الرئيسية / أمازيغيات / كتابات محمد أبزيكا: الوجه والقناع في ثقافتنا الشعبية*

كتابات محمد أبزيكا: الوجه والقناع في ثقافتنا الشعبية*

في سياق البحث سأحاول ان انكش بعض الجذور التي تنام عليها شجرة نسبنا الفكري، سأكتب بعض النصوص المسموعة، وسأقدم وثائق غير محايدة، ولكن الذي يشفع لها في التقدم هو استمرارها رغم طابعها الشفاهي، وهذا الاستمرار لابد وانه يؤدي وظيفة ما، وعندما يتعلق الامر بالتراث، تكون الوظيفة متناقضة بتناقض مصالح موظفيها، وستكون النصوص المسموعة عبارة عن حكايات اسطورية منتقاة بالسماع من جنوب المغرب، منقولة عن الامازيغية الى العربية، سأكتفي اذن في هذا البحث بالوقوف على جانب الاسطورة المتداولة باعتبارها عنصرا من عناصر تاريخ الشعوب التي لا تاريخ لها.

1 – القناع الدال

سأبدأ بنكش بعض هذه الجذور المشار اليها عبر مجموعة من الحكايات الأسطورية باعتبارها أقنعة.

2- المرأة التي مسحت بالخبز «تامغارت اصفدن ساوبيش، اوغروم»

في ليلة مقمرة من ليالي الصيف، حيث تكون القرى والمداشر على موعد مع الافراح ابتهاجا بالمحصول السنوي، ومشاركة للمتزوجين الجدد أفراحهم، خرجت امرأة وزوجها بصحبة طفلهما الرضيع قاصدين مدشرا قريبا للمشاركة في حفلة رقص (احواش)، وقد حملا معهما زوادة فيها ماء وقطع رغيف، ولما وصلوا مكان الحفل اختارت المرأة مجلسا بين النساء فيما اختار زوجها مكانه بين الرجال الراقصين. وفجأة أحست المرأة بأن طفلها الراقد في حجرها قد تبرز، بحثت حواليه عن شيء تمسح به البراز. وفجأة حدثت جلبة وهلع بين النساء. اما الرجال الراقصون فما لبثوا ان توقفوا عن الرقص وامسكوا عن الهزيج وهم ينظرون في خوف الى القمر الذي سحب ضوءه ولوثت بياضه قطعة كبيرة سوداء، واختلط الرجال بالنساء وهم يتبادلون رثاء المرأة التي مسخت هي وابنها ونصبا على وجه القمر عقابا لهما على تدنيس الخبز.

3 – الرجل المطفف «اركاز اتغوشون لعبار»

كان رجل يشتغل (كيالا) في سوق الحبوب، وكان غشاشا مطففا حتى عرف الناس جميعا عنه هذه الرذيلة، وكان كلما سمع أحد الزبناء يجأر بالشكوى من تطفيفه. بادر الى أمانته بدعوة يكررها صباح مساء: «ان غششت فليمسخني الله»

وذات صباح وجد الناس الرجل في مكان عمله قد مسخ سلحفاة تحمل على ظهرها آلة كيل.

4 – الفقيه الذي توضأ باللبن «طالب اوضان ساوغو»

كان ذلك في فصل الشتاء، حيث استيقظ رجل ليصلي صلاة الفجر، ولما التمس الماء في كوخه لم يجده، وعز عليه ان يخرج بحثا عن الماء والبرد قارس، فمد يده الى جرة لبن وتوضأ بما في جوفها. وما كاد يتم مسح اطرافه حتى مسخ لقلاقا ابيض.

5 – الوجه (المدلول)

إزالة الأقنعة قصد التعرف على الوجوه، الجذور، النماذج، الاصلية لمنتجي هذه الحكاية، عملية تغري باستعمال عدة مناهج في دراسة التراث الشعبي. على أن طبيعة هذه النصوص، كروايات شفوية تتداول بالفم والذاكرة، تشجع على تبني الطريقة التي يدعو اليها هنري مونيو في دراسة الرواية الشفوية، تلك الطريقة التي تتراوح بين النقد النصي، والنقد الثقافي، والنقد السوسيولوجي.

1 – فإذا كان النقد النصي ينحصر دوره في محاولة تقييم المادة الوثائقية مضمونا وشكلا من حيث صحتها ووفاءها للأصل فإن الدارس سيصطدم بقضية الشكل وصحة الرواية، فمن حيث الشكل لا نستطيع ان نقرأ هذه الحكايات رويت في الاصل كما وصلت الينا الان، بل لابد ان تكون قد تعرضت للتآكل والتعديل والبتر بسبب التداول المنتشر وأقدمية الاستعمال اما صحة الرواية فأعتقد هنا ان استمرار أول هذه الروايات هو الضمانة الوحيدة للاهتمام بها.

2 – والنقد الثقافي يتحمل مهمة استقصاء المقاييس الأدبية والجمالية التي تتوفر في النص المخططات المتحكمة في الصياغة والفاظ التفكير والتصوير المتدخلة في تشكيل نسيج النص ومحتواه.

أما في الجانب الدلالي، فأهم مميزات هذه الحكايات هي الرزم، حيث يقع التبادل بين الانسان (الحيوان الناطق) والحيوان الاعجم من جهة وبين الفكرة المجردة والموضوع المحسوس من جهة أخرى.

وقيمة الرمز هنا في نظري ليست رؤيا أكثر مما هي محاكاة، لها مبرر فني هو التعليمية، ومبرر اخلاقي هو الخوف، ومبرر حضاري يعود الى تاريخ وصفها في فترة الطفولة البشرية حيث يوجد التحام بين الانسان والطبيعة، بحيث تكون عملية اسقاط الذات البشرية على الموضوع الخارجي اجراء مشروعا وعاديا لايزال صداه يسجل في الاغاني الشعبية بالجنوب المغربي.

والقيمة الجمالية لهذه الرمزية تتمثل في المواد المرموز لها للتماثل: الرغيف – السلحفاة – البجعة، هذه الادوات تشكل سلسلة الدورة الحياتية في مجال اجتماعي محدد هو البادية (بإسقاط الجنس) واختيار نوع من الحيوانات كرموز تكشف عن نظرة الشعب الى هذه الحيوانات ضمن عملية الاسقاط.

ان الطاقة الرمزية التي تتضمنها الحكايات التي يتشكل ابطالها من الحيوانات المذكورة تكون محدودة القيمة. وهذه القيمة هي المحاكاة، لكن إذا ربطنا الاشخاص بالأحداث والمواقف وعممنا الربط على جميع الحكايات فان هذه القيمة تتحول الى رؤيا تتيح دراسة تفكير الشعب الذي أنتج هذه الحكايات ودراسة هذا التفكير تتفيأ تحديد النمط على ضوء التقسيم الانثروبولوجي لمراحل التفكير البشري: السحر – الدين – العمل. ومن هنا نجد التفكير السحري والديني يتعاونان في تأطير رؤية الانسان الى عالمه في هذه الحكايات ليس هو الساحر وانما هو الله اذا فهمنا ان المقصود بكلمة ربي في هذه النصوص بعد الترجمة هو الله أما موضوع المسخ نفسه في هذه الحكايات فهو يثير إيحاء شديدا بالطوطمية كمقولة خرافية رئيسية في التفكير السحري، ولكنها في هذه الحكايات خصوصا ذات وضع مقلوب بالنسبة للأصل، اذ يعود فيها الانسان الى اصله: اي ان البطل في الحكاية رقم 3 مثلا كان طوطمه طير البجعة، فلما اقترف اثم التوضؤ باللبن عوقب على ذلك بأن مسخ وأعيد الى أصله.

إن النقد السوسيولوجي ينطلق من منظور الدور الاجتماعي الذي تلعبه تلك الحكايات الاسطورية، وفي هذا الصدد يؤكد هنري مونيو ان اية رواية شفوية لا تستمر الا إذا كانت تؤدي وظيفة ما وهذه النماذج من الحكايات بغض النظر عن هويتها الشعبية او الشعبوية تشكل القناع لنماذج اصلية في تاريخنا تعتبر دوالا على جذورنا، ودلالتها هي التي تزيح هذا القناع. وأهم دلالاتها على الصعيد الاجتماعي:

1 – رفض النزعة التبذيرية التي تشكل احدى السمات الاخلاقية لأغنياء المجتمع الذي أنشأ هذه الحكايات

2 – رفض الانحرافات الاخلاقية التي تصطدم بالمثل التي اصطلحت البشرية على تقديسها مثل العدالة وما يستتبعها من نزاهة واستقامة وموضوعية.

هذا الكشف اعتبره مقدمة لعمل أكثر مردودية يمكن ان يقوم به باحثون ونقاد يتوفرون على إمكانيات أكثر مما في وسعي.

كما أعتبر هذا العمل من صميم مهمة المثقف العضوي تجاه الثقافة الشعبية، وهي مهمة يفترض ان يستثمر نتاجها المثقف الجماعي الملتزم بمهمة التعبير.. هذا التعبير الذي يستلزم الانطلاق من نقطة البدء: فهم الماضي لتغيير الحاضر، والتعامل مع الجذور لغاية تحويل الإحساس الى معرفة.

 

* جزء من دراسة مطولة منشورة في أعمال الدورة الأولى لجمعية الجامعة الصيفية بأكادير سنة 1981.

 

كاتب وأكاديمي من المغرب (1951 – 2014)

عن madarate

شاهد أيضاً

مظاهر الهجاء في شعر الرحل الأمازيغ بوادي نون – أحمد بلاج

مقدمة إنّ الشيء الذي يميّز كلّ شعب ما هو ثقافته وتراثه، هذه الثقافة تعتبر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *