الرئيسية / دراسات / رواية: رجل المرايا المهشَّمة للروائية والرسَّامة لبنى ياسين قراءة لنجيب كيالي

رواية: رجل المرايا المهشَّمة للروائية والرسَّامة لبنى ياسين قراءة لنجيب كيالي

رواية: رجل المرايا المهشَّمة للروائية والرسَّامة لبنى ياسين قراءة لنجيب كيالي

جميلٌ أن يلتقي اثنان من الفنون في عمل إبداعي واحد، وتتشابكَ خصائصهما، كما في هذه الرواية التي يمتزج فيها الفن الروائي بفن الرسم، فصاحبةُ الرواية ذاتُ باع في هذين الأمرين معاً، بهذا الامتزاج يصبح العمل أكثرَ حرارة، والتشكيلاتُ الجمالية داخلَ النص أعمقَ أثراً كما أظن، وها نحن منذ العنوان: (رجل المرايا المهشَّمة) يطلُّ علينا الفن التشكيلي، وترتسم في الذهن صورةُ رجل يظهر مهشَّمَ الملامح في مرآة، أو أنَّ المرآة مهشَّمة، وهي تقوم بتكسير ملامحه، ولاحقاً- مع القراءة- نعرف أنه صطوف الذي حملت به أمه مكرَهةً حين اعتدى عليها صاحب ورشة النجارة أبو نعيم.

ويتداخل الرسم بكل شيء تقريباً في المتن الروائي، في تركيب المفردات والجمل، وفي طريقة النظر إلى الأحداث، وفي رسم المشاهد بأسلوب تشكيلي ثلاثي الأبعاد.

أحداث مأساوية طريفة:

ينطلق النمو الدرامي صعوداً من النقطة السابقة: اعتداء أبو نعيم على المرأة التي ستكون والدةَ صطوف، ويغتني بقضايا كثيرة، اجتماعية، وإنسانية ووجودية، لكنَّ بؤرةَ الأحداث تبقى صطوف ومشكلته النفسية التي صارت عقدةً أو منخفضاً جوياً يعسكر فوق حياته، ويأتي منه البرد والعواصف.

يولد صطوف مشوَّه الشكل، ومع تشوه شكله يتمُّ تشويهه نفسياً من خلال نفور أمه منه، وكلِّ مَنْ يراه أيضاً، ولأنَّ أمه الكارهةَ له هي أنثى صار يخاف من لقاء النساء بصورة خاصة، ويميل كالبندول إلى الأمام والخلف محاولاً أن يخفي تشوه وجهه أمامهن.

كانت لصطوف إمكاناتٌ عقلية متقدمة، لكنَّ أباه أخرجه من المدرسة ليعمل في ورشة النجارة، ودائماً هو صامت، لأنه يشعر بأنه مرفوض وغيرُ مرحَّب به ممن حوله، وليس له من صديق في هذه الدنيا إلا الفِرائي، وهو قط أعور عَثَرَ عليه، وصار أنيسَهُ حين يعود إلى البيت، وقادراً على استيعاب أفكاره ومناقشته فيها.

العلاقة مع القط شكَّلت جانباً حيوياً مدهشاً جميلاً وحزيناً في الوقت نفسه، غاصت فيه الرواية بمقدرة كبيرة

، وتجسَّدت لنا من خلاله صورةٌ حية من صور التعويض النفسي، فعندما يخيب أملُ شخصٍ ما ببني البشر، فلا بدَّ أن يتجه لعالم الحيوان أو دنيا النبات والطيور ليجد بديلاً.

ورغم أنَّ بعض الكاتبات يعمدن لمعالجة قضايا المرأة من أجل التسويق التجاري والظهور، لكنَّ الكاتبة السيدة لبنى- كما بدا- كان يهمها وضع الإصبع على جرح كبير، تشكَّلت منه في الرواية متواليةُ كوارث اجتماعية، فمن الاعتداء على الأم إلى ولادة صبي مشوه تُسَاءُ معاملته، إلى موت الأم غمَّاً ومرضاً، إلى زواج الأب ديبو بعد موتها مرة ثانية، وتكاثفِ العزلة حول صطوف، إلى انكسار حبه الصامت الذي شعر به نحو أخت زوجة أبيه مها، حيث تزوجها أخوه سالم دون أن يجرؤ هو على البوح لها بشيء من مشاعره.

مع التوغل في نهر الأحداث نرى أننا أمام رواية نفسية اجتماعية، والتجديف في مياه من هذا النوع ليس يسيراً، لكنَّ النص يمشي متنامياً بصورة جيدة.

ذروة الكوارث الصطوفية تبدأ عندما يعمل هذا الشاب المشوه في غرفة برادات الموتى، وهنا يأتي دور بارز لفن الرسم الذي تتمتع به الكاتبة، فتضع بين أيدينا لوحاتٍ مدهشةً- وإنْ كانت مترَعةً بالسواد- لمحتويات الغرفة، ولما فعلَهُ صطوف هناك، فبعد خوفه من الموتى أَنِسَ بهم، وصار يُخرِجُ الجثث ويمازحها، وقد صفع مرةً أحد الأموات، لأنه أحسَّ به لا يصغي إليه! وحين تتاح لصطوف فرصة زواج بدت كأنها هِبةٌ من السماء تعترف البنت لصطوف في الأيام الأولى لزواجهما بأن أباها لم يكن ليوافق على رجلٍ مثلِهِ إلا لسببِ ما فيه من ضعف سيمكنه من متابعة أمرٍ قذرٍ للغاية هو استغلاله لها في علاقة شاذة: أب وبنت! تهربُ الزوجة سحر إلى بيت خالتها أو إلى مكان مجهول، فتبلغ العقدة النفسية والحياتية عند صطوف أعلى مستوياتها، وتُفتِّتُ برعمَ الأمل الوليد الذي نبتَ في قلبه حين اقترن بتلك الزوجة.

يرى علماء السيكولوجيا أنَّ المشوه نفسياً المهزوم أمام وقائع الحياة واستحقاقاتها سيعمل لا شعورياً على تحقيق انتصار مزيف، وسيحاول إشباعَ جوعه لما هو محروم منه بطريقة اقتناصية مشوَّهة، وهذا ما جرى لصطوف، فهزائمه أمام النساء، ولا سيما هزيمته الأخيرة الفظيعة أمام سحر حيث لم يتمكن من حمايتها من أبيها أو الاقترابِ من جسدها قذفَهُ ذلك نحو علاقة جنسية غريبة مع جثة العروس الميتة فاتن، ولما انكشف أمره آلَ مصيره إلى السجن والضياع النهائي.

وهكذا.. فهذه الرواية تعالج قضيةً على درجة من اللذع والأهمية والتأثير هي قضيةُ الاغتصاب الفظيعة الشديدةُ الإيلام، وما يلحق بها من ذيول قد تكون أكثرَ منها فظاعة، وقد رسمت لنا الكاتبة ثلاثَ صور مأساوية للاغتصاب في روايتها:

الأولى: اغتصاب أبو نعيم لزوجة ديبو صانعه، وهي أم صطوف.

الثانية: اغتصاب أبو توفيق لابنته سحر، وهو ما يُعرَف بزنا المحارم.

الثالثة: اغتصاب صطوف لجثة عروس في غرفة البرادات.

هذا الأمر الذي يمكن أن نسميه اغتصاباً أو افتراساً جنسياً أو جنوناً غريزياً مازال موجوداً- للأسف- في المجتمع العربي، وفي مجتمعات كثيرة أخرى مع اختلاف الدرجة وتنوع الأسباب، لكنَّ النساء- في كل الأحوال- هنَّ ضحاياه بالدرجة الأولى وحاملاتُ بلاويه وآثاره القاتمة، ففي هذا الاعتداء عليهن تُنتهَك الكرامة مع الجسد، ويصبح الحزن جرحاً لا شفاءَ له، وقد يلازم ضياعُ العمر المرأةَ التي وقع عليها ذلك، فَسَحر ضاعت وتشردت، وأم صطوف أصابها التشتت، ثم اختطفها الموت، ولو كان لجثة العروس التي اغتصبها صطوف لسانٌ قادرٌ على الكلام لأطلقت الصيحاتِ والولاويل.

البصمة الأسلوبية

من أهم ما يختطف القارئ إلى رواية دون سواها الأسلوب المرتدي ثوبَ خصوصيته المتمتع بألق القص والجمال الفني ولو كان المحتوى مأساوياً أو غارقاً في مأساويته كهذه الرواية. إنَّ البصمة الأسلوبية هنا واضحة ساطعة، لا تختلط بسواها، ومن أهم عناصرها:

1- لغة أنثوية حارَّة شديدة التفاعل مع الحدث ممتزجة بخيوط من الشَّاعرية، وروائح التأمل، وكأنها تقترب بنا من الفلسفة أحياناً: (هل تنقلب الأيام فتصبح قصصاً مكتوبةً على جدران العمر حتى يغدو بإمكانك أن تُغيِّر قدرك بمجرد أن تُغيِّر الحائط الذي تقف قبالته؟)ص 205، ومن الشاعرية: (يسترقُ السمعَ لموسيقى صوتها، فيتعلَّم كيف تغرد العصافير بعيداً عن الأغصان) ص 91

2- فنية عالية في تقديم المشاهد النفسية وترسيمها، فصطوف قبل اغتصابه للعروس الميتة انقسم إلى اثنين: صطوف المراقب، وصطوف المفكر بالإقدام، وقبل مجيء العروس تمَّ التمهيد لما سيحدث بأنه كان يقرأ روايةً تماهى مع بطلها الوسيم الذي تتعشقه الفتيات.

3- ثراء بالتفاصيل إلى درجة كبيرة جداً، وإعطاؤها ما تستحق من عناية، ولعل هذا الثراء من خصائص القص النسوي، ولعله ميزة لافتة، فنشعر بأن للتفاصيل بطولتَها بجانب البطولة الأساسية التي تتجلَّى في الأحداث، من التفاصيل وصف السرير المتحرك الذي يُستخدَم لنقل الموتى، وقد ينام عليه المناوب الليلي ص 122، ومن ذلك أشواق صطوف ليوم الثلاثاء حيث يعود من الورشة، وتندفع مها/ حبيبته التي تكون في زيارتهم لتفتح له الباب، فيشعر بتناغم عجيب بين خطواتها ودقَّاتِ قلبه.

4- اشتباك الأسلوب بفن الرسم، وقد أشرتُ إلى ذلك منذ البداية، وتستوقفنا جمل كثيرة تشفُّ عن هذا الجانب: (السَّياف يرتدي ثوباً مزركشاً بجماجم صغيرة، والجمهور جامد كتماثيل شمعية) ص22، حتى إننا نشعر بأن الرواية مجموعة لوحات مرسومة ببراعة ونحن القراء نتجوَّل في هذا المعرض الفني الذي يمزج السمعي/ اللغة بالبصري/ التشكيل والألوان.

في الختام: هذه إطلالةٌ صغيرة على رواية رجل المرايا المهشمة تشبه نظرةً عابرة عجلى على غابة خضراء واسعة، قرأتُ الرواية بنهم، ولم أكن نادماً على عدد  الساعات الكثيرة التي أنفقتُها في قراءتها، بل كنتُ بعد الصفحة الأخيرة أتطلَّع لصفحات أخرى.

*

 

رجل المرايا المهشمة 236 صفحة- طباعة مؤسسة أبجد للترجمة والنشر والتوزيع- العراق- 2023

٢٠٢٣/١٢/٢٠

عن madarate

شاهد أيضاً

الملحون وأسئلة الهوية والماهية- قراءة في كتاب محمد بوعابد (أبو ريم) حفريات في الشعر الملحون – عبد الجليل بدزي

  الملحون وأسئلة الهوية والماهية- قراءة في كتاب الأستاذ الباحث محمد بوعابد (أبو ريم) حفريات في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *