الرئيسية / فعل الكتابة / فعل الكتابة: حوار مع المبدعة القطرية سميرة عبيد – حاورها الشاعر الحسَن الگامَح

فعل الكتابة: حوار مع المبدعة القطرية سميرة عبيد – حاورها الشاعر الحسَن الگامَح

 

       كيف ترى المبدعة سميرة عبيد الكتابة بصفة عامة؟

الكتابة مثل الطفولة تحتاج إلى مكابدة حقيقية لتنمو بصورة جيدة، وإن كنت أعتبر أن الجيد في الكتابة حلم يطمح إليه أي كاتب مع كل نص، فالكتابة هي الأثر الذي يظل مستمرا معنا كمرض مزمن يحتاج إلى تعايش وسلم ورحابة أفق وحوار صريح مع الذات التي لا تكتفي بوصف نفسها كما تشير إلى ذلك جوديت بتلر، وإنما أن تصف هزائمنا الداخلية تجاه تحولاتنا غير الطبيعية ونحن نقاوم أثر السنين على الورق.. هل الكتابة تشيخ لا أبدا إننا نتعلم كيف نطوي عبرها المسافات والتاريخ والذاكرة والأحلام والآلام والمقاومة لكل مظاهر التسطيح والهيمنة..

 

       من أين استمدت تجربة الكتابة؟ وكيف دخلت بحر الكتابة؟

لا أنصح نفسي بتقديم وصفات جاهزة لطرائق تشكل علاقتي بالكتابة، إنها حكاية، وكما نعلم الحكاية تتناسل بالأحداث التي تتخذ مسارات مختلفة، لنقل إن مصادري متنوعة، وهي بالأساس مرتبطة بالحياة في الصحراء على نحو مدهش أو ليست الصحراء كتابا مفتوحا على كل الأسفار والتأملات والدهشة وفلسفة الإقامة كما يقول هيدغر، إنني جئت إليها من عالم حكايات الجدات، وبلاغة المعلمات ودهشة الحرف العربي التي أغرتني بالبحث في استعاراتها ونبرها الذي يتحول معه الإنسان إلى كائن هش.. تشربت اللغة العربية من قراءات أبي للقرآن الكريم، وكانت حساسة سمعي تنمو بقوة وتتأثر بالأصوات، وإن كان الآخر يراها نقمة حين تسمع بشاعتهم في لحظات الضعف، تحولت عندي إلى حاسة للبحث عن الجمال الموسيقى حين أعزف على البيانو أصبح أكثر خفة بل أكثر استكانة إلى التفكير في قصائد صاحبت معزوفات الشعراء العظام، أستحضر هنا، جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإبراهيم ناجي والست أم كلثوم وفيروز.. إنني كنت مولعة بهذه الحروف التي كانت تصلني كأنها قطع بلور من سماء أخرى هي سماء الكشف والمغايرة والاختلاف.. وبهذا صرت أسمع خطواتي جيدا وأنا أكتشف قارات إبداعية وفنية، لن أغامر بعرضها كما يفعل الشعراء الكبار، لكنني سأكتفي بالقول إن طرفة بن العبد كان يجعلني مشدودة إلى براعة الإبداع وهو يخترق تصوراتنا الجاهزة على الكتابة أو ليس في النهاية هو شاعر حداثي بامتياز ضد في النظرية وفي المفاهيم التي أحيانا تتعسف على النص وعلى فلسفة الكتابة.. هكذا دخلت إلى الكتابة أشاغبها أشاكسها لعلني أغرق مرة ثانية في أمواجها المالحة الطازجة بالفرح والطبيعة والأحلام الطرية.. دخلتها من باب صغيرة بالمدرسة حيث اكتشفتني المعلمة متلبسة بها في حصص الإنشاء، وكانت تمنحني شوكولاتة وأقلام جميلة ونقط كثيرة أحتفظ بها في درج المكتب، إنها نقط لحيوات أخرى..

       أي صنف من الكتابة تجدين فيه ذاتك حين تكتبين؟

أولا، الكتابة وتجربة الأجناس الأدبية، لا تحتاج إلى تحديد مسبق بالنسبة إلي، إن الموضوع والحالة يفرضان علي أن أكتب في جنس معين بالذات، أو لا لربما الشحنات النفسية والأسئلة المتصلة بالمجتمع والرغبة في تطويره والمساهمة في بنائه وحمايته هي التي تجعلك تختار القصة القصيرة أو المسرح أو حتى السيناريو.. لذلك مازلت أحب أن أعيش بين كتاب القرن التاسع عشر الذين لم يلتزم أي أحد منهم بهذه المقولات والتصنيفات مادامت رحابة الإبداع تدمر كل هذه التصورات..

       كيف ترى المبدعة سميرة عبيد تجربة الكتابة في العالم العربي؟

هل بمقدوري أن أعبر عن رأيي في مثل هذه الموضوعات التي تحتاج إلى مختصين في الدراسات الأدبية وعلم اجتماع الأدب والإعلام الثقافي الذي يواكب التحولات والتطورات، ولكن إذا كان علي أن أعبر من وجهة نظري، فلا بد من التأكيد على أننا نعيش طفرة نوعية في الكتابة بالعالم العربي ليس فقط بسبب الثورة الرقمية أو ما تسميه د زهور كرام بـ”الأدب الرقمي”، بل يتعلق بحجم التحول في فهم القارئ اليوم الذي يتابع عن كثب كل ما يصدر من كتب في بيته دون تحمل عناء البحث عنه، وبسرعة فائقة، كما أن الجوائز ومنصات التتويج والبرامج الثقافية المتواصلة على طول العام جعلت الكتابة تتخذ هيئة حضور قوي، وأنا متفائلة جدا بالنظر إلى الأصوات الجديدة التي حتما ستواصل ما قام به الرواد.. إنها كتابة عربية مشدودة إلى الحفر في واقعنا العربي وأسئلته الدقيقة.. فالكتابة نجحت حتى في أن تتحول إلى تعليق مبدع في قنواتنا الرياضية…

       هل يمكن يوما أن نستغني عن الكتابة كوسيلة للتعبير عن ذواتنا؟

أظن أن نكتب بخيالنا، ومادام هذا الخيال جامحا فهو ينكتب بصور متعددة، أخاف ان يتضاءل الخيال، وتصبح الصور مختلة على نحو غرائبي.. أن أكتب معناه أنني أقاوم صدأ ما يعشعش في رئتي، وحين أكتب أتخفف من وطأة الألم حين تعجز آلات التشريح في فهم متطلباته.. إننا في أمس الحاجة إلى كتابة ذواتنا وتاريخنا وحضارتنا التي لا بد أن يقرأ عنها أحفادنا ذات يوم..

       ماذا تضيف الجوائز الأدبية للكاتب؟

الجوائز هي تأكيد للحق في الإبداع، فالكاتب يبقى رجلا بسيطا بعيدا عن برج البورصة، ومن حقة التكريم كي ينال حظه في شراء بعض الكتب والسفر إلى شخصيات قرأ عنها وحلم بأن يلتقي بها على متن طائرة متجهة إلى وول ديزني، وأن يسلم على ميكي ماوس، أظن أن الجوائز هي بالنهاية تمنح الكاتب الروح التي بوساطتها يمكن أن ينتج لنا نصوصا قد تصبح علامة على الوطن كما فعل ديكنز وشكري ونجيب محفوظ.. لهذا، أهنئ وطني على رهانه المتواصل على الإبداع بوصفه ضرورة إنسانية ملحة للرقي بالحضارة..

       ما مشاريعك المستقبلية؟

أشتغل على عمل شعري تطلب مني كثيرا من السفر آمل أن أجد القصيدة المحطة الأخيرة.. إنه محطات على قارعة الطريق..

       كيف ترى الإنسانة سميرة عبيد المبدعة سميرة عبيد.؟

لا أراها أبدا، إنها تدهشني في كل مرة ألتقي بها وهي تكابد الحياة بهمة طفلة لا تتعبها الطرقات، أراها بصورة واضحة وهي تتوارى خلف المعنى الذي يرقى بنا جميعا.. طموحها لا يتعدى أن يكون نوتة في معزوفة قصيدة تتغنى بها الحياة..

أراها أحيانا كائنا لا ينتمي إلى هذا الكون بل أكوان أخرى تجسدت فيها المدينة الفاضلة حيث لا حروب لا ظلم لا جاهلية الفكر.

       ما هو الكتاب الذي حلمت أن تكتبيه ولم تتح الفرصة لكتابته بعد.؟

كتاب “حكايات جدتي في الصحراء” أخاف أن تندثر هذه الحكايات الشفاهية يوما ما، ولا يستمتع بها أطفال الألفيات القادمة.. إنها حكايات بقدر ما تشدك روابطها السردية بقدر ما تعمق لديك الارتباط بهويتنا الثقافية.. إن قصص الجدات مرعبة حقا بجمالها وقيمها التربوية..

 

 

سيرة مختصرة للمبدعة سميرة عبيد

 

  • شاعرة وقاصة وفاعلة جمعوية من قطر
  • عضو الملتقى القطري للمؤلفين
  • ترجمت أعمالها إلى عدة لغات
  • صدرلها:
  • ديوان: أساور البنفسج عن دار أكد للترجمة والنشر والتوزيع سنة 2013
  • ديوان :لحن بأصابع مبتورة عن دار فضاءات عمان سنة 2014
  • ديوان: شجرة في جدع غيمة
  • ديوان: كأنه صوتي
  • وشك هارب من الطين مجموعة قصصية
  • اقتصاد المعرفة والإبداع المدرسي صدر عن دار زكريت للنشر والتوزيع

عن madarate

شاهد أيضاً

حوار مع المبدع العراقي جواد الحطاب حاوره الحَسَن الگامَح

ورقة عن المبدع جواد الحطاب الاسم الكامل : جواد كاظم حطاب اللقب الأدبي : جواد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *