الرئيسية / دراسات /  سياسَاتٌ مُضادّة على افتراضاتِ الارتكاسةِ الثقافية في كتاب «الحياطة في الرحلة إلى طاطا» للكاتب محمد كروم – محمد ايت احمد

 سياسَاتٌ مُضادّة على افتراضاتِ الارتكاسةِ الثقافية في كتاب «الحياطة في الرحلة إلى طاطا» للكاتب محمد كروم – محمد ايت احمد

 سياسَاتٌ مُضادّة على افتراضاتِ الارتكاسةِ الثقافية في كتاب «الحياطة في الرحلة إلى طاطا» للكاتب محمد كروم([1]) محمد ايت احمد

 

“ليس من لزم جهة وطنه وقنع بما نمى إليه من الأخبار من إقليمه كمن قسم عمره على قطع الأقطار، ووزع بين أيامه تقاذف الأسفار، واستخراج كل دقيق من معدنه، وإثارة كل نفيس من مكمنه.”

أبو الحسن المسعودي

مُلخص: تروم هذه المقاربة النقدية فتح حوار أنثروبولوجي – ثقافي مع النص الرحلي؛ “الحياطة في الرحلة إلى طاطا” الذي خطته أنامل المبدع المغربي محمد كروم، واعتبارا لأهمية هذا النص وفُرادته الإبداعية، إذ يُعد من الإنتاجات الكتابية القليلة التي شَغَّلت دوائر الحلول والترحال حول إقليم طاطا وحوّلتها إلى ممارسة كتابية مبدعة، يبدو مُفيدا أيضا التنصيص على أن الرحلة في “الداخل” التي سعى محمد كروم إلى تمثيلها، هي رهان شاق، قد لا يُطاوع الكاتب باليُسر الذي عهده الكُتاب مع الرحلة إلى “الخارج”، لأن الداخل يُعتبر دائماً أشد التباساً وأكثر غرابة وامتناعاً من الخارج.

وكما يُبرز عنوان هذا التأمل البَحثي، فقد كانت قراءتنا للنص مدار التحليل هادفةً إلى طرح سياسات مُضادة لبعض العناصر الثقافية كما يطرحها صوغ المتن، وفي المسافة المتوترة، بين إرادة الكاتب النبيلة تصوير الواقع الهش لإقليم نائي، والكتابة بما هي فعل تذويت لا يخلو من تحيز وموقف، في تلك المضايق كان لنا رأي لا يبتغي الرد والامتناع والتصويب بقدر ما يهدف في جوهره إلى إغناء هذه البادرة الإبداعية الجميلة والالتفاتة الجادة من نوعها. ولأجل تظهير هذا الحوار النقدي فقد كان المنظور السردي – الثقافي دعامة القراءة والسند المرجعي للتحليل.

كلمات مفاتيح: النص الرحلي، الثقافة، طاطا، سياسات مضادة، التجنيس، انتكاسة ثقافية، تعاطُف ثقافي…

توطئة

منذُ أن وقع لنا الكاتب محمد كروم هذا الكتاب – الذي نتحاشى بدورنا وصفه كتاباً رحلياً، كما فعل الكاتب نفسه مُتعالياً على التأطير الأجناسي- وذلك بتاريخ 29/02/2020. على هامش معرضٍ للكتاب أُعدَّ أنذاك بطاطا، وفي سابقة لذلك النوع من المعارض بالإقليم.([2]) مُنذ ذاك الوقت، وضعتُ هذا الكتاب في إحدى عُلب الكرتون التي تحتوي على بعض ما نتزود به من جديد في الإصدار الروائي والنقدي ومُختلفات أخرى.

لقد كنت ابتداءً من وقته ذاك مُنشغلاً حدَّ الانزعاج والقلق.([3]) بسؤال يُطالعني كلما وجدت هذا الكتاب من بين كتبي، وهو السؤال الذي جاءني مُنذ الأول واختفت حدته بعد هذه السنين: هل عرف محمد كروم “طاطا” فعلاً في سنتين قضاهما مفتشاً تربوياً هناك، واستطاع بالتالي أن يكتب عنها ؟ وبخاصة في صوغ الترحال وعنوان الرحلة الأعقد.؟.. وقد فتحنا فيها الأعين وخبرناها لثلاثة عقود، ما زلت أجهلها، طاطا بلا هوية هي..؟؟، في سَكناتها وفي تحولاتها وفي البطء الذي يعتريها وفي شُموخها وكبريائها.

لما أفرغتُ من قراءة هذا الكتاب، اتضح لي بالفعل أن تصوري الذهني كان في محله، حولَ صعوبة إدراك الإقليم ومجاراة خصوصيته وبواطنه الثقافية، ولا سيما مُحاورة أسئلته المحيرة والإشكالية في بعض المرَّات، خاصة إذا كانت العين التي تُدخل الخيط في الإبرة عيناً أجنبيةً لم تقضي زمناً طويلا لاستيعاب بعض ما هو مُفارق ومُناقض لما قد يبدو في أوّله. وربما هذا حال بعض الأقاليم الأخرى التي لم تتفجر بعد بسياسة المدينة الكبيرة الغارقة في فوضى الثقافة المعولمة.

يقع الكتاب لمحمد كروم في (112) صفحة من الحجم المتوسط، مُوزعة إلى (15) قسم، في كل قسم كلامٌ وحديثٌ ورأي([4]) عن منطقة من مناطق “طاطا” الصّامدة جنوباً وشمالاً، شرقاً وغرباً، وقَدْرُ ما تُوضحه افتتاحية الكتاب في أوّل وَهلة أن تعبير الكاتب عن سفره إلى “طاطا”، تعبيرٌ قد جعلَ منه سفراً في الوجدان والكلمَات والمتخيل أكثر مما جعلَ منه سفراً مركزياً ومرجعياً، بالرغم من أن الأداة المنهجية التي اتخذها الكاتب هي الاثنوغرافية والملاحظة والوصف الأنتروبولوجيين.

نُوضح بأن الكتاب يُلامس أنساقَ الخطاب المتعددة بمنظار المتأمل السّاخر والفاضح والمتهكم، وهنا مكمنُ الاهتمام به، وأجدُ الكثير من العائد المعرفي والتنويري الذي أساسه مُرافعاتٌ وغيرةٌ على إقليم “طاطا” حاضرٌ بقوة عند الكاتب. إذ لا ننفي أنه وفي أكثر من محُاولة وتشخيص ضمن هذا الكتاب، دقّ الكاتب ناقوس الخطر في كثير من قضايا الإقليم وملفاته الحارقة: (الفرشة المائية ونضوبها، خطورة زراعة البطيخ الأحمر وتهديداتها([5])، انعدام الفضاءات الخضراء، مشكلة الطرقات واللوجستيك، أزمة الانحسار الثقافي، مُعضلات الاستشفاء والأمراض، ضعف الخدمات العامة…).

وهي في الحقيقة أمور تشترك فيها “طاطا” مع الكثير من المدائن المغربية المنسية والمطروحة للهامش على الشريط الجنوبي للبلاد بالخصوص، وعلماً بأن هذه القضايا التي يُوليها الكاتب أهميةً تمثيليةً هي ذات أولوية سياسية وتدبيرية بين مراكز القرار والمسؤولين وممثلي الشأن العام، غير أنه من منظور نقدي ما، كان الكاتب يُحمّلُ هذه القضايا بعض الأحكام الذاتية والمواقف والانطباعات الجريئة المتعلقة به كذات كاتبة تسعى إلى التغيير، طَموحة حَالمة على أجنحة الدّواة والورق.

قد أتساوقُ مع الكاتب في جزءٍ كبير من النقاشات التي طَرحها والقضايا التي تَداولها، ولو بالإشارة في كتابه، لكنه من المفيد أن أستدركَ بأن الاكتشاف الثقافي في الكتاب قليلٌ بالمقارنة مع حجم المعرفة الجغرافية والتاريخية والأثرية المحصلة. أو جرى اعتبارها حاصلاً، وبالرغم مما في “طاطا” من تُخوم ثقافية مُمتلئة حدّ آخرها. لم يتناولها النص ولو بالغَمزة والإشارة، وحتى إن حدثَ ذلك فبكثيرٍ من المجازفة والسُّرعة التي لم تحتوي بعد تقلُبات تلك المجريات الثقافية.

1 – إشكالية التجنيس والمرجعية.؟

تؤكد عتبات هذا الكتاب على وضع إزدواجي في التلقي، فمن جهة يُوحي العنوان بصراحة “الحياطة في الرحلة إلى طاطا” إلى أن استراتيجيات تلقي العمل تتورطُ في اعتباره نصا رحلياً، أما انعدام تأشير واضح إلى الطبيعة الأجناسية للنص في غلاف الكتاب فهذا اختيارٌ من عند الكاتب لتبليغ عجزهِ وصمَ الكتاب، أو لتعاليه وتملصه من طبيعته النصية وتحققه الإنجازي، إذ أراده مفتوحاً منفتحاً على كل الممكنات، غير أنه، ومن جهتنا نرى أن إشكالية التجنيس – ما بين المحددات المناصية وأهواء الكاتب – بما هي مُشكلة في تأطير الفعل التجنيسي، يجب ألا تخضع دائماً لاشتهاءاتِ الكاتب ونرجسيته وتَعاليه خارج قوانين الجنس الأدبي، فيُبدي حركته في أناة مُتضخمة بأن نصه يستعصي عن التصنيف.

إن هذا تقليد أصبحَ يألفهُ بعض الكُتاب، وجب على النقد الالتفات إليه كموضوعة هامة في أدبيات النقد المعاصر وتحولات الكتاب في زمن اليوم المتقلب على إيقاع الرقمنة والتكنولوجيا والنصوص الديجيتالية.

بشكل عام، ودونما الإكثار حدَّ اللُّزوم في قضية التجنيس، يبدو أن كتاب محمد كروم، كتاب رحلي قد توفرت فيه مُقومات الخطاب الرحلي ودعاماته، أجدني إزّاء هذا الأمر، وبهذا الصدد أعود إلى دراسة لمحمد حاتمي بعنوان: (خطاب أدب الرحلة) يبسُط فيها جُملةً من التعريفات التي صيغت للنص الرحلي، وقد انتهى من خلالها إلى تعريف من منظوره الخاص، وهو تعريف أورده بعد جملة من الملاحظات النقدية التي صاغها بخصوص التعريفات المبسوطة.

يقولُ الباحث محمد الحاتمي في محاولة له لضبط مَعالم المفهوم؛ “بعد هذه الملاحظات على التعاريف السابقة، أود أن أقترح تعريفاً يبدو لي شاملا، فأقول: “الرحلة” خطاب تُنشئه ذات مركزية هي ذات الرحالة، تحكي فيه أحداث سفرٍ عاشته، وتصفُ الأماكن المزورة، والأشخاص الذين لقيتهم، وما جرى معهم من حديث، وغايتها من هذا الحكي إفادة القارئ وإمتاعه”.([6]) ولعلني هنا، أجد الكثير مما وجد في هذا التعريف متوفراً في كتاب “الحياطة في الرحلة إلى طاطا”، لذا ومن مُنطلق خاص، جازَ عدُّه كتاباً رحلياً، لولا بعض هذا التفادي الذي يُبديه الكاتب بلا مُسوّغ من داخل المدونة الأجناسية.([7])

وإذا ما عُدنا لاستذكار الخاصيات التي تمُيز الكتابة الرحلية عن غيرها من الكتابات، فمن المفيد الإشارة إلى ست أساسيات وجب أن تتوفر في النص الرحلي([8]) وهي على التوالي؛ 1 – هيمنة بنية السفر المؤطرة والمنظمة للأحداث. 2 – الذاتية: أي الحضور البارز للذات الرحالة، حيث تحتل الذات المركز في الحل والترحال. 3 – الحكي بصيغة ضمير المتكلم مفرداً أو جمعاً، وهو تجلٍّ من تجليات الذات في أسلوب الكتابة الرحلية. 4 – الواقعية: أي أن الرحالة يروي واقعاً عاشهُ في فترة زمنية والأشخاص محددي الهوية والأمكنة معروفة، وبهذه الخصيصة ينفلت الرحلي من مُتخيل الروائي أو يندمج معه. 5 – دورة الخطاب: حيث الرجوع إلى نقطة الانطلاق، وهكذا يدور الخطاب مع السفر. 6 – تعدد المضامين وتداخل الخطابات: حيث يشتملُ الخطاب الرّحلي على معارف متنوعة: دينية وتاريخية وجغرافية وإثنوغرافية وأدبية…

هذا وتجدر الإشارة قبل الخوض في هذا التأمل النقدي حول الكتاب إلى أن للنّص الرِّحلي أيضاً عناصر ثابتة ينهضُ عليها، فقوامهُ النّصي هو ما يميزهُ عن غيره من النصوص، وجملةُ مُكونات النص الرّحلي هي إذا ما جئنا على ذكرها مُوجَزةً؛ أولا: المعرفة إذ إن الرحالة يُولي اهتماماً أكبر للمعرفة التاريخية. ثانياً: السرد حيث يبدأ مع الرّحلة ويستمر حتى نهايتها، والمقاطع السردية هي في جُلّ المجال الرّحلي.. ثالثاً: الوصف بما يشملُ وصفَ الأمكنة والأشياء والأشخاص.. رابعاً: الشعر حيث تطفح النصوص الرحلية بالكثير من الأشعار المختلفة المضامين، والمتفاوتة في القيمة الفنية وهي من إبداع الرحالة أو غيره.([9])

وحينما نعمدُ إلى تحري وجود هذه العناصر والمكونات من عدمه في كتابه “الحياطة في الرحلة إلى طاطا”، يتبين أنها حاضرة بشكلٍ مُندمج ومُعززة ببعض التسريد الإنشائي والبلاغي، وهو ما يجعلنا حقيقةً أن نعتبر هذا الكتاب نصّاً إشكالياً يتراوح بين ميثاق الرّحلة وغواية التخييل السردي، أو باعتباره نصّاً يتشكلُ عند الحدود الشائكة بينهما، ولكن هذا الاعتبار بالنتيجة لا يجب أن ينفي طابع الرّحلية كما فعل الكاتب، ويقطع وريد التجنيس على هوية النص.

بادٍ في هذا الكتاب أن استراتيجيتي التدوينِ والوصف، وعبرهما كعُنصرين، يتم ترحيلُ الرّحلة من واقعيتها إلى تخييلها مُطعَّمةً بالسّردِ وبالأسئلةِ الفكريةِ والوصفِ المُوغل في الأعماق، وخلال شقِّ الكاتب دروب الرّحلة إلى “طاطا”” كما يفصح الكتاب يبدأُ السرد والوصف كما وضحنا أعلاهُ باعتبارهما عنصرين أساسيين في توثيق الرحلة.

لقدْ جعلَ محمد كروم من نصّه الذي رفضَ في مَناصّات الكتَاب أن يُسميه رحلة، وثيقةً يطغى عليها مجُرد التوثيق للحظاتِ السّفر والرفقة مع أصحابه المهنيين خاصة، وبالرّغم من أن مَحكي سَفره هو محكي من “الداخل” لو جاز التعبير، ينظرُ فيه الكاتب للإقليم من “الداخل” تحت الوضع التوجيهي لبعض القضايا الملحة من طَرف ساكنة الإقليم أنفسهم، والصائب أنه على بنية محكي السّفر بهذا الصدد أن تكون فيها النظرةُ الفاعلةُ “معزولة” عن “الداخل”، منظورٌ إليها من “الخارج”، وهو ما كان سيوفر مسألتين هامتين لو اعتمده الكاتب مدخلاً لوضعه الكتابي والتصويري:

المسألة الأولى: خارج التوجيه “الداخلي” الذي تحَكَّم في تبئير الكتابة، كان الاكتشاف في “طاطا” سيكون زائداً وفق ما تقود إليه إرادة وأهواء الذات الكاتبة، أي بمعنى آخر كان النطق في هذا الكتاب ليكون بمنطق الذات حول العالم المحلي، لا أن يكون النطق عكس ذلك، أي بمنطق المستوطنين الذين يُملون إملاءاتهم، ويشرعُ الكاتب في تدوينها، غفلةً منهُ، من أن جوهر الكتابة ومحورها هو الذات والعالم والاكتشاف.

المسألة الثانية: وهي أن خطاب الرحلة، وجب الوعي بطابعه الإشكالي، فهي قد تكون تدويناً لما يريد المستوطِنُ نفسه تدوينه، أو ما يراهُ مُتاحاً للتدوين، غير أن الرحَّالة للتميُّز ببعض الذكاء والحساسية، عليه باستنطاق مخبوء ما لا يُراد تدوينه وإقدارهُ على بلوغه في التخييل النصي أو التجسيد الواقعي سواءً بسواء.

2 تعاطُف ثقافي أم ذكاء ثقافي..؟

يتحدثُ جون جاك روسو في كتابه “الاعترافات” عن رُوح التّرحال كشرط وغذاء ضروري للحياة العقلية للإنسان.([10]) وكل سعي نحو تحويل التجربة إلى أثر فني، فهو مبتغى يتضمن كل عناصر المتعة والتشويق والمعرفة، ومن المفترض أن يكون هذا هو رهان الأدب الرحلي في عموميته. وربطاً بعنونتنا لهذا المحور، يُصادف الرحالة في مسارات رحلته وضعيات شتى، تتعمق تقلبات ذاته، إذْ كان حكيماً أضحى هو نفسه ومع الآخرين، وإذ قلَّ تجربة ألفى ذاته تضيع في الزحام، وإذ كان وسطياً، قاوم من هنا وهناك ساعياً للاعتدال بين الذات والموضوع، وفي وضعية رحلة كروم، ونتيجة تأملنا الذي يقبل وجه الصحة ونقيضها، يظهر أن الذات الكاتبة تأرجحت بين نافذتين مُتقابلتين؛ حيناً تنخرط في سياسة تعاطفية مع الوضع الثقافي للمكان المزور؛ طاطا الجنوب، وحيناً آخر تندمج في ذكاء ثقافي ودهاء إبداعي يُراوغ المسافات ويُتقن فن الاحتياط اللازم، على مَبعدة، وعلى قرب من الذات ومن الموضوع في صورة جدلية بادية للقارئ.

 يُقصد بالتعاطف الثقافي أو الحساسية الثقافية ([11])“cultural Empathy” الوعي بثقافة الآخر مهما كانت نواقصها واحتضانها والعناية المخلصة بها.أما الذكاء الثقافي([12])“cultural savvy” فهو الوعي بثقافة الآخر واتخاذ الحذر منها لئلا يصبح الوعي الذاتي جزءا منها، إما بالاندماج معها إيجاباً، أو بتقديحها سلباً، وملحوظ في أسلوب الكِتَاب قيد المطارحة تأرجحه بين التعاطف مرّاتٍ وتوظيف المناعة الثقافية المخاتلة مرّاتٍ أخرى؛ أي أن الكاتب جعلَ نفسه موضع الاثنين، يُفعل تعاطفه الثقافي إزاء بعض الظواهر والعناصر الثقافية، وهو تعاطف غير بريء مُطلقاً ؟، لأنه يكشف عن بعض الدُّونية التي يُترجمها وعي الكاتب بالظاهرة الثقافية، ويُفعل ذكاءه الثقافي بالصدد الذي يُحصن به نفسه كذات كاتبة فقط لا فاعلة، وهو ما يتضح حين انجرافه وراء بعض الأحكام القَدحية؛ يقول الكاتب محمد كروم: “قررت أن أدون ما وقعت عليه عيناي من مشاهد متنوعة، رصدت فيها الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعمرانية، ورصدت البيئة الجغرافية والتاريخية… رصدتها محايدا حينا، ومتحيزا أحيانا، لأن الكتابة موقف قبل أن تكون ترفاً.”([13])

إن استراتيجية التعاطف الثقافي لدى محمد كروم، لم تكن رحيمة، تؤتى بمنظار كُلي يَستوعب ظروف الإنسان والمدينة، وبالتالي وضّحت بنيات التعبير الكتابي في رحلته، انتهاكيةَ حساسيتهِ الثقافية وعُنفها الرمزي؛ “الجالسون بجانبي لا يتحدثون إلا عن الوديان والأمطار. تحدثوا عن السائقين المتهورين، وعن سيارة القائد التي جرفتها السيول، والشاحنة الكبيرة التي عجزت عن عبور قنطرة واطئة. حين تحدثوا عن صيد الأسماك، ابتسمت ساخراً..”([14]) ([15])، هذا ومرّات عدة، وفي سياقات نصية متباينة، ينكشف هذا التعاطف بوجهه الصريح: “مئات الأمتار قطعناها مقلقلين، ساخرين من هذا الوضع البئيس، مشفقين على سكان الجماعة.”([16]) وهذا إنما يبين إيكولوجية هذا النص الرحلي، المحملة ببعض القاموسية المتعاطفة، وقد يكون مردُّ ذلك هو الأفكار النمطيةStereotypes  التي كتب على إيقاعها محمد كروم وأبدع حول طاطا، والأمر في صوابه، يجب ألا يُبنى على الثابت الذهني، بل على الاكتشاف الثقافي المحايد الذي تقود إليه معطيات الرحلة وإثباتاتها، لذلك كنت أفكر، لماذا لم يستغرب كروم حينما سمع الجالسين يتحدثون عن صيد السمك، وفي المقابل سخر وتهكم…!

سنوضح في ما يقود إليه التحليل لاحقاً، أن التعاطف الثقافي، قد يكون الحافز الأول، أو الدافع الحقيقي الذي حرّك الرّاكد في ذائقة المبدع، ليقدم للإقليم -أمام عجزه عن تقديم أي شيء-، كلمات مُتراصة وأقاويلَ مُعبرة وأفكار مُدججة، وهذا ما انتهى إليه في آخر كتابه، بعدما أعياه الحلول والترحال مُعرباً؛ “عدنا وقد قر في نفسي أن أنشر هذه الأوراق، قلادة على صدر طاطا…”([17])

ويرتبط هذا التعاطُف، من جهة أخرى أيضاً -كما سنوضح-  ببعض النرجسية، أو التعالي والفوقية، تلك التي تمتع بها الكاتب وهو يعتلي عرش الكتابة حول إقليم هامشي، مطمئنا أنه لن يفكر أحد في كتابة إبداعية عنه، وهذا ما جعله يفصل بشكل هرمي بين ذاته وموضوعه، وقد تنبثق الذهنية المتعاطفة أيضاً حين إبدائه شغفه وتأثره ببعض الأشخاص العاديين-الذين جعلت منهم المدينة العادية أناسا عاديون جدا-([18])وكذلك حين إعجابه ببعض الأماكن المزورة، التي لم تكن عادية، ولكنها وجدت في مكان عادي، أو يراه الكثيرون عاديا في وجه آخر للتعبير.

وبالرغم مما نسجله من موقع ناقد، فإن سحر المعرفة وشهوة الاكتشاف، أمرٌ لا يمكن نفيه وأنت تقرأ هذا الكتاب، بل وكذات مَحلية، أجدني لم أستطع التعرف على كثير من الطبونوميات والاثنيات والأحداث كتلك التي كشف عنها الكاتب، أسُوق بهذا الصدد أمثلة لبعض الأشياء التي أورد الكاتب أنه قرأها على النت، وهي بالكاد لم تمر حتى على طرف مسمعي ذات مرة؛ ” ما كتب على صفحات النت عن فوز أحد تلامذة الإقليم في مسابقة “جائزة محمد زفزاف لناشئة القصة المغربية” التي نظمتها جمعية نادي القصة القصيرة بالمغرب، فاستدعي إلى الرباط للمشاركة في حفل تتويج الفائزين، ولما وصل إلى هناك، لم يجد أحدا. وهو حدث كان له أعمق الأثر على نفسي، انتهى بي إلى كتابة نص قصصي يحمل عنوان “الجائزة الكبرى”. وهو منشور بمجموعتي القصصية الأولى”([19])

إن إيراد محمد كروم لهذا الحدث حول تلميذ من طاطا الهامشية يتعرض لانتكاسة مركزية مقصودة، بل واتخاذه هذا الحدث مرجعية لسرد قصصي، يدلني إلى ثلاثة أمور: أولا: تعاطف ثقافي مع هموم منطقة منكوبة، لا سيما حوادث تُظهر شدة التحقير والإماتة لطموحات وآمال المنطقة المهدورة. وثانيا: ذكاء ثقافي من عند الكاتب لاستغلال مثل هذه الحوادث في قيمتها الهامشية وطابعها الانكساري لتخييل إبداعي. وثالثا: حصول تناقض لدى الكاتب حول ما يدعيه من جهل عن المنطقة، وحول ما يُبديه من توسعة في التفاصيل لن يعلم بها الجاهل بالمكان.

نظراً لما نبديه من قراءات في نص كروم، لا يمكن أن نتجاوز وعي النص ونحن نحلل ثنائية الذكاء والتعاطف عند الكاتب، فإذا كانت تلك الشحنة المضمرة سَاهمة في لا وعي النص، فإن الشحنة الظاهرة جسّدت قُوة النص وضمنت وجاهته التعبيرية حتى لا يغدو الإبداع ضربا من “الشطحات المثقفية التي لا ترتهن إلى أي عمق تاريخي، أو ارتباط اجتماعي في مختلف أبعاده”([20]) وقد تشخصت تلك القُوة في أربعة منظورات وَاعية، تسهم في دينامية شَواغل الرحلة وتُبرهن العمق الإبداعي والفكري في طرائق الكتابة، وهي:

الرؤية الاثنوغرافية: حيث يبرعُ كروم في الوصف الاثنوغرافي، وهو ما يؤكد عدم إتيانه إلى قالب الكتابة الرحلية من دون امتلاء أنثروبولوجي، وفهم عميق للميكانيزمات الاثنوغرافية، وللطرائق الفنية لتصوير العشائر التقليدية، وكذلك التمثل الأوفى لقضايا الهويات المنشقة والعرقيات المتضاربة، ومع أن هذه الأمور كلها بادية في المنجز، إلا أنه بالرغم من ذلك، لم يسلم الكاتب من فج التعبير ومزالق التشخيص، ولكن الأهم أن رحلته استكشافية مُحملة بقصد ثقافي، وهذا ما يُضفي عليها رؤية اثنوغرافية متميزة؛ “وطبعا كما يؤكد مرشدنا وهو الذي يؤمن بكل كلمة يقولها “لا يشفى مرض الزائر الذي لم يؤمن إيمانا خالصا ببركة سيدي دانيال، ولا مجال لشفاء الساخرين والذين يفعلون ذلك بقصد التجريب وتبيان بطلان البركات.”([21])

وهكذا فإن التحليل الاثنوغرافي ها هنا من خلال الاستعانة بمرشد محلي، وفي غيره عبر الإنصات لروايات الشيوخ وكبار الأماكن المزورة، أو بجس نبض المارين والأخذ من محكياتهم، أو بمحاورات عرضية لمتفرسي الوجوه، يزيدُ هذا كله من تعزيز القصد الاثنوغرافي للرحلة، الذي يظهرُ في سياقات أخرى في شكله المنظم؛ “عجنا على أقا لمعرفة بعض تاريخها، بعد أن نسقنا مع الأستاذ الباحث في تاريخ المنطقة عبد القادر أولعايش وتواعدنا على اللقاء في مركز أقا.”([22])

تتمتع الرؤية الاثنوغرافية أيضا بالدقة والانتباه في الوصف، وهو ما سجلناه في مقامات نصية متعددة، “..سألناهم عن سر هذا التأخير في عصر الزيتون فعلمنا منهم أن أهل تكموت ينشرون الزيتون عند جنيه حتى يجف وييبس ثم يعصرونه، وأن عصره في موسم القطاف مستهجن لأنه ينتج زيتا ممزوجا بالماء، وعرفنا أن مكيال عبرة واحدة ينتج بين أربعة لترات وخمسة… ([23]) وكما يبرز هذا المقطع، فإن الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة عند الأهالي – كما الحال هنا مع أهل تكموت، من خلال الالتفات الدقيق والانتباه لمواعيد عصر زيتونهم- إنه لتأمل دقيق لغير الثابت عند جماعة من الناس، وتظهر الصنعة الاثنوغرافية المتأملة للتاريخ، أو المستوحاة منه فضلا عن ذلك، في مستويات مختلفة من النص، بما يفضي إلى تظهير أهمية النبش والتقليب وعوائده المعرفية؛ “وراء الوادي دوار أدخس، يتوسطه أقدم حصن في إقليم طاطا، يحكى أنه يعود إلى العصر المرابطي، وأنه أقدم من مدينة مراكش نفسها. وما زال صامدا يتحدى الدهر وعواديه.”([24])

أما الإعمال المتفكر في العرقيات والعادات والتقاليد والإكليشيهات المحلية، فقد أتقن الكاتب تجسيمه التعبيري وصنعته الأسلوبية بتدبر إثنوغرافي، ونظير هذا القول نقرأ من كتاب محمد كروم: “الكثافة السكانية ضعيفة، ولون الأهالي موزع بين السمرة، والبياض، والسواد أحياناً. وهي ملامح تعكس تعدد المشارب العرقية، والحضارية للسكان: الأمازيغية، والإفريقية، والعربية… كثير من الرجال -خاصة سكان الضواحي- يضعون على وجوههم وأعناقهم شالات سوداء أو زرقاء يتقون بها العواصف، حتى صارت عادة لهم، وديدنا.”([25])

 

يعتمد الامتصاص والتحويل الإبداعي في جوهره على الملاحظة العفوية المباشرة، وعلى مزاعم التفكر ومسالك التأويل، وهذا ما تحقق للكاتب واصفاً أناس طاطا، راصداً لبعض خصوصياتهم الثقافية في اللباس والأعراف وانقساماتهم العرقية، غير أن العقل الاثنوغرافي، بما هو عقل تحده حدود العقل، ولكنه اللا محدود، يؤمن بالتعددية الثقافية والفردية، ولا يقيس على المشترك الهوياتي، لأن سياسات اختلاف من نوع آخر، تنشأ بمجرد مُغادرة دوار أو عشيرة والتوجه إلى أخرى، وفي مجمل القول، كثيرة عبارات الوصف المتقن التي تعكس انفتاح الكاتب ونباهته في ترجمة الواقع العيني إلى الواقع اللغوي؛ “أما النساء فلباسهن متنوع، منهن من لا يختلف لباسهن عن لباس سائر نساء المدن الأخرى، ومنهن من يعكس زيهن خصوصيات المجال: لباس فضفاض يغطي الجسد كله، نصفه أبيض ونصفه أسود في غالب الأحيان، يشبه إلى حد كبير لون طائر صغير ينتشر بكثرة في سائر ربوع الإقليم. وقد يتزيا بعضهن بالأزرق والأسود.”([26])

الوعي الطبونومي والوصف الجغرافي: أدركَ الكاتب أن المكان هو التاريخ وهو الإنسان؛ «ان صح أن الماضي كزمن يحفظ دائما بسجلات وبآثار، علنية أو مضمرة في الذاكرة، فإن المكان يشكل أحد أعمدة هذا الماضي.»([27]) ولهذا، وفي الصوغ لمعطيات الرحلة، ظهر اهتمام مُفرط بالمكان؛ بالجيولوجيا والطبيعة النباتية خاصة، إذ نجد الكاتب مهتما كثيراً بسلسلة باني وتنوعاتها الجيولوجية، في زيارته، لأقا  ولأكينان ولتمنارت…، توسع بما فيه الكفاية في وصف الطبيعة النباتية والحيوانية الحية، والطبيعة الجامدة كذلك، وقدم مُعطيات دقيقة حول جغرافيا المناطق، الثابت فيها والمتحول، علما أننا نسجل التقافز على بعض الأماكن ذات أهمية لا تقل، وتقع في نفس الخط الرحلي للمبدع كأكارف وتيكان وأقايكيرن وإدولسطان وإيكو… وهلم جرا…كما نُسجل عدم إيلاء أهمية للمثقف في بعض المناطق المعروفة بحيويتها الثقافية والنضالية، ما يعني أن الكاتب كان يدون بمحض المصادفات ولم يكن يملك فكرة شاملة حول الأماكنية من خلال التقصي المسبق.

العبور الأجناسي: في هذا النص الرحلي، يُوجد ملمحٌ تَسجيلي، فيه إيقاع يومي ورَصيد وثائقي، وقد لعبَ فيه الشعر دوراً أساسياً في خلق لحظات التوازن بين ضغط العالم الواقعي على النثر، وبين ضغط الجانب الوجداني الذي يسمحُ بمقاربة المكان من زاوية الإحساس والعاطفة. الشعر إذن، سمح بــ “حسن التخلص” من مستوى معرفي إلى مستوى معرفي أو مرئي آخر.([28])

وجدَ الكاتب نفسه مجبرا لظروف مهنية إلى أن يشد الرحال لطاطا، وقد اختار التعبير عن ضرورة السفر تلك بالشعر، لما له من بلاغة تعبيرية وموجِزة تُصور وقع الحال على نفسيته، فلم يملك إلا أن يتمثل قول الشاعر:

مشيناها خطى كتبت علينا    ومن كتبت عليه خطى مشاها([29])

وقصد التعبير عن قساوة طاطا، مناخها الصعب وجغرافيتها الممتدة، ومأساتها الاقتصادية والتنموية، يستحضر الكاتب قصيدة “إلى اللقاء” لعبد المعطي حجازي، مقتطفة من ديوانه “مدينة بلا قلب”، وقد أحسن الكاتب في هذا التفاعل الذي يعبُر خلاله من نثرية الرحلة إلى شعرية الوجدان؛

شوارع المدينة الكبيرة

قيعان نار

تجتر في الظهيرة

ما شربته في الضحى من اللهيب

يا ويله من لم يصادف غير شمسها

غير البناء والسياج والبناء والسياج

يا ويله من ليله فضاء

ويوم عطلته

خال من اللقاء

يا ويله من لم يحب

كل الزمان حوله شتاء…

كثيرة هي المواقع النصية التي يجيء فيها الكاتب بالشعر عوضا تعبيريا وبديلا تصويريا، خاصة حينما يرتبط الأمر بوضعية التعبير عن الحالة الذاتية،كما هو الحال مثلا، حينما تم إيراد نونية المتنبي.([30]) وفي سياقات أخرى تنيط بوصف الجمال الطبيعي، يستذكر الكاتب أقوالا للشعراء، كما الحال في إتيانه بالشعر قائلا:

إذا نزل الغيث بأرض قوم    رعيناه وإن كانوا غضابا([31])

القلق الاستفهامي: إن هذا النص مُثقل بالاستفهام، مُفعم بحيوية التساؤل، وهذا القلق الاستفهامي خصيصة من خصائص الكتابة الفكرية، ولا شك أن نص الرحلة قد استطاع أن يُدمج في إبداعيته هذا التجديل الفكري الذي يصنع الحيرة والذهول ويُشيطن القارئ في مستوى التلقي؛ “متى عاش هؤلاء؟ كيف عادوا إلى ظل خالقهم؟ هل ماتوا كما يموت الميتون أم اجتاحهم وباء ما؟ لماذا تبدو المقابر أكثر من الدور؟ هل رحل الناس ولم يفكروا في العودة؟ هل يتساوى في الثرى كل الراحلين؟ هل بخل السماء الذي جعل الأشجار تموت واقفة هو نفسه الذي طرد الناس، وجعلهم يبحثون عن حياة أخرى في أرض الله الواسعة؟ أسئلة تقلقني كلما عبرت المكان؟”([32])

يعد الخطاب الاستفهامي من الطرائق الفنية التي تستبد بفرائس المتلقي، وتفرض أن يُنصت للنص بروية وهدوء، وقد اعتمد الكاتب هذه الاستراتيجية الخطابية، أولا: استحضارا للمتلقي الإشكالي غير المستهلك الذي ينفتح على السؤال أكثر مما يتفاعل مع المعطى، وثانيا: لتصريف الهم الفكري وتقاسم المتاهة الإشكالية بالمنظور الشخصي للذات الكاتبة؛ “أسئلة كثيرة أرقتنا ونحن نخترق هذه البنايات: متى بنيت كل هذه الصروح؟ من أين جاء البناة بهذه الصخور والحجارة العجيبة؟ متى سكنها أصحابها؟ وأين ذهبوا عنها؟ لماذا تركوها وحيدة عارية يغتصب الزمان بهاءها وفرادتها؟”([33])

لقد وُفق كروم في مَغارة أسئلته، وكلها صبت في عمق الجروح التي يجب أن يتعافى منها الكائن والمكان في مدينة طاطا، ومما استشكل على الكاتب من قضايا، بعضها أثري عمراني، وذو طبيعة تاريخية، وبعضها ثقافي وذو صبغة فلكلورية، وبعضها سياسي محض، كالحضور الملفت للمشاريع الخليجية بتلك الأرض، والنوايا المبطنة من وراء ذلك. “دارت بخلدي أسئلة كثيرة: ما الذي جاء بهؤلاء الخليجيين إلى هذه الأصقاع؟ هل تنقصهم الشمس والصحراء؟ هل يجدون في بلدنا ما لا يجدونه في بلدانهم؟ هل يضيفون شيئا لهذه المناطق التي تستقبلهم بالأحضان؟.”([34])

الاقتداء بأسلوب المقامة: علاوة على ما أشير إليه، يستنتج المتأمل للبنية الأسلوبية والخطابية في هذا النص، وجود نفحات مقامية، يحذو بواسطتها الكاتب حذو الأسلوب في فن المقامة، متأثرا  بالهمدانية والبصرية، وهذا الأمر قد ساهم في إغناء التشاكل النصي وتنويع الصيغ؛ “حين نصبت الأثافي، واستوت القطبان، ارتفع إلى السماء الدخان، فصار حسن بمروحة يهش، ونحن نبش، ثم ارتفع الإبريق إلى الأعلى فانحدر الشاي غير محلى…”([35])

ويبدو من المفيد أخيرا، قبل الانتقال لنقد النص، أن نشير إلى أنه قد وجدت بعض الأخطاء في كتاب محمد كروم، وهي أخطاء قد يتعامل معها الإنسان غير العارف بمنطقة طاطا بشكل يسير، ولكن قد يحدث العكس مع إنسان المنطقة الذي لن يتعامل معها بالاستسهال، ومثيل ذلك قوله([36])، سهوا وخلطا حتى لا أقول خطأً “الذهاب من إغرم إلى طاطا يضع المسافر أماما خيارين: طريق طاطا إسافن، وطريق طاطا تمكروت…”([37]) والصواب الجائز في الخيار الثاني هو القول طريق طاطا تكموت، أما تمكروت فهي منطقة نواحي زاكورة، عرفت بزاويتها ذات الطريقة الناصرية، والتي أطلق عليها ذات الاسم “تمكروت”، وفي الرحلة التي تتغيا دقة المعطى الجغرافي والتوصيف الأماكني قد تكون مثل هذه المختلطات أمرا غير محمود.

3 – سياسات مضادة أو ردّاً على مُوجهات الكتاب.

يتشكلُ ردُّنا السَّاعي إلى تقويض افتراضات الانحسار الثقافي في “طاطا”، كما يسعى تمثيلها النص الرحلي لمحمد كروم إلى التعارُض مع الممارسات النصية والخطابية التي رسّخها الكاتب في نصه، وبالتالي إنتاج خطاب مَعرفي ثقافي مُعارض يقف عند طرف النقيض مع ما تذوقته التجربة الرحلية للكاتب وخاصة في جوانبها الثقافية.

وهكذا فإن تفعيل استراتيجية السياسة المضادة (Counter – Politics)([38]) بمثابة رد على الخطاب الذي يبنيه الكاتب في كتابه، وهو رد من منظور ذات إقليمية ومحلية تسعى إلى نقض الادّعاءات حول بعض المسائل الثقافية التي تُفضي إلى تشوُّه ثقافي، خاصة حينما يتعلق الأمر بأجزاء من الجغرافيا المقبورة للجنوب والجنوب الشرقي من بقاع هذه البلاد الواسعة العامرة.

إن تفكيك هذه الممارسة الخطابية في كتاب “الحياطة في الرحلة إلى طاطا” هو تفكيك أيضاً لسياسة تُريد طرح هوية إقليمية هامشية، ذاتُ مَعالم غير يقينية، من خلال افتراضات الملاحظة العفوية فقط، وليس من خلال ما هو قائم على إدراك ثقافي ممعن وشمولي وممتد في الطول الزمني.

أ – الذات النرجسية والقراءة غير المتموضعة Unsituated

في بادئ الأمر، إن المتأمل للنص الرحلي لكاتبه محمد كروم تتضح لديه درجة الصرامة الإيديولوجية ودرجة النزعة السلطوية والذات النرجسية التي تعلو وتنظر نظرة فوقية لـ “طاطا” كُلية، وهي نرجسية وتعالي ناتج من موقف ثابت مُتحقق ومُتَوهّم عند الكاتب في آن واحد؛ إنه موقف المثقف المنقذ والمدرك للأمور من زاوية مُختلفة ومُغايرة للعموم، وهو ما أوقعَهُ في وثوقية مُتزمتة، وهذا ما يتضح في إدراك الخطاب الذي يوجد في طيات كتابه بعض الأحايين، وهكذا فإن “كل ما يمكن أن يكون دالاً إيديولوجيا، له عبارته في الخطاب الداخلي.”([39]) ومما نقرأ نظير القول؛ “وبالقرب من السيارة بدا لنا شاب يطوف بها. ما إن رآنا نطل من وراء الأطلال المعلقة حتى نادى شابا آخر بعيدا عنه قليلا. كان صوته يصلنا بأمازيغية واضحة. كانوا يبحثون عنا. فسمعناه في ندائه يطلب من صديقه الالتحاق به، ويؤكد له أنه رآنا، رأى النصارى بين فجوات الأطلال.”([40])

وقد يبدو من المفيد الإشارة إلى أن مجرد كون “طاطا” إقليماً نائياً، لا يعني أن فيه من العادات والسلوكيات ما يعود لعهود حجرية، وهنا في مثل هذا التصوير السردي أجدني أردُّ، لأنه بات جليّاً مع جيل اليوم عدم اكتراثهم للأجنبي أو لسياراته حتى، ما بالك عدم التمييز بين الأجنبي والمحلي، إن مطمَح الكاتب من مثل هذه المواقف لا يتعدى تسويق المنطقة كمنتوج تقليدي رِجعي لا زالت تسكنهُ ممُارسات الزمن الفائت، ولهذا أجد أن التصور القبلي للإنسان حول مكان ما يتحكم في توجُّهاته حتى عند فعل الكتابة، فيختلط آنذاك صوتُ الحُكم القبلي بصوت الحقيقة المرئية، ولا شك أن الفرز بين الصوتين عملية مُعقدة، لأنه أشبه بصراع ضار بين الفكرة النمطية والفكرة الحقيقية.

في تمثيلاته الرحلية يحرص الكاتب على اقتناص الزوايا الضيقة في البانوراما الثقافية ليُعلل بها غاية الكتاب ومراميه المستجدة، كأنه تأليف يقدم معلومات ثقافية قلَّ مثيلها، وبهذا المسوغ كان الكاتب يقصُر نظرهُ على بعض العناصر الاستثنائية في طاطا، أو عسى أن تكون استثنائية، ولو لم تكن ذلك، “استوقفنا رواق يعرض العطور، وتديره شابتان. كان الإقبال عليه كبيرا. عرفنا السر، فضحكنا كثيرا حين رأينا إحداهما تجيب عن أسئلة الزوار، والأخرى تنظر إليهم بإغراء وهي تعض على شفتها السفلى، عضة فيها أكثر من نداء.”([41])

تُعتبر هذه الاستراتيجية إحاطة ثقافية قاصرة لا تذهب إلى الأقاصي، تُرضي نوازع الذات الكاتبة ومنظورها الشخصي، ولكنها لا تكون بالضرورة مُقدمة لحقائق واقع اجتماعي ثقافي مُتغير، إن اعتبار الإنسان بتلك المدينة أسيراً بدعوى وجود فتاتين تُسيران، ليس مسألة عامة، فالكثير من الناس هناك، لا تأسرهم حضارة الفتاة ولا النساء القادمات من المدينة، لا بلباسهن، ولا بعُريهن، بل على النقيض، فهم أكثر مُيولاً وانجذابا للبدوية، أو القروية التي تتوشح وجهها مُبدية منه قليلا من عينيها فقط، يحب الناس الممتنع الخفي هناك، لذا فإن التأمل في المشهد الثقافي حتى فهمه وإدراكه يقتضي زمناً طويلاً من الاستيعاب لإدراك الثابت والمتغير، وحتى الذات مع نفسها تحتاج حوارا طويلا وزمناً طويلاً لترى المتأصّل فيها والمار مُرور العابر في وجدانها ونفسيتها، لأن الإنسان في إدراكه الشامل لا يجب أن يحتكم فيه لمجرد لحظات زمنية ونفسية، وهذه قواعد ذهبية يعرفها الداني والقاصي في الدرس الأنثروبولوجي…

وطرحاً لجدلية علاقة النص الرحلي بمسألة النرجسية والأنا المتعالية، أعود بهذا السياق إلى عبد الرحيم مودن في دراسته بعنوان “أدبية الرحلة”، مُفيداً ومُتحدثاً عن آداب الرحلة، قائلاً؛ “.. منها الخلوة بين الناس والتجنب غالبا للخصال الذميمة كالكبر(…)، وليس الاجتماع بمن لا تعرفه كالاجتماع بمن تعرفه.(…) وغيره على ما سيأتي من أن السفر تفريج الهموم واكتساب العز والمعيشة والعلم والأدب والبعد عن الإهانة…”([42]) إنه لمن الضروري في النص الرحلي توخي الحذر من المساس أو الإهانة، وإنه لمن الأساسي تحاشي الكبر وغيره من الصفات الذميمة، وهذا ما يرمي الدارس عبد الرحيم مودن تأكيده بهذا الصدد، ولا شك أن محمد كروم وفي نصه لم يؤسس منظوره الرحلي على قواعد الرحلة وآدابها كما يوردها بعض الدارسين.

إن من يتأمل الخطاب الرحلي في الكتاب موضع المقاربة، يُسجل أيضاً أن قراءات الكاتب لم تكن متموضعة Unsituated، إنها قراءات أقول عنها مفتوحة وهو ما يجعلها مُفتقدة للدقة. إذ لم ينتبه محمد كروم إلى أن تكموت و إسافن و تمنارت، قد يقود التأمل – من باب المقارنات -، إلى أنها مناطق ليس لها من طاطا، لا سيما في جوانبها الثقافية، إلا وقوعها في دائرة مجالها الترابي والجغرافي والإداري، أما في العادات الاجتماعية والارتباط الثقافي والسوسيو-بيئي فإن؛ تكموت و إسافن مشدودتان إلى البيئة التارودانتية أكثر مما هما مشدودتان إلى الفضاء البيئي الطاطاوي كما يحلو للكثيرين قوله وهم ينسبون الشخص لمنطقته. ومنه أسوق بعض الأمور برهنة على ذلك؛ وبعضها حسب التقدير والمعرفة بالمجال، تبضع أهل إسافن في إغرم، وتسوُّق أهل تكموت و دوساون في إغرم أيضاً، وهو ما جعلهم يحتكون ثقافيا أكثر – ومعلوم أن إغرم واقعة إداريا ضمن الإشراف الترابي لعمالة تارودانت- هذا فضلاً عن اشتراكهما في كثير من التقاليد الثقافية التي تختلف عن التقاليد المحلية في طاطا، من حيث المبدأ والمواضعات والإيديولوجيات المجسدة بالمعنى الألتوسيري، نسبة إلى لويس ألتوسير.

وذات الشيء نقوله مع تمنارت، ذلك أن ارتباط أهلها بــبويزكارن أشدُّ تمكيناً من الارتباط ب طاطا، حتى أن أناس تمنارت تقل رؤيتهم في طاطا، ما لم تكن لأهاليهم حاجات إدارية محضة عاجلة هناك، هذا ونجد أن فم الحصن أيضاً تتبضع في بويزكارن، وفي كثيرٍ من فلكلوراتها الثقافية وعاداتها في اللباس تقترب إلى البيئة التزنيتية نسبة إلى تزنيت، والتافراوتية نسبة إلى تافراوت، أكثر منها إلى الطاطاوية نسبة إلى طاطا.

وبناء عليه، فإن قراءة الواقع الثقافي والإنساني لمنطقة ما في قالب النص الرحلي، يَشترط تعميق المعرفة، حتى لا تكون القراءة قراءة جغرافية جافة ووصفية، تحد موضوعها في إحداثيات مرصودة وتيمات معطاة قبلاً، تنزع عنها ديناميتها، ولا تنفتح على أفقها وحيويتها، وهذا أمرٌ لا يصدق على التمثيل الرحلي الجاد، إذ لا يمكن قراءة الثقافي الثاوي خلف المكان دون تتبع حركته واستيعاب انعطافاته، وهنا يظهر الدور الطليعي للرحالة أديباً، وكاتباً موسوعياً.

أشير فقط إلى أن هذه الردود ليست تعديلات للتصور الذي بنى عليه محمد كروم نظرته الخاصة إلى طاطا، بل هي مجرد غمزات نقدية ترى في اعتبار قراءته الرحلية، قراءةً ذات مدخل غير متموضع، بيد أن ما نأتي به مختلفاً ومخالفاً هو طرح يسعى إلى تأكيد أن طاطا، لا تخضع لتلك البانورامية التي وضعها الكاتب في تفاصيلها الكثيرة، واستثناءاتها المجالية ثقافيا واثنيا والكثيرة جدا.

ب – تمثيلات انتكاسة ثقافية وردود مُتعارضة.

يسعى محمد كروم إلى تمثيل إبدال نقيض للوقائع الثقافية كما تتجلى في الواقع المحلي للمدينة التي يكتب عنها، وهذا الإبدال النقيض يخفي أسلوبا تهكُمياً وساخراً، إنه إبدال عنوانه التأله المزعوم والفرجة الضاحكة. لذلك أجدني وأنا أعمق منظور القراءة في رحلة الكاتب أبدي تصحيحا حول التمثلات التي صاغها، حول إغرم وإسافن، وخاصة في ظاهرة الصقير كما تجسدت في تشاكلات السرد الرحلي. “هي ظاهرة يسمونها “الصقير” أو “أصقر”. لا تتوقف على أبناء المنطقة وبناتها، بل يشاركهم في لعبتها وطقوسها حتى الغرباء. فكم من غريب صار حبياً أو نسيباً. ويزعم العارفون أن أماكن “أصقر” تعد مقدسة عند الأهالي، فلا يمرون منها بين العصر والمغرب إلا عند الضرورة القصوى، تجنبا لإحراج الفتيات.”([43])

مع الغرباء لا يمكن ولو وجدوا لتعرضوا لأبشع التعنيف، ثم إن هذه اللقاءات داخلية تكون في جو من الاحترام المتبادل والمتعارف حوله. ولا تستوي الأهالي والعائلات في هذا الأمر، حتى وإن تم، فيتم في صورة من السُّكات والحذر والتخفي، أي أن الجميع يجهل بالمعلوم أو يتجاهله، يُباح الأمر لسبب وحيد في عُمقه براغماتية محلية، لأن الظاهرة تحصد الجدَّة أحياناً، وتُتوج بالزواج، وبالتالي فإن تفكيك مقبولية الظاهرة لدى تلك المجتمعات المحلية، يؤدي إلى استنتاج منطق تغليب المصلحة على الخدوش الثقافية التي تلحقهم.

إن تأثر الكاتب ببعض ملامح الجمال الجبلي الذي تُخفيه مُعظم وجوه نساء إغرم المتوهجة باحمرار البرد وبدقة التقاسيم ونصاعة البياض، جعله ينسل إلى الكتابة انسلالة المدائح، وبالتالي تجاوز الكائن نحو الممكن، واعتبر نساء الجبل هناك -اللواتي يكرهن طبع التمدن ويتمسكن بأصولهن- متحررات متهيئات للمدينة، وهذا تصور قد لا يخلو من مجازفة؛ “وأهل إغرم ذوو بشرة بيضاء، وجمال ظاهر، لا يجدون حرجاً في الجلوس على كراسي المقاهي مع نسائهم وبناتهم. بسطاء وأنيقون. غزتهم كثير من مظاهر التمدن، رغم تمسكهم بلباسهم التقليدي، (…) وحدهم بعض أرباب الدكاكين تستطيع أن تحس في تعاملهم بعض التوجس من العابرين.”([44])

أهل طاطا هادئون وطيبون، هذا هو شعار المنتحر، انتحار إرادي أراده الناس هنالك لأنفسهم وقبلوا بهاتين الكلمتين كقرابين للخلاص، أما وهذا التصوير الذي اعتمده الكاتب وسعى إلى الدقة والشمولية، فقد نوافق عليه الكاتب في نظرته، ولكن شظايا بعض العبارات التي يكون لها نزوع إيديولوجي غير مفهوم، تستدعي القليل من التريث، لأن ما يخفى هو أن العلاقات القبلية هناك بقدر ما هي سبيل للتكتل والالتحام، فهي سبب في الانشقاق والعصيان، وهو ما يَضر بالمصلحة الإنسانية التي هي فوق كل اعتبار، وما أحوج مثل الإقليم إلى التوافق حولها. وقد يلفني بعض اليقين أن كاتب الرّحلة لو استوطن المكان والزمان كثيرا، كان سيقطع مسوداته، ليعيد البناء والفهم، فكل يوم هو إدراك جديد، وفاتحة نسيج وخيوط. “أهل طاطا هادئون وطيبون. تتحكم فيهم العلاقات القبلية. حركتهم في الشوارع والأزقة قليلة. في أغلب الأوقات تصمت المدينة صمت المقابر، خاصة أيام الحر التي لا ترحم. أغلب المحلات التجارية تضع أمام أبوابها دنان ماء خيطت حولها قطع أثواب سميكة، تحفظ برودته، ليشربه العابرون إذا استبد بهم العطش، وما أكثر ما يستبد بهم.”([45])

في هذا التمثيل يظهر الحكم على الشباب هناك، وقلائل هن النساء اللواتي يبعن محصولهن في طاطا، والحال أن الرجال هم من يتوافدون إلى الأسواق، في المقابل تتحمل النساء الأعباء في الفدان والحقول والخزين؛ “في كثير من المرات صادفنا بعض النساء قادمات من الضواحي، مبكرات يدفعن عربات يدوية محملة بالفصة لبيعها في المدينة. يدفعنها بهمة وإصرار، يعجز عن مثلهما بعض شبان المدينة، الغارقون في شاشات الهواتف، أو مداعبة تسريحات شعرهم.”([46]) أما وهمة الشباب هناك، ما تزال طاطا من المدن التي يتحمل شبابها مشاق الحياة ومصاعبها، وكثيرون هم من يساعدون الأب في مهنته، وقد انجرفوا أمام الزحف التكنولوجي والإعلامي ككل الأمة، ولكن ليس بالدرجة التي تدفع إلى إنتاج أحكام شبه ثابتة أو شاملة.

أما عن الهدوء المبالغ فيه الذي بدا أنه يستكين في نفسية الكاتب فقط، نوضح ربطاً بذلك أن المدينة أصبحت تشهد بعض الظواهر التي لم تكن في زمن ولى، ومثل هذا الخطاب، يمكن الجزم أنه نتيجة تأثر الكاتب بالأقاويل التي نُسجت حول طاطا، أما وواقع المدينة الهش، فهو الذي لا يخلو من صداع ومناوشة وضجيج؛ “هدوء المدينة الدائم، وقلة الحركة في الأسواق والشوارع، تجعل المرء يتوهم أن سكانها قد رحلوا، وتركوا فقط من يحرس ديارهم ومحلاتهم التجارية.”([47])

يُحمل الكاتب -في ثنايا قوله المدرج أسفله- المسؤولية للإنسان في طاطا، ويستخف من جوده وبسطه، ولكنه لم يبين علاقة نضوب الوفرة بواقع الجفاف وقلة التساقطات، وعوامل أخرى، علما أنه يناقشها ويضعها في الحسبان، ولكن إلى هنا لم يربط السابق باللاحق، أما وطبيعة الإنسان هناك، فلا تخلو من كرم وتضحية وعطاء؛ “جئنا المدينة معتقدين أن التمر سيعرض في أسواقها بثمن بخس، وسنشتري منه ما شئنا، وستكون خياراتنا كثيرة، لكن شيئا من ذلك لم يتحقق، كان العرض ضعيفا، والجودة متوسطة أو دون المتوسط، والثمن لا يختلف عما هو موجود في المدن الأخرى التي جئنا منها، وربما يتجاوزه أحياناً..”([48])

في حديث الكاتب عن أفضية لتجزية الوقت، ذهب إلى ربط غير منطقي، أفادَ منه قائلا؛ “قليلة هي المقاهي التي تستخدم النادلات كما في المدن الكبيرة.”([49]) والواقع أن المسألة ليست مشكلة نادلات من عدمهن، بل قلة الطلب على المقاهي فقط، فروادها هناك قليلون، وكلما انخفض الطلب قل العرض. إن ذات المبدع كانت تستأنس ببعض الأحكام اللحظوية، ولكن وجب ألا يسري عليها التعميم، ومما جاء في النص وخرج من لحظويته ليصبح في دائرة التعميم؛ “وفي المساء يدرجون كالحمام نحو بائع الإسفنج، المجاور لمقهانا المفضل، لالتهام ما تجود به أصابعه في شغف ولذة. إنهم يحبون الإسفنج حبا جما، وتذكرني دهشتهم أمام المقلاة الكبيرة بدهشة ابن الرومي…”([50]). حكاية الاسفنج تلك شأنها، شأن من يقتنونه ويقتاتونه في مدائن وأماكن أخرى، لا يمكن أن تعني بالغصب أن فئة من الناس في مكان ما تأكله بشغف وتحبه حبا جما، وإلا فهو كلام غير دقيق، ولا يمكن أن يكون ذلك.

بصدد حديث الكاتب عن دُخوله بمعية صحبته إلى أكينان؛ وأكينان معروف بأن جلُّ ساكنتها في ديار المهجر، ويتنافس الناس بثرائهم وغناهم هناك، ويتظاهرون من خلال بنايات ضخمة أعلى التل والجبل، وهم مثال كان يحتذى به في التعاون، ذلك أن واحداً منهم لا يحقد على الآخر أو لا يُساعده في أوراق الهجرة إذا أراد، وبالتالي نتيجة تأثر الناس هناك بالقادمين من فرنسا خصوصاً فأغلبهم غيرُ مبالي، وحتى لا يستشعرون الغريب، ولكن وُجدت في كتاب محمد كروم مجموعة أقاويل عكس ذلك؛ “بين السيارتين والدواب بعض الرجال ينظرون إلينا في فضول أو طمع.”([51]) ولعل مرَد هذا الأمر إلى التمثل السابق حول المكان، فمهما قالَ المبدع، فهو متأثر في دخوله لأكينان بقراءته لكتاب أحمد أيت داود.([52]) بالرغم من أنه يقول بقراءته الحيادية؛ “قرأت الكتاب حينها بحياد تام ثم وضعته على رف مكتبتي. اليوم وقد تحققت زيارة الواحة (09 يونيو 2019) عدت إلى الكتاب، لأقارن بين ما قرأت وما رأيت.”([53])

إن الاعتراف بالاختلافات الثقافية الشاسعة بين أهالي ومناطق وقبائل طاطا، يحظى باهتمام في تصور محمد كروم، غير أنه اعتراف ظل منقوصاً، لأنه لا يأخذ في حسابه انقسام طاطا إلى جذرين ثقافيين هما المتحكمين في أغلب التحيزات الثقافية والممارسات الفلكلورية؛ الجذر الأمازيغي والجذر القبلي العربي باتجاهاته القبلية المتباينة. وقد أوقع هذا الأمر، الذي لا يشير إليه الكاتب مطلقا، ولا يمسه لا بالإشارة ولا بالتحليل في فهم محدود وناقص، وبالنتيجة حصل تناقض في الإدراك الرحلي، لأن المبدع زار دواوير، ثقافتها ولغتها أمازيغية، وأخرى عربية صافية، وأخرى هجينة متداخلة، وفي المناطق ذات العرق الأمازيغي الصافي لم يستطع الكاتب فهم النسق الثقافي، وهو ما دفع به إلى المقارنات، وبالنتيجة قاده الأمر إلى شحن تمثلات سلبية، وهو حال ما وقع فيه بأكينان غير مستوعب؛ “.. سألنا رجلا عن مكان مناسب لجلوسنا، فتردد كثيراً في تحديده، وقبل أن يجيب طلبت منه امرأة أن يستفهم عما إذا كنا نريد شراء بعض لوازم الغذاء. حين رد عليها أننا نحمل معنا كل حاجياتنا، تأففت وولتنا ظهرها. اقترح علينا الرجل أن نتتبع الطريق إلى أعلى حيث منابع الماء صافية والظل أشهى. سرنا مسافة ننوء بفراشنا وزادنا، ثم سألنا رجلا آخر فلم يختلف رده عن كلام الرجل الأول، سرنا مسافة أخرى وسألنا فتاة، ولم يشذ تصريحها عن كلام الرجلين. كلما توغلنا في المسير، كلما قلت الخضرة وانعدم الخرير. حسمنا أمرنا وعجنا على يميننا واتخذنا مجلسنا تحت ظل أقرب الأشجار وسط الأحواض المسقية.”([54])

هذا الاحتقان الثقافي الذي جاء نتيجة فقدان معرفة أولية عن البنيات الثقافية والخصوصيات المحلية، سيؤدي في لحظاته الأخيرة إلى تمثيل سلبي ينتجه الكاتب عن الساكنة في أكينان؛ “.. اكتشفنا أننا خدعنا، وأن الذين سألناهم كانوا لئاماً أرادوا إبعادنا ما أمكن عن وسط الدوار. تناولنا وجبتنا غير مسرورين..”([55]) والحقيقة من وراء هذا التمثيل هي سوء الفهم الثقافي، وعدم القدرة على تقدير محدودية الناس هناك واحتياطهم العفوي المبرر؛ “.. غادرنا أكينان وقد امتلأنا انشراحا بجمال واحتها، وفي النفس بعض التذمر من أهلها. لكن حاولنا أن نلتمس لهم أكثر من عذر. فماذا ننتظر ممن يعيش في منطقة نائية لا يمكن الوصول إليها أو الخروج منها إلا بصعوبة بالغة؟… ([56])

إن الأولى على الذوات الوافدة في هذا السفر، هو الاعتراف بخصوصية المنطقة من دون تجريح أو قدحية، فهم متسامحون متعاطفون بعد الألفة، ولا يخفى كما يؤكد كلير كرامشي أنّ سياسات الاعتراف، في الحقيقة قضية شائكة تُدخل ضمنها مفاهيم التسامح Tolerance أو التعاطف Empathy، ومن وجهة نظر سياسية يطلق عليها الاعتراف. Recognition ([57])

ج – تسطيح العُمق السّياسي، بالنتيجة تشتيت ثقافي.

حينما كان صاحب النص الرحلي، يتحدثُ عن الوعي الجمعوي بمنطقة إسافن، عمدَ إلى تسطيح موضوع الاحتجاجات التي ذكرها عن مُناضلي إسافن، دون النفاذ إلى عُمق تفاصيلها.“اعتقلت السلطة المحلية أحد فنانيها حين رسم على جدار صورة ناصر الزفزافي”.([58]) هكذا يكتب الكاتب وفقط، ثم يحيل في الإحالة إلى مصدر الخبر (جريدة الخبر 24 الأحد 15 يوليوز 2018.)، أما موقفه كذات واعية وكاتبة فهو بين حدَّي الممكن المنعدم، وذات الشيء حينما كان يتحدث عن ارتباط ذاكرة إسافن بشيخ العرب، هذا الأخير الذي تكرر نفس الحديث حوله في معرض الحلول بأقا والترحال إلى أكوليز، ومجرد إعمال النطر في الصفحات من 91 الي غاية ص 95، فيها عودة للكاتب من جديد لتكرار نفس المعطيات التي أفاد بها منذ البدء حول شيخ العرب، حتى أن إعادة تدوير نفس المعطيات المشار إليها تأخذ معه الرحلة مجرد طابع التوثيق التأريخي، ومما جاء في النص نقرأ؛ “ترتبط ذاكرة إسافن بشيخ العرب، وقتله لرجلين بخميس إسافن، وقد اختلفت الروايات في تاريخ العملية، والمستهدفين منها. فهناك رواية تنص على أن الرجل اغتال صيف 1959 رجلين من جهاز الأمن بعدما اشتكى له أهالي منطقة خميس إسافن من بطشهما وتعسفهما، وكان أحدهما قاتل الشهيد علال بن عبد الله. والرواية الأخرى تؤكد أن قتل كلا من المخزني موحا الزموري والشيخ علي في خميس إسافن في أبريل 1960، بعد أن بلغ الزموري وصوله (وصول شيخ العرب) إلى المنطقة بواسطة الهاتف، وقد كان حينها مبحوثا عنه من قبل السلطة.”([59])

هنا توثيق تاريخي لمؤشرات سياسة يقتفى أثرها، إما من خلال ما يستقيه الكاتب بطرف مسمعه من كبار الناس هناك، أو ما يشير إليه كتاب “أسطورة شيخ العرب” لمحمد لومة بخصوص موضوعه، أو بعض مُتفرقات مصدرية على المراجع والنت، ولكن يبدو أن اختزال مثل هذه الشؤون السياسية الضاربة في جذور التاريخ، والتي فيها مد وجزر سياسي وارتباط بطول زمني ودبلوماسي، قد يكون تقزيما للقضايا، لا سيما والكاتب يتوخى حياديته مع مواضيعه السياسية، ويحذر من المجازفة التعبيرية في كل رصد وتمثيل.

ثم إن التعريف بالنشاط النضالي لشيخ العرب وربطه بالمناخ والوعي الحقوقي للمنطقة، رؤية غير مستقيمة لتصور رحلة تدعي طاطا فقيرة حقوقيا ومناعاتيا، وتُصور تاريخ أمجادها مُقاومة ومُتمردة، وربما غاب هذا الانسجام عنها، لأن النص الرحلي كان يبحث في تآلفات بين الماضي واليوم، وقد يكون ذلك ما يُعزى إليه هذا التصور الكتابي التائه في بعض مواده. إذ نجده في مقامات أخرى ينفي هذا النفس البطولي ويُشخص حالة الإقليم في وضع عنوانه النشاز الحقوقي، وهو ما نقرأه نظير قوله؛ “مقرات الأحزاب السياسية والنقابية تبدو مقفلة أو مهجورة في كل الأوقات، لا شبيبة تشب، ولا أنشطة تبعث الحياة. ربما هي نفسها فقدت الحياة، فكيف تجود بما لا تملك؟ في فاتح ماي كانت ساحة المسيرة شاهدة على بؤس الفعل النقابي وتراجعه.”([60])

ينعدمُ الطّابع المرجعي لبعض الأحداث الحقوقية التي عرج عليها الكاتب، والتي كان لها أكثر من مجرد وجود محلي، ونُرجح أن الكاتب في مثل تلك الأحداث، كان يستعين بالرواية المتواترة على أسماع الناس، التي تختلط بشيء من عدم اليقين، مع بعض المبالغة التي تعكس انتشاء الكاتب بكتابته إزاء تصريف ذهنيته الحقوقية، “وفي مقبرة دوار تزكي إداوبلول يرقد جثمان الطالب الجامعي بن عيسى أيت الجيد الذي سبق أن قتل على يد مجموعة من الطلبة في بداية التسعينيات بفاس، وما زال ملفه معروضا إلى اليوم أمام القضاء، وقد صار قبره محجاً للحقوقيين.”([61])

هذا الحدث وقع قبل ستة وثلاثين عاما، عرَضت له الكثير من الصحف والمنابر الالكترونية، وعائلة المغتال تحركت من جهتها لإدانة محاولات طمس حقيقة الموضوع، ثم لم يذكر الكاتب الجهة المسؤولة عن تصفيته، وكل هذا الحذر في التعامل مع المواضيع التي يشوبها الشك مفاده مفهوم، ولكن إسقاط الحدث من بعض أساسياته الجوهرية كأي انتماء كان يمثله الطالب المغتال وما هي الجهة التي اغتالته، أشياء تقع في صميم الالتزام([62]) المفروض أن يفي به الكاتب، مبدعا كان أو دارساً.([63]). فالصراع أعمق وأبعد؛ صراع اليسار باليمين، ولا يجب تشتيت القوة الثقافية للأحداث السياسية في الرحلات، لأنها الوجه الأمثل للتعريف بالحقائق وتنوير القراء والمتلقين وتعويدهم على واجهات التغيير، لا على واجهات القول فحسب.

ولهذا فإن التسطيح السياسي هو تشتيت أيضا للقوة الثقافية التي تستمد منها الهويات المحلية تكوينها، أو مطلوب قليلا عدم تقزيم بعض الأحداث إلى حد قد تفقد معها بعضا من روحها النابض، وبالرغم من الاهتمام الذي يُبديه الكاتب ببعض الوجوه من دبلوماسية زمن ولى، إلا أن التسارع نحو الإفراغ من جمرة السياسي كان واضحاً في الاستراتيجية الكتابية.

 

د – التحديقة (The Gaze) البرّانية بين قصد الاستخفاف وتجويد أسلوب الرحلة.

 لا يمكن نفي أن نصنا نواة التحليل، قد عرى بعض الحقائق الحارقة في الإقليم، وقد دُهشت كثيراً بلغته التصويرية لموقف الامتحانات الإشهادية وظروفها وأجوائها بفم الحصن، وحجم التساؤلات المشروعة – المرفوضة([64]) التي طرحها الكاتب، كما أعجبت بمسار الرحلة الذي قاد لزيارة زمالة إبداعية؛ حدث زيارة مصطفى بولهريس في ألوكوم.

كل إنسان في غير مكانه، مدينته أو بلده، يحدق، ومن تحديقته يؤكد حريته البرانية، ولا شك أن منظور الذات الزائرة العابرة، لَعمره يكون نفسه منظور الذات المستوطنة، لأن الكيفية التي يرى بها الإنسان نفسه، لا يمكن إلا أن تكون غيرها التي يراه بها الآخر، إن في بعض الأحكام الثقافية المطروحة في هذا الكتاب، من الصعب إيجاد مسوغ لها، وخاصة في انعدام أرقام صريحة، جاء في النص؛ “أغلب طلبة المدينة والإقليم بعد الحصول على شهادة الباكالوريا يختارون التخصص في التاريخ، والمسؤولون، يبحثون عن وسائل فعالة للتأثير عليهم، وتوجيههم نحو التخصصات العلمية..([65]) وفيما أعلم فالعقل الإقليمي هناك، عقل علمي وتقني، أكثر منه أدبي وكثيرون هم البيولوجيون والفيزيائيون والمهندسون من طاطا، ونابغون منهم في الرياضيات وغيرها من العلوم البحتة، ثم يوجد حتى التوجه الأدبي بوفرة، ولعلني أجد الحاجة تدفعني لأتساوق مع هذا الطرح، ولكن يبدو في عُمقه كلاما لا يَستند إلى دليل أو يحتاج إلى اعتدال، أو بالأحرى يصعب تعليله في انعدام مؤشرات دقيقة، وكان حسناً، لو تجاوز الكاتب الخوض في مثل هذه الطروحات الجدلية.

يُصرّف الكاتب في بعض المواقع النصية مواقفه الشخصية حول السياسيين والمسؤولين وممثلي السلطة، ليتنزه في صفته المثقفية، ولكنها لم تكن كافية لولادة نص أدبي يُنصف الهامش ويُدين التمركز، “حين وصلنا السفح، عرفنا أن أحدهما مقدم الدوار تبعنا لتقصي أخبارنا. حاوره المفتش نوفل بينما بقيت بعيدا عنهما أفكر في هذه الطينة البشرية التي لا أستسيغها أبداً.”([66])

ثمة موضوعات في السياسة التي كانت لتكون ضمن مواد الرحلة أيضا، لو توسع الكاتب في بعض مداركه؛ في إسافن ظهر أول وجه نسائي (فاطمة بوجناح)، تعد أصغر رئيس مجلس قروي على الصعيد الوطني. أما في الشأن النضالي والثقافي، تم التركيز في فم الحصن على جانب انغلاقها الثقافي وكثرة فضاءات عسكرتها، ولم تنل حقها في تشخيص الجانب النضالي والثقافي، اللهم إلا بعض الإشارات البسيطة، وفي المقابل تم الاهتمام بالتقاط بعض التفاصيل الوصفية التي لا تبلغ صورة عن المراد. “.. أمام الباشوية ساحة فسيحة يقذي فراغها العين، لكنها في الليل تجتذب جماعات من النسوة، يجلسن جلسات دائرية، يفترشن الأرض النقية، ويهمن في أحاديثهن الخاصة، هذه الجلسات النسائية يمكن مشاهدتها أيضا في أحياء أخرى أمام البيوت، ووسط الأحراش حيث يدور الحديث همسا، وتلمع أضواء الهواتف كعيون القطط.”([67])

إن التصور الوحيد الذي يحكم المنطق العقلي للكاتب، وينطلق منه كخلفية لبناء ممارسته الخطابية والنصية، ويُشكل لبنية سفره عموماً هو “الانتكاسة الثقافية” بطاطا. “.. ما إن توقفنا حتى اقترح علينا متطفل خدماته. عرض علينا المشي إلى الشلال..”([68])

في زيارته وأصحابه لمنطقة أكوليز، قيل هذا الكلام عن أحدهم وهو يعرض خدمة الإرشاد، ونُعت ها هنا بالمتطفل، علماً أن الحدث لا يوجد فيه أي مسٌّ براحة الآخر أو ضرراً به، وهكذا أظن أن المبرر نحو إنتاج مثل ذلك الخطاب لا موجود.

سيكون جميلاً لو أشار الكاتب إلى عواقب قلة فضاءات الترفيه وانعدام المسَابح، وقد أشار في زيارته لتسينت إلى أحداث عداد الموتى الذين يخُلفهم شلال عتيق سنوياً،”..يظل جاريا على مدار العام دون أن يحظى باهتمام من يهمهم الأمر لتحويله إلى منتجع سياحي.”([69]) وحبذت نتيجة لانعدام مُترفه مائي، لو عزّز الكاتب  قوله كذلك بمعلومات أخرى وضَمّنها في ذات السياق، وهي مُرتبطة بوادي المرار على طريق أيت ياسين، التابع لمنطقة السنح، وهو الوادي الذي يموت فيه الشبان والأطفال مرّات كثيرة، وما يزالون([70]).. لأنهم لا يجدون ملجأً للاستجمام والتنفيس في عز أيام الحر الصيفية.

التعبير عن عدم الرضى، وعدم الوعي بأمازيغية المجتمع المحلي وأهمية هذا الأمر.- “.. عرفت من الرجل أنه كان معلما وأحيل على التقاعد، فتعجبت من الصعوبة التي يعانيها في التواصل بالعربية..([71]) – هي أفكارٌ خلُصت إليها بصدد هذا الحوار الذي أبنيه مع كتاب “الحياطة في الرحلة إلى طاطا”، ثم إن بعض الاستخفاف غير المقصود، جاء على حساب الاهتمام بتجويد أسلوب الرحلة والالتفات أكثر إلى إنشائيتها النصية وبلاغتها التعبيرية.

  • في الختام

انتهاءً، إن كُتب الرحلات تُمثل معيناً لا ينضب للباحثين في العلوم الإنسانية عامة، نظرًا لأنها ليست مجرد نصوص بها الطريف والغريب والمثير، بل فيها الكثير من الأبعاد الجغرافية والثقافية والأدبية والشعبية.([72]) ثم إن بنية السفر التي تُشكل قوامها تعتبر أفقاً مختلفاً للتجربة، “إن السفر تعليم للصغير، وخبرة للكبير.” ([73])

وحري بالقول، إن طاطا نفسها التي شكلت موضوع كتاب “الحياطة في الرحلة إلى طاطا”، في نوع آخر من الرحلات، هي رحلات الهروب؛ رحلات الهروب الفردي والهروب الجماعي، إذ تستنجد الأغلبية التي في مُستطاعها بالسّفر البديل، سفر الانعتاق من قساوة المناخ وهزالة التنمية، ولكن هذه الحقيقة لن تُعمي النظر كي يكون الخذلان، لذلك نرُد على بعض ادّعاءات هذا الكتاب، لا سيما في بعض جوانب ادعاءاته الثقافية، وفي سبيل الرد جاءت عنونة الدراسة بسياسات مُضادة على افتراضات الارتكاسة الثقافية.

أخيراً، أعود لأشير إلى أن التخييل الأدبي، أو التشخيص الرحلي مهمة شاقة ومحسوبة العواقب، لأنها قد تَحصد اليابس على المبدع، وكثيرون منهم، من اعترضته العقبات وصادف اللا مُحتمل، لذلك كنت أفكر في أن الأستاذ محمد كروم مشكوراً على جهده الجهيد في الكتابة عن طاطا، لو أيقظ بعض القضايا ونَبش في بعض التاريخ المستحيل، أو فصل في قضايا العنصرية بين الأمازيغ والعروبة، أو بين السود والبيض، غير بعيد – إذا ما وُجد فعلاً قارئ- أن يعيش تجربة شبيهة بالتي حصلت مع الأستاذ عزيز بن حدوش -رحمه الله- في روايته جزيرة الذكور، وهو يوقظ الحال ويؤجج الأحوال في تازناخت.([74])

 

مراجع References

المتن: محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، منشورات رونق، الراصد الوطني للنشر والقراءة، طنجة، المغرب، ط1، فبراير، 2020.

بالعربية؛

كلير كرامشي، اللغة والثقافة، ترجمة أحمد الشيمي، منشورات وزارة الثقافة والفنون والتراث، قطر، ط1، 2010.

ميخائيل باختين، “الماركسية وفلسفة اللغة”، ترجمة محمد البكري ويمنى العيد، دار توبقال للنشر، الدرار البيضاء، المغرب، ط1، 1986.

محمد حاتمي، في خطاب أدب الرحلة، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد 87.

مصطفى عطية جمعة، منظور جديد في قراءة كتب أدب الرحلات التراثية، مجلة فكر الثقافية، السعودية، عدد 33، أكتوبر 2021-يناير 2022.

سعيد يقطين، الأدب والمؤسسة، منشورات الزمن، الرباط، مارس، 2000.

عبد الرحيم مودن، “أدبية الرحلة”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1996.

ياسين النصير، الرواية والمكان، الموسوعة الصغيرة، عدد57، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، سنة 1980.

بالأجنبية؛

Christopher Earley and Soon Ang, “Cultural Intelligence (Individual Interactions Across Cultures), Stanford University Press, (2003).

Jean Jacques Rousseau, Œuvres complètes, Gallimard, Bibl., de la pléiade, paris, (1959), t, I.

 

([1]) ضمن إصدارات الكاتب أيضاً نذكر: شجرة القهر (قصص)، 2008. بادية الرماد (رواية)، 2011. قريباً سأحبك (قصص)، 2014. سيدات المدينة (رواية)، 2019، رسائل من زمان كورونا بمعية محمد المنيري (رسائل)، 2020.

([2]) صادف محمد كروم في المرحلة التي قضاها بـ “طاطا” أسبوعاً للقراءة نظمته جمعية أساتذة اللغة العربية بعد جُهد جهيد، كما صادف هذا المعرض الذي ذكرته، والجاهل سابقا للدينامية الثقافية بالإقليم، سيعتقد أن هذه الأسابيع والمعارض تنظم بشكل دوري واعتيادي، ولما تسلمت هذا الكتاب ورواية سيدات المدينة من عند المؤلف كنت على وشك إخباره أن هذا ليس مجبولا على فطرة الإقليم، ولا يغدو أن يكون إلا مجرد مُصادفات، ولو لا بعض الحظ لما كان له أن يوقع الكتاب هناك ؟، غير أني تراجعت عن هذا الهمس وقلت في نفسي، اترك الكاتب فرحاناً لبعض الوقت الثقافي المبحوث عنه، وهو الذي قل في هذه الأزمان.

([3]) معلوم أن الإنسان المحلي – ربما لنزعة إقليمية أو ما شابه –  تنتابه بعض أحاسيس القلق والاضطراب حينما يبادر شخص أجنبي ليكتب عنه وعن بلده، خاصة إذا كان هذا الإنسان المحلي من صنف المثقف المحترق المشدود إلى التركيبة المعقدة التي تبكي الأطلال ولا تحاول أبداً.. أجدني أضع هذه الإحالة أيضاً للإشارة فقط إلى أن كثيرين من أبناء طاطا المنكوبة، يجول في بالهم فعل الكتابة والرغبة في الكتابة عن “طاطا” سيرةً وذكرياتٍ وتمرداً وأحلاماً، غير أن الأقلام أيضاً غير منصفة، مُوغلة في الجور والأنفة ولا تطاوع إنسان هذه المنطقة المنسية، اللهم إلا بعض المحاولات المحسوبة، التي ما إن بدأت حتى أخفقت أو توقفت.

([4]) حتى لا أقول رواية أو سرد أو حكاية، فالكتاب في جوهره لا يحتكم لمنطق الحكي بقدر ما هو مشدود إلى الوصف الاثنوغرافي، يلعب معه الكاتب لعبة الأدبية من خلال ما يجريه من تحسينات بلاغية، بيد أن الريبرتوار الاثنوغرافي أشد بروزا من الميسم الأدبي.

([5]) وعي الكاتب بخطورة هذا الموضوع، أوقعه فنيا في فجوة التكرار حدّ الإسهاب، حيث أضحى يكرر التنبيه ونفس الحديث في مواقع لا تحصى من كلية النص، وهو أمر غير محمود…

([6]) محمد حاتمي : “في خطاب أدب الرحلة”، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد 87، ص 81.

([7]) ضمن وقائع معرض الكتاب الذي وقع فيه الكاتب كتابه في “طاطا”، كنت قد طرحت هذا السؤال على الكاتب، ولم يبرهن بقوة عن دعوى تملصه من توضيح الحقيقة الأجناسية لعمله، وهذا بقدر ما هو فنية وجمالية في الكتابة تدعي أنها مُستعصية، فهو أيضاً خلل في تحديد الميثاق، أقصدُ الميثاق الذي يربط ثالوث القراءة: المبدع – النص – المتلقي.

([8]) راجع : محمد حاتمي، في خطاب أدب الرحلة، مرجع مذكور، ص 84.

([9]) نفسه، ص 86-87.

  ([10]) Refer : Jean Jacques Rousseau, Œuvres complètes, Gallimard, Bibl., de la pléiade, paris, (1959), t, I, P, 54 .

([11])cultural Empathy: قدرة الشخص على فهم المشاعر الثقافية للآخرين ووضع نفسه مكانهم، والتقمص العاطفي لا يعني بالضرورة مفهوم الشفقة (symathy) بما مفاده الشعور بحالة الحزن والأسى تجاه ثقافة الآخرين نتيجة الإخفاق الانغلاقي أو الفشل التخلفي…

([12]) cultural savvy: عرّف “إيرلي” و”أنج” الذكاء الثقافي بأنه القدرة على التكيف مع البيئات الثقافية الجديدة. كما يمكن تعريف الذكاء الثقافي بأنه “القدرة على إقامة علاقات شخصية مُتكافئة في مَواقف تتسم بالتعدد الثقافي، وقدرة الشخص على فهم الإشارات والرموز اللفظية وغير اللفظية في ثقافة مغايرة لثقافته الأصلية، والاستجابة لهذه الإشارات بشكل توافقي.”

Refer : Christopher Earley and Soon Ang, “Cultural Intelligence (Individual Interactions Across Cultures),

Stanford University Press, (2003).

([13]) محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، منشورات رونق، الراصد الوطني للنشر والقراءة، طنجة، المغرب، ط1، فبراير، 2020 ، ص 6.

([14]) المرجع السابق، نفسه، ص 30.

([15]) في مثل هذه التمثيلات وغيرها، تبرز مواقف التهكم الثقافي عوض التفهم الثقافي، فالحوار ها هنا بين الجالسين هو بحث في المأمول، لا يجب من خلال تحديقة (Gaze) خارجية قمعه وتحقيره بمثل هذه التمثيلات السّاخرة، وفعلاً فإن اصطياد السمك يجري في بعض (الخنك-إيمدوان) كما تسميه الساكنة المحلية… وعجبٌ لهذه التحديقة المنتقصة من أحلام إنسان الجنوب والصحراء…؟؟

([16]) محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، مرجع مذكور، ص 74.

([17]) المرجع السابق، نفسه، ص 111.

([18]) هم في الحقيقة ثلة من المجتهدين إبداعيا وأكاديميا وبحثيا ومهنيا، يُشكلون قلة في الإقليم، يُحسون بقلة اليد وانتفاء الحيلة أمام الوضع المتردي الذي تعيشه المنطقة، ولا يقوون على النفاق السياسي الهالك، وعليه يختارون منطقة الراحة، معزولون عن الفعل السياسي، وهو ما يجعلهم في احتباس فكري غير مرغوب فيه، وتجد معظمهم ينفلت من طاطا في الأخير، باحثا عن أقداره وفرصه في فضاءات أخرى غيرها؛ في المدن الذائبة الأكثر حضارة وأفقا القادرة على استيعاب اختلافهم وطموحاتهم، وقد جاء كروم على ذكر بعضهم ممن صادفهم في زمنية تواجده، يستقي منهم الأخبار والتحقيقات والمعلومات (إبراهيم النوحي، عبد القادر أولعايش…)، ثم أتى على ذكر  قليل من زمالته الإبداعية هناك: (أحمد أيت داود، مصطفى بولهريس…)

([19]) محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، مرجع مذكور، ص 5.

([20]) راجع، سعيد يقطين، الأدب والمؤسسة، منشورات الزمن، الرباط، مارس، 2000، ص 26 وما بعدها..

([21]) راجع، محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، مرجع مذكور، ص 51.

([22]) نفسه، ص 61.

([23]) نفسه، ص 49.

([24]) نفسه، ص 73.

([25]) نفسه، ص 24.

([26]) نفسه، ص 24.

([27]) ياسين النصير، الرواية والمكان، الموسوعة الصغيرة، عدد57، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، سنة 1980، ص 45.

([28]) عبد الرحيم مودن، “أدبية الرحلة”، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، ط1، 1996، مرجع مذكور، ص 12.

([29]) محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، مرجع مذكور، ص 6.

([30]) نفسه، ص 24.

([31]) نفسه، ص 43.

([32]) نفسه، ص 15.

([33]) نفسه، ص 36.

([34]) نفسه، ص 57.

([35]) نفسه، ص 47.

([36]) نفسه، ص 11.

([37]) نفسه، ص 11.

 ([38]) يُقصد بالسياسات المضادة Counter – Politics: مجموع الاستراتيجيات البديلة التي تُقوض مزاعم طرح معين، وتسعى إلى تغييرها والتأثير فيها، وإذا استند أحد الطرحين في مقابلة القراءاتConfronter les lectures  إلى السلطة فإن الآخر يستعين بإجراء المقاومة…

([39]) ميخائيل باختين، “الماركسية وفلسفة اللغة”، ترجمة محمد البكري ويمنى العيد، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 1986، ص 159.

([40]) محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، مرجع مذكور، ص 43.

([41]) نفسه، ص 26.

([42]) عبد الرحيم مودن، أدبية الرحلة، مرجع مذكور، ص 81.

([43]) محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، مرجع مذكور، ص 12.

([44]) نفسه، ص 9.

([45]) نفسه، ص 24.

([46]) نفسه، ص 25.

([47]) نفسه، ص 25.

([48]) نفسه، ص 26.

([49]) نفسه، ص 29.

([50]) نفسه، ص 29.

([51]) نفسه، ص 75.

([52]) عنوان كتابه “أكينان بين المطرقة والسندان” وحبذت أن أشير إلى ذات ما أشار إليه محمد كروم في هوامشه بصدد حديثه عن هذا الكتاب: “كتب مؤلفه هذا سنة 2015 بحرقة ومرارة، واصفا فيه أهل أكينان، وصنيعهم حين دفعوه لخوض غمار الانتخابات الجماعية سنة 2015 من منطلق تجربته الجمعوية والتعاونية (16 سنة) ثم خذلوه في هذا الاستحقاق، وكالوا له تهما كثيرة، وباعوا أصواتهم لمرشحين آخرين، فسخر قلمه لنقدهم والسخرية منهم، بل والسخرية من نفسه أيضا، معتمداً أشكالا نثرية متعددة.”

([53]) محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، مرجع مذكور، ص 70.

([54]) نفسه، ص 75.

([55]) نفسه، ص 75.

([56]) نفسه، ص 78.

([57]) كلير كرامشي، اللغة والثقافة، ترجمة أحمد الشيمي، منشورات وزارة الثقافة والفنون والتراث، قطر، ط1، 2010، ، ص 136.

([58]) محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، مرجع مذكور، ص 13.

([59]) نفسه، ص 14.

([60]) نفسه، ص 28.

([61]) نفسه، ص 87.

([62]) نفسه، ص 15.

([63]) أقصد بالالتزام هنا: العمل الأدبي باعتباره إبداعاً لا يخلو من مسؤولية إنسانية، أو لا يجوز له أن يتخلى عن مسؤوليته الإنسانية على حد تعبير الناقد المغربي حميد الحميداني، فالأديب الملتزم يجهر بصوت الحقيقة ووفي لقضايا مجتمعه وقوميته، وساعٍ إلى تقويض السُّلطة الخفية…

([64]) محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، مرجع مذكور، ص 87.

([65]) نفسه، ص 31.

([66]) نفسه، ص 43.

([67]) نفسه، ص 84.

([68]) نفسه، ص 90.

([69]) نفسه، ص 97.

([70]) في هذه السنة فقط سُجلت وفاتين غرقا بوادي المرار، الأولى لشاب ذو 18 ربيعا، بتاريخ 27-03-2023، والثانية لشاب ثلاثيني بتاريخ: 17-06-2023، ولكن السلطات والجهات المسؤولة لا تحرك ساكناً، وأضعف ما يمكن فعله هو التنبيه بعلامة الخطر هناك، وإلى حدود اللحظة، فهي أمر غير متحقق؛ راجع رابط الخبر الصحفي الأخير: https://al3omk.com/851157.html

([71]) محمد كروم، الحياطة في الرحلة إلى طاطا، مرجع مذكور، ص 107.

([72]) راجع، مصطفى عطية جمعة، منظور جديد في قراءة كتب أدب الرحلات التراثية، مجلة فكر الثقافية، السعودية، عدد 33، أكتوبر 2021-يناير 2022، ص 129.

 Refer introduction de: C.H. Lockitt, “The adventure of Travel”. Longman: 15the edition, 1960. ([73])

([74]) عزيز بن حدوش رحمه الله، كان أستاذاً لمادة الفلسفة سابقا، له إلى جانب روايته المذكورة، دراسات وبحوث ميدانية أهمها: (الهدر المدرسي، تازناخت الكبرى، 2013) و (الطفولة والمراهقة في الوسط القروي، تازناخت الكبرى، 2014)، لما أصدر عمله التخييلي “جزيرة الذكور” تعرض للأذى في إحدى المناطق المجاورة لورززات، وحوكم إبداعه بمتابعة، بصدد حكم ابتدائي صدر في حقه، وحري بالذكر أن عمله التخييلي تناول تيمة “الأطفال الأشباح” باعتبارها موضوعة طمست في دفاتر التاريخ المحلي للمناطق والأهالي هناك… ويمكن للتوسع مراجعة هذه القضية وحيثياتها في صفحات النت، أو بالعودة لمراجعة رواية جزيرة الذكور، الصادرة عن مطبعة نت أمبريسيون، ورززات، في طبعتها الأولى سنة 2014.

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *