الرئيسية / دراسات / قراءة نقدية في القصة القصيرة جداً (تشفير) للكاتب ياسر أبو عجيب عبدالله الميالي

قراءة نقدية في القصة القصيرة جداً (تشفير) للكاتب ياسر أبو عجيب عبدالله الميالي

قراءة نقدية في القصة القصيرة جداً (تشفير) للكاتب ياسر أبو عجيب عبدالله الميالي

 

النص

تشفير

امتنع مدرّسُ التّاريخِ عن إعطاء حصَّته…  حزنَّا جميعاً، طالبناهُ بالعودة، وقبلنا يده. كنا نستمتع كثيراً بفن التَّأليف والكذب.

 

مدخل

بحسب ذائقتي الأدبية ورأيي المتواضع، أصنف نصوص القصة القصيرة جداً المعروضة والمتداولة حالياً إلى ثلاثة أصناف:

1ــ صنف مستغرق برمزية مفرطة ومبهمة، لا تنفع القارئ والمتلقي بشيء. ومهما برع الكاتب في إثبات ذاته وعلو كعبه في هذا المضمار يبقى نصه يدور في حلقة مفرغة ضررها أكثر من نفعها. هذا الصنف لا يُغني ولا يُسمن وهو يشبه إلى حدٍّ ما الصنف الثاني.

2ــ صنف استسهله الكاتب جداً فبدا وكأنه نص سائب وساذج ليس فيه من جماليات القص شيء، وليس فيه تلك البراعة المطلوبة في الأدب القصصي. وهكذا نصوص غالباً أعدها طعنة نجلاء تصيب القصة القصيرة جداً في مقتل.

3ــ صنف السهل الممتنع الذي يمتاز بعمق وهدف ومعنى. وهو الصنف الذي يدغدغ مشاعر القارئ والمتلقي بجمالية التوظيف وأسلوب الطرح. وهذا الصنف هو الذي يمسك العصا من المنتصف، فلا هو مغرق بالرمزية المفرطة والمبهمة التي يستعصي على القارئ فهمها، ولا هو من النصوص الساذجة التي لا تستفز القارئ. بل هو (أمر بين أمرين).

وبناءً على هذا التصنيف أضع نص (تشفير) للقاص السوري ياسر أبو عجيب في خانة الصنف الثالث.

العنوان

التشفير Cryptography هو علم إخفاء البيانات. وكان يسمى عند العرب سابقاً (التعمية).

والتشفير: طريقة حسابية معقدة يتم بها تحويل البيانات والمعلومات السرية إلى رمز سري يخفي المعنى الحقيقي لتلك البيانات أو المعلومات لغرض حمايتها من العبث أو السرقة أو التزوير.

من التعارف عليه في النصوص الأدبية عامة والقصة القصيرة جداً خاصة، أن وظيفة العنوان هي تسليط الضوء على متن النص وكشف خباياه، لما يحتويه العنوان (غالباً) من دلالات وإشارات بمثابة الثريا التي تضيء النص.

ولكني وجدت في نص (تشفير) بحسب قراءتي المتواضعة، حدوث العكس تماماً، فبقدر ما كان النص سهلاً وسلسلاً، وجدت العنوان هو الذي يحتاج إلى إضاءة لمعرفة مدى تطابقه مع المتن.

المتن

للقصة القصيرة جداً عناصر وسمات متعددة تمنح النص صورة أدبية وجمالية رائعة، ومن هذه السمات (التناص، السخرية أو التهكم، الإيحاء، الانزياح، الأنسنة، ..) وهذه السمات قد تجتمع وتلتقي في نص واحد وقد تتفرق، وقد يكتفي القاص بإحدى هذه السمات ليصيب الهدف بطلقة واحدة. وللقصة القصيرة جداً خصوصيتها التي تستدعي أن يكون كاتبها على قدرٍ عالٍ من الكفاءة والبراعة والإبداع والموهبة ليتمكن من صياغة نصه بصورة مقبولة تحترم ذائقة القارئ والمتلقي. واستدعي هنا مقولة أحد النقاد فيما يتعلق بذلك: (هذا الضرب من السرد القصصي، ضرب فني أصعب من سواه، لأنه سرد فاضح لمن لا يمتلك موهبة قصصية حقيقية، لأنه يلزمه اللعب فوق رقعة محددة، وإمكانات مقتضبة، بمهارة رجل السيرك الحاذق، فإما النجومية أو السقوط المدوي.)[1]

وفي النص (تشفير) للكاتب السوري ياسر أبو عجيب استدعى سمة النقد المبطن بصورة تهكمية ساخرة، كشف الكاتب من خلالها نقده للتاريخ الذي توارثناه جيلاً بعد جيل (على علّاته) وكأنه أحد الكتب السماوية، ولكن الكاتب في نهاية القصة يكشف بكلمتين فقط (تأليف/كذب) وهو محق في ذلك، أن التاريخ عبارة عن أكاذيب مموهة ومزخرفة، وتأليف من هنا وهناك فيه ما فيه من الأباطيل والخرافات (ليس كل التاريخ طبعاً). ولذلك كانت مادة التاريخ التي يطرحها المدرس في النص مثار ضحك وسخرية الطلاب.

فالنص فيه إدانة مبطنة بصورة تهكمية ساخرة لتلك الصفحات التي استبطنها التاريخ. سواء كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية أو حربية أو غير ذلك، حتى عُدت تلك الصفحات كأنها من المسلمات والثوابت التي لا يجوز تجاوزها أو التعدي عليها أو النيل منها.

وهذا النص رغم سلاسته وبساطته إلا أنه ترك فجوات أثارت عدّة تساؤلات شغلت ذهنية القارئ والمتلقي:

1ــ ما مدى تفاعل العنوان مع المتن؟ وأي منهما كشف عن الآخر؟

2ــ لماذا امتنع مدرس التاريخ عن إعطاء حصّته؟

3ــ هل تعرض مدرس التاريخ لتهديد من جهة ما؟ ومن هي هذه الجهة؟

4ــ هل مات مدرس التاريخ فتوقف درس التاريخ؟

5ــ هل كان مدرس التاريخ مؤمناً بما يطرحه لطلابه؟ أم كان يطرح مواضيعه على قاعدة (مُكرهٌ أخاكَ لا بَطلٌ)!؟

6ــ في أية مرحلة دراسية كان هؤلاء الطلاب؟ بحيث اكتشفوا أن ما جاء في حصّة التاريخ ما هي إلا (تأليف وكذب)!

7ــ هل كان النص بشكل عام ينتمي إلى ما يُسمى بـ(الميتا سرد)؟

هذه تساؤلات مشروعة شغلت القارئ من جهة، ومن جهة أخرى كشفت قدرة الكاتب وبراعته في خوض معترك القصة القصيرة جداً، فهو على رأي الناقد يوسف حطيني: (كاتب القصة القصيرة جداً، يحتاج إلى جانب الثقافة العالية وبراعة الالتقاط، القدرة على التركيز الذي يمكنه من رصد حالة اجتماعية أو سياسية أو فلسفية عبر أسطر محدودة.)[2]

والكاتب (على الأعم الأغلب) يتموضع دوره في طرح واقع المجتمع وإشكالاته في صورة أدبية تجمع بين الجمال الفني والمعالجة الموضوعية، حيث أن (القصة القصيرة جداً نص إبداعي يترك أثراً ليس فيما يخصه فقط، بل يتحول ليصير نصاً معرفياً دافعاً لمزيد من القراءة والبحث، فهو محرّض ثقافي يسهم في تشكيل ثقافة المتلقي عبر تناصاته ورموزه وقراءاته للواقع وعبر متطلباته التي يفرضها المتلقي على البحث والقراءة)[3]

نص قصصي قصير جداً مكتمل الأركان والبناء، ورغم بساطته اللغوية وابتعاده عن الرمزية المبهمة، إلا أنه استطاع أن يشغل ذهنية القارئ إلى درجة لا بأس بها.

الإحالات:

1ــ د. صالح هويدي (السرد الوامض: مقاربة في نقد النقد) ص108. دائرة الثقافة، الشارقة – 2017.

2ــ يوسف حطيني (القصة القصيرة جداً بين النظرية والتطبيق) ص7. مطبعة اليازجي، دمشق – 2004.

3ــ أحمد جاسم الحسين (القصة القصيرة جداً، مقاربة بكر) ص18. دار الفكر، دمشق – 1997.

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز

ذاكرة الوجع: قراءة في رواية رجل المرايا المهشمة- ربيع عبد العزيز   لعل أول ما نلاحظه، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *