الرئيسية / فعل الكتابة / حوار مع المبدع المغربي عبد الله فراجي – حاوره الشاعر الحسن الگامَح

حوار مع المبدع المغربي عبد الله فراجي – حاوره الشاعر الحسن الگامَح

حوار مع المبدع عبد الله فراجي حاوره الشاعر الحسن الگامَح

 

  • كيف يرى المبدع عبد الله فراجي الكتابة بصفة عامة…؟

الكتابة وعي، إدراك، وتحويل لما يعتمل في ذواتنا، وفي دواخلنا، من تأثير لواقعنا ولأفكارنا، ونقل من درجة المعطى المباشر، إلى درجة الفكر والرؤيا.

إنها بحث في ذواتنا أحيانا، وفي هذا المعطى الخارجي أحيانا أخرى، عن آليات الفهم أولا، قبل التعقل والإدراك الواعي. وبعد ذلك يمسك الكاتب بخيوط هذا الانتقال ليحولها إلى مراقي لإعادة ترتيب عالمنا الخاص والعام، ونقله من المعطى إلى المبتغى.

وهنا تكون الكتابة وعيا لإرادة الذات تجاه نفسها والآخر؛ أو لنقل إنها عملية وعي راقية لكشف دواليب العالم، وتغييره وفق سنن الكتابة الواعي، وآليات المنطق الذاتي.

الكتابة إذن، وبشكل عام، وعي مفصلي وفاصل، يستدعي قراءة الأنا أو الذات للمعطى أو الموضوع؛ وهذا بغض النظر عن المعنى الذي قد يأخذه هذا المفهوم؛ إذ قد يصير هو الذات نفسها كما هو معلوم، ومتداول عند فئات عريضة من الأدباء، وخاصة في مرحلة الحداثة وما بعد الحداثة، أو يبقى على صورته المعروفة، أي الواقع الخارجي.

وهنا يحضر عنصر اللغة بمفرداتها وأساليبها، كعلاقة أولا بين الذات والموضوع، وثانيا كوسيلة لنقل حمولة المعنى، وترسيخ الرأي والفكر. ويحضر بجانب اللغة، تاريخ الكتابة والإبداع، كضرورة رئيسة للكتابة؛ لأن الاطلاع على السابق أمر لا بد منه، بل وقمين بأن يسهم بشكل كبير في بناء اللاحق. ومعنى هذا، أَنْ لا كتابة بدون قراءة للسابق، واطلاع على ما كُتب من قبل. ولا بد إذن في تصوري، من هذا السابق لبناء، وتأطير، وتكوين، وإنضاج اللاحق. ولنقل بصراحة إن من لا يقرأ لا يكتب. ولنقل أيضا أَنْ لا شيء من لاشيء في مجال الكتابة والإبداع.

الإبداع سيرورة وصيرورة. واللازم أن تكون عملية اكتمال ثقافة المبدع بداية لتكوين فعل كتابي جديد. إنها سيرورة داخل مجال الكتابة، وهي أيضا صيرورة بتوخي الجديد، وإعادة بنائه؛ ورسم أساليب خاصة بالكاتب حتى لا يكرر غيره، أو يستنسخ الآخرين، أو يستحوذ على كتاباتهم في أقصى حدود التناص (اللصوصية الأدبية).

إن الكتابة فعل واع، ومسؤول يروم نقل الواقع المعطى، أو الذات أحيانا، كموضوع للكتابة، داخل وعي يستمر تبعا لوعي سابق، ويبحث عن التفرد والتجديد كصيرورة لا بد منها.

والكتابة فعل، والفعل إرادة قصدية ومسؤولة. ولا بد للكاتب أن ينجز ما يكتب في إطار تشكل رؤيته ورؤياه لما يترتب عن هذا الفعل. إنها وعي يتشكل وفق مرامي وأهداف، بل وفق مشروع ونسقية متفردة، تجعل ما نقوم به يبدع ويجدد، ويغني مجال الأدب بالجديد.

وطبعا أنا أرى أنه لا تستساغ كتابة كاتب لا تضيف الجديد، ولا تتفرد بنفسها، حتى يخرج صاحبها من درجة النقل والانبهار والتقليد، إلى درجة الإبداع والتفرد والتجديد.

والكاتب الذي لا يحقق ذلك فهو ما زال في درجة الانبهار، ولم يصل بعد إلى درجة الإبداع.

  • من أين استمددت تجربة الكتابة…؟ وكيف دخلت بحر الكتابة…؟ وما أول نص كتبته…؟

منذ بداياتي في التعليم الثانوي، كنت أميل كثيرا إلى قراءة الأدب عموما والإعجاب بالقصص والروايات والشعر العربي القديم.

ولكنني تعمدت ذات يوم بماء القراءة، وغرقت في بحرها، حينما اكتشفت وأنا في التعليم الثانوي بمحض الصدفة خزانة الشريف الإدريسي بمدينة وجدة، وهي مكتبة عامة، مفتوحة للجميع. هذه الخزانة، (هكذا كانت تسمى) وجدت فيها ضالتي، وأطللت من خلال ارتيادها على الأدب والأدباء، وانغمست بكل وعيي وجوارحي في القراءة المتعددة السبل والمتفتحة على كل الآفاق.

آنذاك، قرأت لطه حسين، والعقاد، وتوفيق الحكيم، وعلي محمود طه، ونجيب محفوظ، ومحمد عبده… وغيرهم. بل واطلعت على الأدب العربي القديم، وخاصة الشعر. ثم انفتحت على قراءة الآداب العالمية، فقرأت لهنريك إبسن، وشكسبير، وبرنارد شو، وأرابال، وفيكتور هوغو، ولامارتين، وشاتوبريان، وغيرهم كثير…

والجميل الذي أذكره عن هذه الفترة، هو انضمامي لمكتبة أخرى، هي مكتبة البلدية، التي كانت تضم كتبا كثيرة، باللغة الفرنسية على وجه الخصوص.  وصرت من روادها الدائمين، والحاضرين يوميا، مما جعل القيم عليها –السيد رضا-يدعوني أنا وأحد أصدقائي، للدخول إلى الجانب الخاص بالكتب، ومساعدته أحيانا، في إحضار الكتب لإعارتها لمرتادي المكتبة، وقد كان المرور إلى الكتب آنذاك ممنوعا عليهم بطبيعة الحال.

ولعل أول كتاب أحدث في نفسي شعاع فعل الكتابة، وغير من مسار قراءاتي وحبي للأدب والأدباء، هو ديوان الشاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي، الذي كان يضم كل كتاباته الشعرية آنذاك. ثم قرأت بعد ذلك الأعمال الشعرية لبدر شاكر السياب، وقد تأثرت بها كثيرا، ثم آخرين منهم عبد المعطي حجازي ومحمد الماغوط، والعديد من شعراء المغرب الذين اطلعت على أشعارهم عبر الملاحق الثقافية لجريدتي المحرر والعلم، وعبر كل المجلات الثقافية والأدبية التي كانت تصدر آنذاك…

في هذه الفترة من حياتي، تحولت القراءة عندي إلى استلهام وتقليد، وإبداع محتشم لبعض النصوص الأولى، كبداية انبثاق يخرج من المقروء، وكإعجاب بعد ذلك، وتماه مع قراءاتي المتعددة، وخاصة في مجال الشعر العربي المعاصر.

كانت كتاباتي آنذاك لا تخرج عن مجال الانبهار والتقليد، وفي الحقيقة لا أذكر جيدا أول نص كتبته، ولكن سأدرج بعض ما تبقى عندي من مخطوط رتبته على شكل ديوان، وعنونته بـ “كلمات لا تبلى”. وهو عمل عدت إليه بعد كل هذه الفترة الزمنية، وقمت بتعديله وتنقيحه، بتصرف طفيف طبعا، حتى أحافظ على النصوص الأصلية، وعلى شكلها وعناوينها؛ ولينشر في يوم من الأيام بحول الله.

 

نص القصيدة: صَوْتُ النَّمْلِ

 

فِي الصُّبْحِ تَرْتَعِشُ الْحُقُولُ مِنَ اللَّظَى

مِنْ صَوْتِ كَابُوسٍ أَتَى عَلَى فَجْرِ الْحُقُولِ

وَهَلَّلَ الْإِصْبَاحُ تُرْعِبُهُ الْقُيُودُ

وَأَنْتِ يَا حُبِّي

هُنَاكَ عَلَى قُطُفِ الْمَزَارِعِ تَسْرَحِينَ

وَنَمْلَةٌ تَجْرِي

وَتَطْلُبُ مِنْ هَجِيرِ الشَّمْسِ مَاءً

أَوْ ظِلَالًا تَحْتَهَا

أَوْ قَطْرَةً فَاضَتْ مِنَ الْأَنْدَاءِ

أَوْ مَطَرًا هَمَا فِي لَيْلَةٍ حَرَّى

وَأَنْتِ حَبِيبَتِي فِي الشَّمْسِ، فِي كَذِبِ السَّرَابِ

عَلَى حِصَانٍ تَصْرُخِينَ بِلَا جَوَابٍ

تَشْتَهِينَ أَرِيجَ رَائِحَةِ التُّرَابِ

وَنَسْمَةَ الطِّينِ الْمَوَاتِ

وَمَا تَخَلَّلَ أَرْضَهَا

وَأَنَا هُنَاكَ أَشُمُّ رَائِحَةَ الْقُبُورِ

بِقُرْبِ نَعْشٍ فِي دُخَانٍ فِي الْمَدَى

مَوْتٌ وَكَابُوسٌ

وَحَفَّارُ الْقُبُورِ يُرَاقِصُ الْمَوْتَى

وَجُثَّةُ نَمْلَةٍ فِي عُرْسِهَا مَاتَتْ

وَحَرُّ الْمَوْتِ طَوَّقَ بَابَهَا

وَالنَّمْلُ فِي صَمْتِهِ هَدَّتْهُ دَائِرَةُ الْحِصَارِ…

 

وجدة في 10-10-1974

أعيدت كتابتها وتنقيحها بتاريخ 23-06-2023

 

  • أي صنف من الكتابة تجد فيه ذاتك حين تكتب…؟ ولماذا…؟

هذه من الأمور التي يصعب فيها تحديد الأولي والمفضل، ولكنني أكتب حسب ما يبدو لي، وحسب الهدف الذي يخالج فكري وتوجهاتي. والشعر أقرب إلى قلبي وأفكاري، لأنه يختزل الرؤيا، ويمنح الكاتب المساحة اللازمة للإشارة والرمز، دون تفصيل، ولا تحليل، ولا جزئيات.

وفي الحقيقة لا فرق عندي بين الأجناس الأدبية المختلفة، إذ كتبت في القصة والقصة القصيرة جدا، وحاولت الكتابة في الرواية وهو مشروع لم أنته منه بعد، وقد أعود إليه يوما ما، بحكم أن قراءاتي الأخيرة انصبت أساسا على جنس الرواية.

أما الترجمة فهي عمل شاق ومتعب. ولكنه تمرين يمنحني الكثير، خاصة وأنا أشتغل على ترجمة الشعر والزجل، وأتيه بين ثناياه لأتعلم اللغة والخيال، وأكشف أسرار الكتابة والتخييل والترميز عند من اشتغلت ومن أشتغل على نصوصهم.

هي مسألة صدفة وظروف جعلتني أغوص في هذا العالم. وتعلمت منها ألا أترجم إلا ما أتماهى مع عمقه الفكري، وأجد فيه ذاتي منطلقة حرة.

وأيضا لا بد من الاعتراف أن الترجمة علمتني الكثير ولا سيما على مستوى اللغة والمعجم والأساليب المختلفة للكتابة.

  • كيف ترى تجربة الكتابة في العالم العربي…؟

تختزل تجربة الكتابة في الوطن العربي حقيقة واقعنا، ولا تعبر عما يجب أن يكون، لأن ما هو كائن يحط من قيمتنا، ويدفع بنا نحو الجهل والإحباط.

والكاتب في عالمنا العربي هذا يعيش الغرابة والاغتراب، إنه كاتب في عالم لا يقرأ.

والكتابة عنده فعل هجين لمعادلة غريبة تقوم على طرف واحد، هو طرف المبدع، وبغياب شبه تام للطرف الثاني في المعادلة، وأعني به طرف القارئ.

والسؤال” لمن نكتب؟” لا يتطلب تفكيرا كثيرا، ولا جهدا في التعبير والتحليل، لأننا نكتب لأنفسنا، ولأصدقائنا وصديقاتنا الكتاب، وربما للتاريخ القادم. ولا يمكن أن نحلم في يوم من الأيام، بأن نتفرغ للكتابة بشكا تام، ونضمن بمدخولها المادي حياة رغيدة.

أضف إلى هذا أنك في المجتمع لا قيمة لك، ولا قيمة للأدب الذي تكتبه، ولا قيمة للأدب عموما في دوائر السياسة والمجتمع، وفي وسائل الإعلام الرسمية.

وبالمقابل فإن الفن والرقص والتفاهة والرداءة هي كلها علامات هذا الزمن العربي الساقط، والمنبهر بالغرب، والمحتضن لقشور الحضارة الغربية، معتقدا أنه يمتلك لبها وجوهرها.

تجربة الكتابة هي استفراد بهذا الوعي الشقي والمتناقض مع مجتمع غبي ومقهور، يروج للرداءة والسقوط.

فهل سينصفنا التاريخ من ربق هذا الزمن الرديء، ومن غياب القراءة والقراء؟

نحن لا نقرأ، فهل ستتغير الأحوال في يوم ما، ونصير مثل الدول الغربية مجتمعات تقرأ؟

  • مع تطور التكنولوجيا هل يمكن يوما ما أن نستغني عن الكتابة…؟

من طبعي أنني لست متشائما، ولو علمت بما ستصير إليه الأمور، لأنني أنظر دائما إلى الأجمل والأفضل؛ وأحبذ الحقيقة في شكل أحلام لا تنتهي.

إنما الأمر هنا، يسير في رأيي نحو القضاء التدريجي على الكتاب والكتابة. أي نهاية الأحلام والتصورات، لصالح تكنولوجيا الصورة والألوان، وسرعة المعلومة، ودمقرطة المعرفة إلى درجة الاستخفاف بها، وجعلها في متناول الجميع، لقمة سريعة مثل الوجبات السريعة.

ويكفي أن نطلع على ما يشكله الذكاء الاصطناعي حاليا من خطر قادم على الإبداع.

هذا الذكاء سيكتب لك القصة والرواية والقصيدة، وسيرسم لك اللوحة، ويؤلف لك الأغنية والسيمفونية الرائعة. فكيف سنتعامل مع هذه الوضعية الجديدة؟

وهل ستغيب لمسة الإبداع عن كل فعل إبداعي يأتي به الذكاء الاصطناعي؟

وهي يظل ما يبدعه ذكاؤنا حاضرا رغم سيطرة الآلة؟

أمر ممكن، ولكن تطور الذكاء الاصطناعي يتم بشكل متسارع، والقادم لا يمكن التنبؤ به.

  • ما ر أيك في الكتابات النسوية بالمغرب، وفي العالم العربي؟ وأين يمكننا تصنيف الكتابة النسوية من خلال الإصدارات النسوية التي ارتفعت مقارنة مع السنوات الماضية، وحضورها في كل المجالات الإبداعية…؟

فعلا حدثت قفزة نوعية في الإبداعات الصادرة عن كاتبات عديدات في الوطن العربي، والأمر في نظري ليس ظاهرة جديدة، ولا متفردة حتى نقف عندها ونحاول فهمها؛ وإنما هو جزء من حركية أوسع من هذا ارتبطت بوجود فسحات كبيرة للنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي. الظاهرة عامة وليست مرتبطة بالنساء فقط حتى نتحدث عن كتابات نسوية أو أدب نسوي أو نسائي.

وعلى كل حال لا أتصور شخصيا أن تكون كتابات المرأة ذات خصوصية نسوية تبرز أنوثتها أكثر من كتابات الرجال. وأقول إن الإبداع لا جنس له، حتى ولو حاول الكثيرون إقناعنا بوجود خصوصيات واختلافات فيما يسمى بالكتابات النسوية.

وأعجب كيف يصير هذا تخصصا في بعض الدراسات الجامعية.

  • ما الكتاب الذي أثر في تجربتك الإبداعية؟

أولا ديوان المتنبي وأشعاره الرائعة بقيمتها، وعمقها، وشعريتها التي لا تضاهى.

وثانيا الشعر العراقي، وكتابات الشعراء العراقيين، وبالخصوص الأعمال الشعرية الكاملة لبدر شاكر السياب…

  • ماذا تحقق لك في مجال الكتابة بحكم ارتباطك بالكتابة شعرا وسردا وترجمة…؟

عندما كتبت نصوصي الأولى في سبعينيات القرن الماضي، ونشرت أول قصيدة شعرية لي في مجلة الثقافة العراقية، بعد أن كنت قد راسلت بعض المنابر المغربية لأجل النشر، ولكنها لم تعر أي اهتمام لطلباتي، كانت أحلامي كبيرة بأن أصير شاعرا.

ولكن تبين لي حينها بأن الطريق طويلة وفيها من العقبات الكثير، وأدركت أن الكتابة في بلدي مرهونة بالسياسة والموالاة.

دخلت بعدها في فترة بيات فكري وأدبي، استمرت لأكثر من عشرين سنة، ثم عدت بعدها للكتابة، لأجد لي متنفسا في مواقع ومنتديات الفكر والثقافة، ولأشرع في نشر ما أكتب على نفقتي الخاصة.

صارت الكتابة همي واهتمامي، إلى درجة أنني طلبت إحالتي على التقاعد النسبي لأجل التفرغ لها تفرغا نهائيا، وهو ما تم بالفعل.

سعادتي الآن كبيرة لأنني وصلت إلى مبتغاي، وصرت أمشي في طريق طالما حلمت بها من قبل؛ لذلك أقول إن الكتابة صارت هي حياتي، وقد حققت فيها، وعبرها، بعض الذي رسمته منذ عقود خلت؛ وأنا الآن أعمل جاهدا، مجتهدا، ضد سيرورة الزمان السريعة، لأنجز الكثير من إبداعات ما زالت في جعبتي، في زمن قد يطول أو يقصر بالنسبة لعمري الحالي.

كتبت، وما زلت أكتب، وسأستمر بحول الله، لأرسم صورتي وتفردي.

  • ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب(ة)…؟

كثر الحديث عن الجوائز الأدبية، وعما تحدثه من تصنيف وترتيب في الكتابة، وبين الكتاب؛ بل وأيضا في عدم دقة وموضوعية لجان الإشراف على هذه الجوائز، وتحيزها، وعدم مصداقية الكثير منها، بحكم خضوعها لمبادئ المحاباة والسياسة، والتوجيهات المختلفة وغيرها، فتمنح لهذا دون ذاك دون وجه حق أو إنصاف.

ولكن بغض النظر عن كل هذه الأمور، وعن طبيعة الجوائز نفسها، ومدى صدق وموضوعية الجهات التي تنظمها، يظل دائما أمر الفوز بها قناعة خاصة لمن يطلبها، وبحثا عن طبع إبداع أدبي، أو كتاب نقدي، أو الفوز بها لأجل نيل قيمتها المادية.

ولنقل بكل موضوعية، إنها قد تضمن كل هذا الذي ذكرناه، وتبعث على الجد والبحث والتسامي في الكتابة نحو ما هو أفضل؛ ولكنها أيضا تقدم لمن يفوز بها، نوعا من الدعاية والإشهار، في عالم تسود فيه قوانين وآليات الماركوتينغ، وتسيطر عليه سلطة المال والإعلام.

ونتيجة لذلك، تكون الجوائز الأدبية نوعا من العرض، والتعريف بسلعة كاتب معين، قد بلغ من العمر عتيا، أو كان من قبل رهين دائرته الخاصة، مستبعدا من الواجهة الثقافية والإبداعية، وغارقا في دواليب الانكماش والإقصاء والتهميش.

  • ما مشاريعك المستقبلية…؟

أشتغل الآن على الانتهاء من بعض الأعمال المتواجدة في حوزتي، حتى تكون جاهزة لمرحلة الطبع والنشر، وأتحول بعدها إلى الكتاب أو الرسالة النقدية التأملية حول الشعر، ومفهومة وكل قضاياه وتحدياته المختلفة.

كما أرغب في أن أكمل بعض أعمال الترجمة التي التزمت بها، وأتخلص نهائيا من عملية الترجمة للآخرين، لأنها ترهقني، وتحرجني مع الكثيرين منهم؛ لأتفرغ -ربما-لاحقا لترجمة أعمال أدبية وفلسفية لكتاب عالميين.

والآن بين يدي في هذه المرحلة من كتاباتي، كتاب “سياسات الفلسفة”Politiques de la philosophie، وقد شرعت في نقله إلى العربية، هوعبارة عن دراسات وحوارات، جمع نصوصها وقدم لها دومينيك غريزوني.

شارك فيها مفكرون كبار هم: فرانسوا شاتلي، جاك ديريدا، ميشال فوكو، جان فرانسوا ليوتارد، ميشال سير؛ مع دراستين وافيتين حول النسق الفلسفي لميشال فوكو بواسطة برنارد هنري ليفي، وسارتر من البنية إلى التاريخ بواسطة دومينيك غريزوني.

  • كيف يرى الإنسان عبد الله فراجي المبدع عبد الله فراجي…؟

ليس ممكنا أن نفصل بينهما، لأن الإنسان حاضر في إبداع المبدع. وإذا كان لا بد من ذلك، فإن الإنسان يقول للمبدع: استمر على النهج، ولا تتوقف، واكتب، فالكتابة وعي، وتحقيق لماهية هذا الوجود.

والكتابة هي بذلك، ونتيجة لذلك، حياة، وسعادة، ودوام بعد الفناء.

لا تنظر خلفك، ولا تهتم بظروف النشر والقراءة، ولا تتركها تعبث بك، وتنسيك قيمة الإنسان، وبعده القيمي والفكري.

ضع دائما نصب عينيك، أن الكتابة في واقعها ومجرياتها، مشروع كبير لرفع الرداءة والجهل والتخلف عن الإنسان. وهي أيضا مواقف والتزامات، يحددها الواقع، وتفرضها الظروف السياسية والاجتماعية والتاريخية.

 

  • ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبه ولم تتح الفرصة لكتابته بعد…؟

على تخوم الشعر، تراودني كتابة كتاب أطمح لأن يكون مثل كتاب نيتشه “هكذا تكلم زارادشت”، أوقد يأتي على طريقة الفيلسوف لودفيغ فتغنشتاين الذي كتب كتابا صغير الحجم، لكنه أحدث أثرا كبيرا في الفلسفة المعاصرة، وفي علاقة الفلسفة بالمنطق واللغة؛ وهو كتاب رسالة منطقية فلسفية المعروفة بالتراكتاتوس.

أراه إذن، رسالة أدبية نقدية، منطقية وتأملية، لمفهوم الشعر، واهتماماته، وقضاياه الكبرى، من خلال رؤية فاحصة لفعل الكتابة الشعرية، بتلويناتها، واختلافاتها، ورهاناتها المتعددة.

وهو مشروع كتابة قد يتحقق قريبا إن شاء الله، لأن صورته المتخيلة قد بدأت تتوضح.

 

ورقة عن المبدع عبد الله فراجي مع نص إبداعي.

 

  • حاصل على الإجازة في الفلسفة العامة، ثم على دبلوم المدرسة العليا للأساتذة في التربية وعلم النفس.
  • عمل أستاذا للتعليم الثانوي لمادة الفلسفة والفكر الإسلامي، وتدرج في مختلف أسلاك الإدارة التربوية، قبل أن ينهي مساره المهني كمدير دراسة بالأقسام التحضيرية تخصص آداب عربية وفرنسية، ثم اقتصاد وتجارة تخصص تكنولوجي فيما بعد.
  • حاليا متقاعد ومتفرغ للكتابة الأدبية.
  • عضو موسوعة النخبة الثقافية: موسوعة الشعراء الألف منذ سنة 2018.
  • عضو موسوعة شعراء المغرب بعد الاستقلال للأستاذة فاطمة بوهراكة.
  • رئيس جمعية بدائل للتربية والثقافة والتنمية الاجتماعية بمدينة مكناس.

1-المؤلفات المنشورة:

  • المرآة والبحر – ديوان شعري عن مطبعة الأزهر سنة 2010 بمكناس.
  • مسافر في الضباب – ديوان شعري عن مطبعة ووراقة بوغاز بمكناس سنة 2013.
  • خطوط ومنعرجات قصص قصيرة جدا عن نفس المطبعة سنة 2014.
  • انبثاق كالنهر يجري – ترجمة شعرية بالعربية والفرنسية عن مطبعة سجلماسة بمكناس سنة 2016.
  • تراتيل الجمار الخابية ديوان شعر عن مطبعة وراقة بلال بفاس سنة 2018.
  • لباب العشق والمكاشفة ديوان شعر عن نفس المطبعة سنة 2018.
  • Le livre de l’amour ترجمة لكتاب الحب لمحمد الشرادي – ترجمة إلى الفرنسية، سنة 2019 عن نفس المطبعة.
  • أنفاس تحاصرها الجدران ديوان شعر سنة 2019 عن مطبعة بلال بفاس.
  • طرق لا تعرف وجهتها – مجموعة قصصية سنة 2021 عن نفس المطبعة.
  • على شفير السقوط ديوان شعري صدر سنة 2021 عن نفس المطبعة.
  • إنصات النظر ترجمة لديوان هايكو للشاعرة شامة عمي إلى اللغة العربية عن نفس المطبعة سنة 2022.
  • Paroles accablantes –traduction de deux recueils de Zajal du poète Driss Amghar Mesnaoui- Ed.Bilal –Fès 2023.

 

2-مؤلفات جماعية شاركت فيها:

  • فاتني أن أكون مصريا – كتاب مشترك لكتّاب عرب – قصص قصيرة جدا صدر بمدينة وجدة بالمغرب سنة 2014.
  • شجون الأدب وشؤون النقد: حوارات في القصة القصيرة جدا بالمغرب، كتاب مشترك بإشراف الأديب الناقد المرحوم د. محمد البغوري، عن دار سليكي أخوين سنة 2018.
  • زهر وجمر ديوان شعر مشترك عن مهرجان مولاي ادريس زرهون للشعر. وقد صدر هذا الديوان في دورتين، دورة 2017، ودورة 2018، بمشاركات الشعراء الحاضرين.

 

قصيدة شعرية: لا أَرَى شَيْئًا

                                                    

 أُسَائِلُ مَا أَرَى فِي عَاصِفِ الْغَضَبِ،

وَرِيحًا مُسْتَبِدًّا كَادَ يَخْنُقُنِي:

أَتَسْكُنُنِي خَفَافِيشُ الظَّلاَمِ وَجِيفَةُ الصُّعُدِ؟

أُسَائِلُ فِي الْوَرَى قَبَسًا،

أَتَى مِنْ غَيْهَبِ السُّحُبِ:

أَأَشْبَاحًا أَرَى، أَمْ جَوْقَةَ الْأَقْزَامِ فِي الْبَلَدِ؟

أُسَائِلُ فِي الْمَدَى وَمْضًا،

أَتَى مِنْ بَارِقِ الشُّهُبِ:

أَقُرْصَانًا أَرَى، أَمْ مَارِدًا يَسْطُو عَلَى النُّضُدِ؟

سَأَمْضِي مُسْرِعًا خَطْوِي،

وَقُرْصُ الشَّمْسِ يَتْبَعُنِي،

سَأَعْبُرُ، لاَ أَرَى شَيْئًا، بِحَارَ الْيَأْسِ وَالنَّكَدِ…

*****

أَنَا الْمَنْسِيُّ كَالْمَجْنُونِ فِي الطُّرُقِ،

بِلاَ خَطْوٍ أَرَانِي فِي الْمَدَى وَحْدِي

وَسِرِّي فِي بَيَانِ الْحَرْفِ لاَ يَبْلَى

أَبِيتُ عَلَى صَرِيمِ الْقَهْرِ وَالصُّعُدِ

جِمَارُ الْعِشْقِ لَمْ تَسْتَنْفِدِ الرُّؤْيَا

وَلَمْ تَكْشِفْ سَرَابًا غَمَّ فِي خَلَدِي

وَيَخْذُلُنِي الْهَوَى فِي لَحْظَةِ الْعَنَدِ

*****

سَأَنْزَعُ مِنْ جِرَاحِي شَوْكَةَ الْعَطَبِ

جُنُونِي صَارِخٌ لاَ شَيْءَ يُوقِفُهُ

وَلاَ إِبْحَارَ فِي الْأَمْوَاجِ وَالْصَخَب

وَفِي الطُّرُقَاتِ يَبْدُو أَنَّ لِي كَفَنًا

وَآثارًا لِخَطْوٍ يَقْتَفِي أَثَرِي

وَيَحْصِرُنِي الْمَدَى سَدًّا مِنَ النَّصَبِ…

*****

أُسَافِرُ فِي الزَّمَانِ وَلَا أَرَى شَيْئًا

وَخَطْوِي يَنْمَحِي وَضِرَامُهُ صَعْبٌ

وَتُزْهِرُ فِي دَمِي الْكَلِمَاتُ بِالْمَدَدِ

أَهِيمُ وَحِبْرُ هَذَا الْحَرْفِ يَنْسَكِبُ،

أَهِيمُ عَلَى الطَّرِيقِ بِذِلَّةٍ كُبْرَى،

أَهِيمُ عَلَى الطَّرِيقِ الْجَامِدِ، الصَّلْدِ…

*****

أَسِيرُ وَظُلْمَةٌ هَوْجَاءُ تَعْصِرُنِي،

أَسِيرُ فَتَسْقُطُ الْأفْكَارُ مِنْ خَلَدِي

وَيُتْعِبُنِي الطَّرِيقُ لِأَنَّنِي غُفْلٌ،

أُطِلُّ عَلَى المْفَازَةِ لاَ أَرَى جَسَدِي،

وَفِي خَطْوِي كَوَابِيسٌ تُحَاصِرُنِي،

شُرُوقُ غَدِي شُرُوقٌ فَوْقَ مُنْقَلَبٍ،

وَرِيحٌ زَمْهَرِيرٌ، مُسْتَبِدٌّ، فِي سَمَا الْبَلَدِ…

*****

أَتَسْكُنُنِي خَفَافِيشُ الظَّلاَمِ وَجِيفَةُ الصُّعُدِ؟

أَأَشْبَاحًا أَرَى، أَمْ جَوْقَةَ الْأَقْزَامِ فِي الْبَلَدِ؟

أَقُرْصَانًا أَرَى، أَمْ مَارِدًا يَسْطُو عَلَى النُّضُدِ؟

سَأَعْبُرُ، لاَ أَرَى شَيْئًا، بِحَارَ الْيَأْسِ وَالنَّكَدِ

وَلِكْن هَلْ طَوَى الْأَغْيَارُ فِي الْآثَارِ أَسْئِلَتِي؟

وَهَلْ نَضَبَتْ يَنَابِيعُ الرَّبِيعِ وَجَفَّ كَالْحَطَبِ؟

*****

فَيَا وَهَج الصَّبَاحِ أَنِرْ حُرُوفِي مِنْ ذُرَى الشَّفَقِ،

وَبَدِّدْ حُلْكَةَ الدَّيْجُورِ فِي الْعَتَبَاتِ وَالطُّرُقِ…

……./

عن madarate

شاهد أيضاً

حوار مع المبدع المغربي إسماعيل زويريق أجراه معه الشاعر الحَسَن الگامَح

  كيف يرى المبدع إسماعيل زويريق الكتابة بصفة عامة؟ الكتابة أهم ما اخترعه الإنسان على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *