية.

  • نود أن نتصفح معك هويتك الإنسانية والمهنية والإبداعية، ماذا بها؟

الكاتبة الجزائرية عائشة بنور من مواليد مدينة سعيدة ، متزوجة وأم لأولاد ، أكتب القصة القصيرة والرواية منــذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي، عائشة بنور مارست الكتابة الصحفية في العديد من الجرائـد والمجلات الوطنية والعربية وأسهمت بمقالات ودراسات حول قضايا المرأة والطفل ونشرت أعمالها في عدّة طبعات مختلفة وبعض كتبها بالوطن العربي وبفرنسا، وهي على منصات البيع الإلكتروني، كما ترجمت بعض أعمالها الروائية إلى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، وبعض قصصها إلى الايطالية والتركية، وكتب عن مؤلفاتها الكثير من الدراسات (داخل وخارج الوطن) والعديد من الأطروحات الجامعية، وشاركت في ملتقيات وطنية ومؤتمرات دولية (المغرب، الهند…)، مستشارة ثقافية بدار الحضارة.

  • حكايات الطفولة والبيئة التى تواجدت بها منذ سنوات الطفولة، ماذا عن دورها فى تكوينك الفكرى؟

وللطفولة حكايات… من  عام 1970  وفي ليلة مقمرة فتحت عيني والناس من حولي، ووجدت صبيانا ونساء في خيمة الشعر الكبيرة، يصل مسامعي ثغاء الخرفان وصياح الديكة وخوار الثيران والطبيعة مزهوة بعطر الربيع وهو يكسو الأرض بحلة خضراء مزينة بألوان مختلفة من بديع السماوات والأرض.

رأيت النور في عائلة بنور التي تنتسب إلى جدي الولي الصالح سيدي الحاج بن عامر بن محمد (من الأشراف).

كانت الفرحة عارمة بالبنت البكر، “بختة” ذاك اسم أمي الذي تعرفه ناحية الغرب الجزائري كما تعرف الشمس كواكبها وتغنى به شعراء الشعر الملحون في قصائدهم.

وبنت “المختار” ذاك أبي الرجل الذي غمرني بحبه الفياض، ورجل القرآن الكريم بالوراثة، أهله يتنفسون القرآن من الأجداد إلى الأحفاد وحب الفروسية.

أبي معلم قرآن في قرية فلاحية اشتراكية تسمى “المعمورة” من عهد الرئيس الراحل هواري بومدين الذي أشرف على تدشينها سنة 1973م ووزع مفاتيح السعادة على السكان.

كان عمري ثلاث سنوات عندما كانت تصل مسامعي أصوات الصبيان وهم يرتلون القرآن ترتيلا، فينتعش وجداني وتشرئب روحي بسيمفونية الخلود ونغمات الوحي.

قرأت القرآن الكريم عند أبي في (الشريعة) والشريعة هو اسم المداس القرآنية في الناحية، كانت تلازمني لوحة ومدواة (قرطاس) وقلم قصبي بهما نقشت حروفي الأولى على صدر هذه اللوحة الخشبية ..كان يعجبني كثيرا رسم أبي لحروف القرآن وكتابتها في ألواحنا..وتعجبني تلك اللوحات المزينة بتشكيلة من الرموز والألوان والخطوط كلما يختم أحدنا ربع القرآن الكريم أو نصفه، وتكون الفرحة عارمة حينما تذهب مجموعة من الأولاد يجوبون البيوت وهم يحملون لواحاتهم المنقوشة على أنهم ختموا، فتقدم لهم الهدايا بكل فرح وسرور كحبات البيض أو السكر وقطع من النقود، دون أن ينسى المحتفل به تكريم شيخه بهدية رمزية تقديرا له، كما يحظى الحافظ نفسه بالتقدير والاحترام الكبير…الخ

كبرت وكبر معي حلم الطفولة يراقص خطواتي خطوة خطوة، وولجت عوالم المراحل الدراسية بأطوارها الثلاث التي كانت مرحلة حاسمة في حياتي التعليمية ومنعطف اثبات الذات في مجتمع منغلق يرفض أن تتعلم فيه الفتاة، تميزت هذه المرحلة الصعبة بالتحدي وبإصراري على مواجهة كل الصعاب ومرحلة خصبة في تكويني المعرفي و بنشاطي الكثيف والمتميز في الدراسة خشية التعثر، كنت مولعة بالأدب وبالتاريخ وبالثورة الجزائرية المجيدة، إذ كنت أقدم نشاطات ثقافية في ثانويتي (قاضي محمد التقنية) بسعيدة، لأنني كنت مسؤولة النشاط الثقافي (لاتحاد الطلبة بالثانوية) وقدمت محاضرات عن الحركة الوطنية الجزائرية واتخذت من ثورة  المقاومة الشعبية (البطل بوبغلة ) البداية، وبتشجيع من أساتذتي خاصة أ. زياد بن الصايم وميسوم عبد القادر …الخ واستمرت الدراسة النشاط واستمر معها الولع بالتاريخ والبحث، كنت أجد تلك المتعة الثقافية التي تحفر في الذاكرة، متعة القصص، فتتحول عندي هذه المتعة إلى تشكيلة أدبية وفنية بشكل أو بآخر..الغوص في أعماق تلك العصور والكشف عن تحف جمالية وفنية رائعة عن حياة الناس وعواطفهم وخيباتهم ومواقفهم وبطولاتهم التي تلخص مسيرة من مصائر الشعوب وطقوسها والتي أصبحت مادتي في تشكيل عوالمي الروائية اليوم.

  • لأسرتك الصغيرة مؤكد دور مؤثر بشكل كبير على دفعك إلى خوض غمار الكتابة، هل يمكنك الإفصاح عن هذا الدور؟

أكيد لأسرتي الصغيرة دور كبير في الدعم المعنوي والإيمان بما أكتب ، ولأني شغوفة بالكتابة تعدّدت اهتماماتي وفق طموحاتي والتي كان يغلب عليها عالم الكتابة وكان من حظي أن زوجي الكاتب رابح خدوسي له الاهتمامات نفسها، زوجي الانسان والأديب الذي كان سندي في تحقيق طموحاتي وبناتي سناء ونور رفيقاتي في هذا الحب والشغف.

  • هل تتذكرين أول قراءات لك، وهل تحافظين بها للآن وتعودين إليها بين الحين والآخر ؟

أتذكر قراءاتي الأولى المتنوعة ولمختلف الفنون الأدبية :منها وداع مع الأصيل لفتحية محمود الباتع والذي أثر في كثيرا ، كتابات كل من بنت الشاطئ، أنور الجندي ، الرافعي ، مي زيادة، طه حسين، جبران خليل جبران …الخ ،القائمة طويلة، مازلت أحتفظ بهذه الكتب وأعود إليها لحظة التذكر لمراحل الشباب التي رافقتني فيها هذه الكتب المليئة بالحب والحكمة والنبل والوجع الانساني وبالخيبات.

  • متى شعرت بأن لك رغبة بالكتابة؟

حينما أتألم، تهتز مشاعري وتضغط عليّ الأفكار وقتها أشعر بالكتابة لأتنفس، فالكتابة هي مخرجي ومتنفسي الوحيد من ضيق الحياة وقسوتها، أعتبرها النور الذي أكتشف به معاناة الآخرين، معاناتهم الخرساء أو حتى رضاهم بهذا الجفاء والقسوة، أشعر وكأنني أحاول الحفر في مآسيهم المنسية أو المفجعة، أوغل في أعينهم الراقصة على وتر الفرح المبطن.وأحيانا أشعر بالوجع وأنا أتوسع على سعادة شخوصي البائسة التي تخمد تارة وتتفجر تارة أخرى، على أشلاء من الروح التي تربعت عليها قلوب قاسية لتلوذ بالاستسلام والخيبة والحسرة معاً.

 

  • نصك الأول، بأى عمر كان، ومن القارئ الأول له، وماذا كان الانطباع؟

ربما وُلدت لأكتب، وكانت البداية في مرحلة المتوسط، وأولى كتاباتي كانت في الثالثة عشر من عمري ونمت هذه البذرة بمرافقة أساتذة الدراسة شاكرة فضلهم ومحبتهم. وبطبيعة الحال أجد منهم التشجيع والتصويب والمرافقة الحسنة.

  • حينما تجلسين أمام مكتبك وتمسكين بقلمك، ما هى طقوس الكتابة لديك؟

الكتابة متعة وجمال وقبل أن أبدأ في كتابة عمل ما ، مسبقا ، ينتابني احساس غامض إذ أحتاج إلى الهدوء والخلوة لأرتب الفوضى التي بداخلي مع كأس من الشاي والتفكير العميق والصمت، لا أشعر بمن هم حولي، أكون دائما في حالة قلق فكري ووجداني، ولهذا الجمال الروحي الذي يتلبسني، طقوسه تفرض نفسها على الذات المبدعة، لا أكتب ليلا إلا نادرا  وأختار القلم الذي أكتب به بعناية، أحب رذاذ المطر والصمت، لحظة الكتابة أعيش عالمي الروحي، وتعاملي مع نصي أشبه بأن يكون جنونيا وحميميا ودافئا، أشعره بكل جوارحي، وأستشعره في كل حركة أو كلمة أو فكرة أحاول تحويرها، أستطيع القول أنني أتلبّس شخصياتي للوصول إلى الفكرة التي أرغب في ايصالها، وأكثر ما يتعبني هو اختيار الأسماء لشخصياتي التي أحاول أن أجد لها الصورة المثالية لها والتي تنطبق على ما أكتب..

  • ماذا تريدين من خلال كتاباتك؟ وهل تحقق لك بعد عديد من الاصدارات ما صبوت إليه من الكتابة؟

ما أريده من كتاباتي أن تحرك الساكن و أن تحرك المشاعر الانسانية وأن تحي الضمائر الميتة تجاه الذات والقضايا الإنسانية، نفس الكاتب تواقة وأنا نفسي تواقة إلى الأفضل والحمد لله أن اصداراتي تجد طريقها للقارئ الانسان سواء على المستوى الوطني أو خارجه وأكيد لها تأثير على قارئي الذي حركت مشاعره الانسانية خاصة في روايتي الزنجية ونساء في الجحيم وقد تلمست هذا من خلال العديد من المقالات والرسائل التي تصلني من حين لآخر تشيد بما كتبت، مثلا روايتي ” نساء في الجحيم”  – صدرت في عدّة طبعات عربية ومترجمة إلى الانجليزية والاسبانية –  الرواية الفلسطينية بامتياز والتي كان كل من يقرؤها يعتقد أن كاتبتها فلسطينية وأذكر هنا أن سعادة السفير الفلسطيني بالجزائر الأستاذ أمين مقبول قرأها على متن الطائرة لأنه وجدها في مكتب سابقه فأخذها معه وقرأها بالطائرة من عمان إلى الجزائر دون أن يبرح قراءتها، لما تركته فيه من أثر، وقد كان يظن هو أن صاحبتها فلسطينية وقد فاجأه الأديب أحمد ختاوي والشاعر رائد ناجي أثناء زيارتهم له أنني جزائرية وعبر لهم عن اعجابه الكبير بالرواية. كذلك بالنسبة لروايتي الزنجية – صدرت في طبعتين وترجمت إلى الفرنسية والانجليزية-  أنني من نيجيريا لأن الوجع الانساني واحد.

  • لمن تكتبين، لذاتك، أم للآخر أم عن الآخر ؟

أولا الكتابة مرتبطة بالذات وبالوعي الانساني الذي تفرضه القضايا على المبدع، للآخر، لإيصال صوت لمن لا صوت لهم ، وعن الآخر الذي ربما يجد في كتاباتي متنفس له.

  • عملك الأول الذي نشر وطرح للجمهور، ما هو؟ وكيف كان الاستقبال من القراء، والنقاد، وكتاب الأعمدة الصحفية؟

عملي الأول كان في الدراسات وهو كتاب بعنوان” نساء يعتنقن الإسلام الذي يسجل أهم المحطات الروحية في عالم المرأة الغربية ورحلة اعتناقها للإسلام، جاء هذا العمل لتأثري بما كنت أقرأ وبحكم تكويني الطفولي ، انتهت طبعته والحمد لله، هذا من ناحية الدراسات ، أما من ناحية الابداع الروائي فكانت رواية “السوط والصدى” التي عالجت موضوع الارهاب والتطرف وواقع المرأة الجزائرية التي عانت من العشرية السوداء التي مرت بها الجزائر في التسعينيات من القرن الماضي ، وقد كان لها صدى واسع من ناحية المقالات الصحفية والدراسات البحثية الجامعية، الرواية صدرت في طبعتين.

 

 

يتبع في العدد المقبل

عن madarate

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *