الرئيسية / أمازيغيات / شهادات: محمد أبزيكا، الرجل الذي مات مرتين – سعيد الباز

شهادات: محمد أبزيكا، الرجل الذي مات مرتين – سعيد الباز

هذه الحكاية ينبغي لها أن تروى.

الكثير منا قد لا يعرف من هو محمد أبزيكا، ربّما تخيله البعض لاعب كرة، أو حتّى مروّض ثعابين في ساحة جامع الفنا، أو مغنيا من مغنيّ الرّاب. لا هذا ولا ذاك، وهنا تكمن المأساة. محمّد أبزيكا من أهمّ الباحثين المغاربة خاصّة في الثقافة الشعبية، له إسهامات كثيرة في البحث والدراسة في تراثنا الشعبي ظهر على شكل مقالات لافتة في المجلات والجرائد في مجلة “الثقافة الجديدة” ومجلة “آفاق” التي يصدرها اتحاد كتاب المغرب. كان لمحمد أبزيكا كذلك دور أساسي وهام في خلق حركة ثقافية وفنية في الجنوب، وفي أكادير تحديدا، من إنشاء النادي السينمائي، فرع اتحاد كتاب المغرب. كان قريبا من المجموعة الموسيقية إزنزارن موجّها وملهما أحيانا وموحيا لها بالأفكار المبدعة أحيانا أخرى… والكثير من الأنشطة والفعاليات الثقافية، بل يمكن القول ودون مبالغة: إن كلّ فعل ثقافي في أكادير ونواحيها، ولمدّة تزيد عن عقدين إلّا وكان من ورائه هذا الشخص الدمث أخلاقا، والذي يفيض حركية، مع طيبوبته وصفاء سريرته.

مات محمد أبزيكا مرتين، مرّة لمّا أصيب بمرض أفقده التواصل الطبيعي بمحيطه. لا أحد يعرف ما يدور في رأسه، صار ما بينه والعالم حاجز مخيف من الصمت. فقد وظيفته أستاذا جامعيا من طراز رفيع تخرّج على يديه جيل متميّز ما زال يذكر أفضاله التي لا تحصى… تخلّى عنه الجميع المثقفون ورفاقه، وحضنته أسرته وبعض أصدقائه المقربين بألم شديد في مدينته أيت ملول مدّة فاقت عقدا ونصف. أسدل الستار، أطروحته لنيل الدكتوراه أكملها دون أن يناقشها لأنّ المرض عاجله، مقالاته ودراساته أضحت أيتاما في مأدبة اللئام، ومع مرور الأيام تحوّل السؤال عنه من جملة طويلة إلى جملة مقتضبة ومن كلمة إلى حرف قد لا يصل إلى درجة استفهام عابر، ثمّ تلاه صمت قاتل.

الجمعة 28 فبراير أسلم الروح محمد أبزيكا في إحدى مصحات أكادير عن عمر ناهز الرابعة والستين، ولو كان في تمام صحّته وعافيته لكان منشغلا في هذه الفترة بتحضير ملف تقاعده، باعتباره أستاذا جامعيا يتقاعد في العادة في عمر الخامسة والستين. مات للمرّة الثانية، الجرائد والمجلات التي طالما حفلت بدراساته ومقالاته العميقة والمتميزة الهيئات والمؤسسات الثقافية التي انضوى فيها والتي شهدت إسهاماته الفعّالة… كلّها لم تنبس ببنت شفة، ولو كلمة نعي قد لا تصل حتّى درجة الاعتراف العابر أو العزاء المجامل، كلّ ما استطاعت أن تقدّمه في حقّ هذا المثقف المغربي المنتمي إلى جنوب الألم سوى هذا الصمت الجارح والبالغ النكران. لقد مات محمد أبزيكا مرتين وعاش الصمت أكثر.

وضعية المثقف المغربي من خلال الحالة المؤلمة التي عانى منها محمد أبزيكا تدعونا جميعا إلى التفكير في السبل التي تجعل المثقف المغربي يقوم بدوره كاملا في ظلّ مؤسسات ثقافية تسنده، لا أن تتخلّى عنه مثل سقط المتاع… هشاشة وضعية المثقف المغربي، وتهميشه أحيانا يصيب دون أن ندري الوضعية العامة لثقافتنا بالعطب، ونفتح الباب للشعبوية والرداءة أن يتسيّدا ويقودا المجتمع برمّته إلى الجهل والعماء المطبقين. مات محمّد أبزيكا، الذي لقّبه أبناء مدينة أيت ملول بأبي حيان الملولي، لقد مات ربمّا وهو يردّد مثل أبي حيان التوحيدي: “أمسيت غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النِّحلة، غريب الخلق، مستأنسا بالوحشة، قانعا بالوحدة، معتادا للصمت، ملازما للحيرة، متحملا للأذى، يائسا من جميع ما أرى”.

ومثله مثل الكثير من المثقفين المغاربة الذين يعانون في صمت ملازمين حزنهم الخاص على ذواتهم، وحزنهم الآخر الممضّ على وضعهم غير الاعتباري، كم أجد في أبيات الشاعر الكردي شيركو بيكه س تعبيرا عن هذا الواقع، فقط بتغيير طفيف، أن نضع المثقف المغربي بدلا من الكرديّ:

الآن منتصف الليل تماما،

يتطابق عقربا الساعة تطابق الكرديّ والحزن.

 

شاعر وباحث من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

مظاهر الهجاء في شعر الرحل الأمازيغ بوادي نون – أحمد بلاج

مقدمة إنّ الشيء الذي يميّز كلّ شعب ما هو ثقافته وتراثه، هذه الثقافة تعتبر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *