الرئيسية / أمازيغيات / قصيدة اليتيم/إكيكيل لهرم تيرويسا الكبير سعيد أشتوك: عندما يعتلي الفنان منبر الفقيه – حسن أومولود

قصيدة اليتيم/إكيكيل لهرم تيرويسا الكبير سعيد أشتوك: عندما يعتلي الفنان منبر الفقيه – حسن أومولود

كان معظم كبار فن تيرويسا الذي أوشك عن الانقراض فقهاء حكماء ووعاظ تنبني قصائدهم على قولة لافونتين المشهورة أن كل فن هدفه الإمتاع والإقناع. فكانوا يرتدون جلابيب الفقاء في سهراتهم وهم واعون تمام الوعي بموقعهم كمربين للأجيال ووعاظ لتقويم السلوك والدعوة للاستقامة والعدل وحسن العشيرة. وهم لا يخافون في ذلك لومة لائم. كيف لا وهم يرون أمامهم في الصفوف الأولى من سهراتهم الخاصة والعامة علياء القوم وأغنياء القرى ورجال السلطة وأصحاب النفوذ. ثم يمررون بحناجرهم الراقية ونياتهم النبيلة دروس خالدة تماما كما يمررها كبار الفقهاء والوعاظ. عن الصلاة والحج وبر الوالدين واحترام الجار ذي الجنب وصلة الرحم ومد يد العون لليتيم والمعوز وابن السبيل … يصدحون بالحق بأوتار الرباب ولوتار وإيقاع طامطام. وكانت عيون الجماهير تلمع بدموع الحزن تارة والفخر تارة أخرى. يصرخون ويصفقون عند كل نظم رفيع وقول بديع وهم جالسون فوق صخور الأرض الأم أو على أغصان شجر الأركان الشاهدة على التاريخ. كان من الروايس من كان فقيها أصلا ومنهم من لبس جلباب الفقيه بذكاء كبير ولعب الدور بدقة عالية مثل الرايس شعيد أشتوك والحاج أحمد أمنتاك ومحمد الدمسيري وبيزماون والمهدي بن مبارك وعمر واهروش وغيرهم من متنبيي الفن الأمازيغي الراقي والعذب. رحمهم الله جميعا وأطال عمر من بقي على عهده. والرائع أنهم تغنوا أيضا بالحب في كل صفاته النبيلة وآلامه وآماله. وكتبوا عن الفراق والخيانة والعشق الممنوع والوشاية والتيه في الخلاء والحمق والطمع واستبدال الحبيب. دون نسيان دورهم في الصدع بالحق من الظلم والجور وغلاء الأسعار وقمع الثورات والإقصاء والتهميش. فكانوا رحمهم الله بمثابة جرائد يومية تلخص الأوضاع المعيشية للطبقات الهشة وتعبر عن طموحات الشعب في التغيير ورد الاعتبار.

ارتأيت هنا لترجمة بعض من قصائدهم الخالدة للعربية بغية تقريب قراء وعشاق اليوم من المعنى والعمق الديني والفلسفي للنصوص بعضها أصبح يتغنى به شباب الكوفر والموسيقى العصرية بامتياز.

قصيدة إكيكيل أو اليتيم للشاعر سعيد أشتوك قطعة من قلب مكسور عانى اليتم والظلم وجور زوجة الأب. ولا يكاد من عانى اليتم يسمعها حتى تسيل دموع الحسرة عن طفولة ضاعت في المقاومة والتشبث بالحياة في مجتمع لا يرحم. حنجرة الرايس سعيد وهو يغني هذه القصيدة فيها جرح غائر تجلى في تقطع بعض الكلمات ومقاومة الدموع والعينين المغمضتين وشدة مسك عصا الرباب. ليبكي الرايس والآلة معا في صمت رهيب للجمهور!

حاولت الترجمة دون تغيير في أي حرف أو كلمة أو تزيين للقافية أو حشو. ترجمة مخدوشة غلى غرار قلب اليتيم:

آه يا قلبي فيك جرح …

لا دواء له غير الصبر

خطف الموت أمي وأبي …

وتركوني أهيم في دروب القهر

لا أملك أولادا ولا إخوة …

ولا صحة ولا ركبة …

لو أحكي معاناتي لمن يفهم

والله سيبكي كل الجالسين

وحده اليتيم من يعيش

الهم والغم والحزن

ولو بقي أبوه حيا

إن لم يهده الله زاد عذابه

إن تزوج أفعى مسمومة

تلدغه بلسانها طوال اليوم

وفي الليل تأمره

بإخراج أولاده لترتاح منهم

ثم يرميهم خارج البيت

لا يدري إن وجدوا أكلا أو غطاء

لا يدري إن ماتوا أو بقوا أحياء

من ابتلاه الله بزواج فاشل

فقد والديه وأولاده…

كل زوجة تعتدي على اليتامى

سترى العذاب في الدنيا قبل الآخرة

ألم يقل لنا النبي الكريم

من التقى يتيما فلا يقهره

ولا ينهره ولا يخدش عرضه

وإن لم يجد ما يعطيه له

مسح على رأسه ففيه أجر كثير

من يحكم ويدري أن الموت ملاقيه

فليعلم أن حق اليتيم حرام

وهو نار في بطن آكله

ولو بنى به بيوتا من الالماس

فلا بد أن يفنى فقيرا

فحق اليتيم واضح وبين

لو أقص معاناتي لمن يفهم

والله سيبكي كل الجالسين …

من فقد أمه وهو صغير

لا يملك أخا ولا خالا

ولا عما ولا جدة

يجلس وحيدا أيام الفرح والعيد

لا قلب يحن ولا يد تجود

إن عاد الناس من التسوق

حدق الأطفال في الأفق

شغفا في هدية أب ودود

ويحف الظلام أعين اليتيم

لا يحن فيه غير خالق الوجود

إن شاء في لحظة أغناه

وفي لحظة لو شاء أعدمه

إن الله يجرب إيمان الناس

هل من متعظ في هذه الدنيا!

يوم يقعد الفقهاء عن الموعظة

وتخلوا المساجد من الصلاة

فسيخرج الدجال وتنتهي الحكاية

 

كاتب وشاعر من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

مظاهر الهجاء في شعر الرحل الأمازيغ بوادي نون – أحمد بلاج

مقدمة إنّ الشيء الذي يميّز كلّ شعب ما هو ثقافته وتراثه، هذه الثقافة تعتبر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *