الرئيسية / أمازيغيات / محمد أبزيكا شعريات الفاجعة والألم والعزلة مقامات سرية – رشيد أوترحوت

محمد أبزيكا شعريات الفاجعة والألم والعزلة مقامات سرية – رشيد أوترحوت

شيئان لا يمكن التحديق فيهما.. الشمس والموت..

هكذا ارتجل بعض حكماء الصين القديمة ما يشي بعرفان الموت منذ غبش عتيق، لكنك (عندما تحدق في الجحيم طويلا، فان الجحيم سيحدق فيك أيضا) كما أوصى (زارا) نيتشه صبيته بالاضطلاع الجسور بمخاطرة النظر إلى غياهب المتمنع والأسراري من الكلمات والأشياء معا …

كيف يمكن، إذن، في هذا المقام الذي ادعوه مقام تذكر وطلب صفح (Le pardon) واستعادة مشرعة على حاضر لا يتوقف عن مضارعته المزمنة، أن نستأنف علاقة، طافحة بفائض من أسى الحزن القديم وغير قليل من وجع الفقدان الغامض والتباس الفاجعة حيث تصبح المراثي محض شعائر طاعنة في خرافات عتيقة، مع الموتى الذين يبرزون الموت ويدفعونها نحو فصاحة الشهادة وبيان الفكرة ومقاومة السديم؟

كيف يمكن الاقتراب، إذن، من أثر الغياب الحاضر ومن كل علامات الحضور الغائب الضاج بنقائضه الكثيرة حين يصير الموتى الأحياء حقا ونؤول نحن إلى مجرد (طارئين على الحياة)؟

كيف يمكنني، أنا التلميذ السابق واللاحق والأبدي لمحمد ابزيكا، أن استعيد عنفوانه النقدي ووهجه الأدبي وصناعته الحاذقة لحداثات التنوير التربوي والثقافي متعدد المشارب والأشكال.. بعض مضي أكثر من ثلاثة عقود دون استشكال العلاقة بالموتى والوعي بالاستعصاء اللازم والبنيوي الرديف دوما لكل كتابة عنهم. قد يكون الكذب بما هو اختلاق لصحبة مزيفة وافتعال لأحاسيس فجة وانتصار لقانون النوع والمستلزمات المعيارية لاقتراف كلمات بالمناسبة على هيئة مراثي ركيكة.. قد يكون هذا الكذب على الموتى في ذرى الاستسهال وقمم اليسر، لكن الكتابة عن الموتى سؤال مختلف وارتطام مدهش ببسائط الغيب البصري واطلاع مغاير على آثار ترسخ الحياة في طروس الفقدان وتؤبد العرضي في نثر الخسارات.

ولا يمكنني، في مقام كهذا، إلا أن أتورط، لدواعي متعددة واعتبارات مختلفة، في ايتيقا التقدير من جهة (Le respect) وطلب الصفح (Le pardon) من جهة أخرى.

إننا ملزمون حتما باستشكال هذا الكتابة عن الموتى لكيلا نحولها إلى طقوس احتفاء عابرة، أو استدرارا لبعض وجاهة رمزية ولا إلى مجرد فرجات تأبينية تقتضيها ملابسات أخلاقية وثقافية وسياسية هنا أو هناك. ولذلك وأنا أفكر في هذه العلاقة يحضرني كل من (جيل دولوز) و (جاك دريدا). يسعفني الأول في دعم حدسي النظري بالحاجة الملحة إلى تقدير مختلف للموتى يأخذ، في حدوده الدنيا وتحققاته المبدئية، شكل احترام لا تحدده مستنسخات الأخلاق العامة، دينية أو مدنية من قبيل (اذكروا موتاكم بخير)، بقدر ما ينهض على الحرص الشديد على فرح الميتين وابتهاجهم الأكيد بما يصلهم، متسللا بين فتوق الغيب وكوى الخفي، من كلمات أو كتابات تغبطهم وتمنحهم فائض حياة في موتهم الخالصة. ذلك ما عناه (جيل دولوز) وهو يجيب محاورته (Claire Parnet) حول ما يمكن دعوته بالكتابة العاشقة: (غايتي القصوى وأنا اكتب عن مؤلف ما ألا اكتب شيئا يحزنه. أو إذا كان ميتا، ألا اكتب شيئا يبكيه وهو في قبره، فالكثير من الكتاب الموتى ربما كان أبكاهم ما كتب عنهم).

أما (جاك دريدا) فهو يسعفني، من جهته، في تسويغ نظري لإحساسي المزمن بالذنب الغامض تجاه أساتذة من قامة الفقيد سي محمد أبزيكا الذي شكل وما يزال مثالا نموذجيا في منة المعرفة وهبة العلم والعطاء الرمزي المذهل. ففي دراسته حول طلب الصفح والعفو والاعتذار (Le pardon)، يمنحنا (دريدا) تأملا فلسفيا عميقا في تجربة الاعتذار ذاتها وما دلالة أن نعتذر الآن إلى أستاذنا الكبير بعد مضي كل هذه السنوات؟

ولما كانت الذاكرة الايتيمولوجية لمعجم الصفح والعفو تجعل المفردة الفرنسية (pardon) ذات قرابة وثيقة ب (الهبة) (Le don) والعطاء (La donatation)، فإنني لا أملك، بصورة شخصية، وفي مقام هذا الأسى الجريح غير أن اعتذر للأستاذ محمد ابزيكا واطلب صفحه وعفوه تقديرا لكل هباته الرمزية السخية وكل عطاياه التأسيسية في تكوين جيل من أبناء اكادير ذات ثمانينات مجيدة دون مجد من قرن آفل.

وإذ يرتبط بماض لا يمضي بالمرة، يبدو طلب الصفح هذا تجربة غير منفصلة عن الهبة التي نمنحها، ونحن نشيد نص هذا الطلب بذل المذنبين ودمع الخطاة، للحاضر وللمضارعة الحية أبدا حيث ليس ثمة سوى حاضر مطلق. وبهذا المعنى، إذا كان الصفح إيغال في أبدية الماضي الذي يظل راسخا في أماكنه الواقعية أو المستهامة، فان الهبة راسخة في (الآن) الدائم ومندورة على الدوام لأبدية مضارعة ذات حاضر حي وخلودي. وبهذه الصيغة لا يموت الميتون حين نسألهم العفو ونلتمس منهم الاعتذار.

إن محمد أبزيكا الذي اعرفه، والذي كان وما يزال أستاذا مرجعيا وصانعا ماهرا من صناع الضوء وحذاق التنوير، لا يمكنني أن أ نقله لكم بيسر الشهادة الذاتية ولا حتى بارتباك التذكر بعض مضي خمس وثلاثين سنة من ذلك الفصل القابع في قبو أسفل بناية مدرسية بثانوية يوسف بن تاشفين سنة 1984. يصعب على كثيرا أن استعيد كل التفاصيل. فبعد كل هذه الشيخوخة التي أتلفتها في حياة صغيرة يستحيل الحديث السلس عن الكبار.. وسي محمد أبزيكا كان وما يزال كبيرا ولا يمكن لنكرات عامة ومسوخات لها صفة المثقف الرسمي وكائنات تحترف الزعيق العمومي أن تقترب منه دون إحساس دفين بالوجل العميق واستبطان صريح للعجز المزمن.

إن محمد أبزيكا، كما عرفته في الثانوية والجامعة، كان صموتا ومنعزلا ومتألما حتى قبل أن تهب الفاجعة بكثير. ولربما هذه الصفات الاستثنائية هي التي سأسهب فيها بعد قليل. وبما أن المناسبة شرط كما يقول الفقهاء، فان إنشاء بورتريه (مشترك) وعام حول الأستاذ محمد أبزيكا، تأسيسا على سيرة تتلمذ خاص، يمكن أن يساعد في النظر إلى سي أبزيكا الأستاذ، تاركا لأصدقاء آخرين الحديث عن سي أبزيكا في مجالات أخرى من قبيل البحث العلمي وإسهاماته النوعية في الدفاع العالم عن الثقافة الامازيغية وشتى المجالات التي انشغل بها ورآكم فيها جهودا مرجعية.

لا يسع أي دارس للأدب وأي منشغل بأسئلة الشعر ولا أي متتبع رصين لدياكرونيا المشهد السوسيو- ثقافي بالمدينة منذ نهاية سبعينات القرن الماضي حتى العقد الأخير من الألفية الثانية  ولا أي تلميذ غفل بسيط قادته مسالك التعليم الوعرة إلى ثانوية عمومية وحيدة باكادير بداية العقد الثامن من القرن الماضي  إلا أن يستشعر فائضا من الخجل و الكثير من الوجل أيضا و هو يضطر إلى  الحديث عن محمد ابزيكا ، ليس فقط بالنظر إلى منجزه  الثقافي النوعي ومساراته العلمية والأكاديمية  ونشاطه الدؤوب و الخلاق في اجتراح مبادرات تنظيمية مبدعة في مجال الفنون والآداب  في علاقاتها بالمجالات العامة ، ولكن أيضا بالنظر إلى صورته الاستثنائية  بوصفه أستاذا مختلفا  و رجل تربية تنويرية ذات أفق حداثي نقدي و عقلاني .

اذكر تلك السنوات جيدا.. ثمانينات قرن آفل..

لقد كانت تجربة  التتلمذ لدى سي محمد ، وهو تتلمذ كان يتم في فصول الدراسة بالثانوية و في سينما ريالطو صبيحة كل احد حين كنا نشتغل تحت إمرته الحنونة و الصديقة إعدادا للأنشطة المختلفة للنادي السينمائي (2000) الذي كان الأستاذ آنذاك يمنحه كل اهتمام و عناية ، تجربة استثنائية بكل المقاييس لأنها كانت مفارقة لأوهام المثقفين و نائية عن حلقات المريدين الذين يحولون استحقاق المعرفة إلى بطاقة زيارة أو اصطفاء إخواني .كان اللقاء بمحمد  ابزيكا ، الذي استهل مشروعه  الأكاديمي في نظرية الشعر عند ادونيس غير بعيد عن تلك السنوات المجيدة ،لقاءا تأسيسيا لأن الأمر كان يتصل في جوهره باختبارات القراءة المهولة و الاقتراب الجسور من النص الجديد و اللغة الجديدة و المنهج الجديد وزواج ذلك القلق الفلسفي العميق و المخصب الذي يجعل  التعلم  بيداغوجيا سقراطية مختلفة  تماما .

لقد شكل ذلك اللقاء، بحق، المدخل الأول لقراءة نصوص مختلفة والاحتكاك بحساسيات السلالة الشعرية والسردية الرجيمة التي تحتفي بلعنات الكتابة الجديدة.  ومند تلك اللحظة الملفوفة، الآن، في شغاف ذاكرة بعيدة كان (محمد ابزيكا) مراهنا جسورا على تعليم مغاير لا يلتفت لأي معيارية ديداكتيكية ولا يولي انتباها كبيرا لأوهام البيداغوجيين جدا. يحمل محفظته السوداء وهو في كامل أناقته الوسيمة ويستل منها، كساحر قادم من غيوب غد جديد، كتبا أخرى وأسماء أخرى ونصوصا أخرى. أقرئنا فصولا من الخبز الحافي الممنوع آنذاك ونصوصا لأدونيس، خصوصا (أغاني مهيار الدمشقي) وبعضا من مقالات من كتاب (اغتيال العقل) لبرهان غليون وحدثنا كثير عن صادق جلال العظم و (نقد الفكر الديني)، ومدنا بنسخة للترجمة المغربية (محمد برادة) لكتاب (بارث): الدرجة الصفر في الكتابة. وحول مادة (الإنشاء) إلى حيز للكتابة الإبداعية حيث كان الامتحان أشبه بورشة سردية مبدعة لتعلم التخييل السردي ومهارات الحكاية.

كان أستاذا وكفى.. ومن تلك اللحظة كنت وما أزال اعتبر أن تكون أستاذا معناه فقط أن تكون… محمد أبزيكا، خصوصا في زمن كثر فيه (الأساتذة) ونذر فيه (الأستاذ).

لا أريد، في هذه المناسبة، أن استأنف ما هو مشترك في السيرة الوجودية والعلمية لسي محمد ابزيكا، ولكني ارغب في التفكير في أستاذي بوصفه أفقا للتفلسف   ومساحة متخيلة ترفع وجوده الموضوعي في التاريخ الخاص والعام إلى مستوى الأسئلة العميقة والزلزالية التي تطرحها محنته الانطولوجية مع العزلة والألم والمرض. ولذلك اقترح النظر إلى هذه الأسئلة على ضوء ثلاث مقامات كبرى:

1 – مقام في مديح العزلة والفاجعة:

بالرغم من كل الملحقات الرمزية التي جعلت منه (شخصية عمومية)، سواء من حيث اشتغاله الثقافي بالشأن العام وتدبيره لمؤسسات أدبية وفنية واندماجه العضوي والفعال في الحراك الجمعي المتعدد، ظل الأستاذ (محمد بزيكا)، رغم ذلك الشيوع الشهير كله، راعيا أمينا لعزلة جوهرية وإقامة سرية في جغرافياه الاستثنائية والعصية. قبل (الفاجعة) وبعدها، كنا نستشعر لدى استأذنا هذا الولع البين ب (الخصوصية) ورغبته الدائمة في تحصين (معازله) الأدبية والثقافية حيث يقرا وحيدا ويكتب وحيدا وينام على أرائك القلق المزمن وحيدا. لذلك لم يكن أستاذي، كما عرفته عن قرب وقرأت الكثير مما كتب وحضرت الكثير من مداخلاته العمومية في قضايا ثقافية وأدبية متعددة، رغم صورته المشتركة لدى معارفه وأصدقائه وزملائه، من طينة (المناضلين) ذوي الاصطفاف الحزبي الضيق ولم يكن بذات التحليل صانع ايديولوجيا يسارية ولا (ثورجيا) متبجحا براديكالية شفاهية، وحتى دفاعه التاريخي المستميت عن هوية الامازيغ ولسانهم وثقافتهم كان بعيدا عن الهوس الهوياتي وناء عن هتاف المقموعين وشعارات الغاضبين. لقد كان ناقدا جذريا لكل اليقين المؤمم وهادما عقلانيا لكل الخرافات المعاصرة ومستفزا دائما لكل أنواع الارتوذوكسيات دينية وغير دينية أساسا. كان يفكر في حداثة قائمة على السؤال والسؤال والسؤال فقط. إثر ذلك كنت دوما أتخيل ما يشبه صداقة سرية بينه وبين (موريس بلانشو) في انتقالهما معا من مبدأ (الالتزام)، الذي شاع كثيرا في سبعينات وثمانينيات مغرب قديم، حتى تحول إلى دوكسا جماعية وعقيدة راسخة في الأدب والشعر وسلفية جمالية عقيمة، إلى مبدأ (الانعتاق) بوصفه الحرية القصوى للكتابة والوجود معا. لذلك كنت أتصور أن بوسعه، في الذرى الشامخة للامينيزيا التي كانت لا شك إتلافا غير إرادي لكل ما كان يزعجه من غبار الذاكرة وخيانات القريبين وشقاء العيش المشترك، أن يكتب لحظة موته كما كتب (موريس بلانشو): (L’instant de ma mort).

ان الفاجعة التي عاشها (أبزيكا)، قبل العلة وبعدها، ليست حالة فردية ولا باثولوجيا عطلت الحواس ولا مجرد مرض بالحس الطبي المشترك، ولكنها كانت اختيارا وجوديا ونمط حياة لم تأت العاهة إلا لتمنح هذا الاختيار مظهر العرض الجسدي. وإذا ما تركنا جانبا معجمات الحزن و الفقدان التي تثقل ذاكرة (الفاجعة) في حقلها الدلالي باللسان العربي، وإذا اعتبرناها مجرد استعارة (شعرية) لمفردة (Désastre)، فان (الفاجعة)، إذ تعني في المعجم اللاتيني( خروج النجم عن مداره / –   Dés astres ) ، تعين أساسا مجاز (الخروج ) وشعرية ( الآبقين ) عن المشترك و الحزب و كل قبائل ما بعد الحداثة  و كل مؤسسات الإجماع  بتلاوينه المختلفة .

إن الفاجعة، بهذا المعنى الجديد، ليست حزنا فرديا أو انفعالا رومانسيا بالأسى السطحي وقلق العلاقة مع الفقدان، ولكنها نوع فادح من (الانعزال) و(الانقطاع) حيث تصبح الفاجعة (ليلة يعوزها الظلام دون أن يضيئها النور) منحازة إلى (النسيان الذي لا ذاكرة له). وليست الامنيزيا غير هذه الصيغة القصوى للفاجعة بوصفها إيغالا في إتلاف الذاكرة الدلالية وإفسادا كاملا لعوالم الحاسة المشتركة.

حين زرته بمعية بعض تلاميذه القدماء بعد شهر من فقدانه للذاكرة، وبعد تنكر الجامعة الجبانة وانصراف الجحيم الذي اسمه الآخرين بعيدا عنه، ونحن نجلس في مقهى متواضع قريب من بيت العائلة بايت ملول، أحسست بهول الفاجعة بوصفها ما اقترحه هنا: نظيرا انطولوجيا لعزلة عميقة.

إن فقدان الذاكرة هو الانكفاء في الأقبية الدافئة حيث ضوء السريرة الوحيدة وحيث تحكي الطوية الخالصة سردياتها الملغزة خارج مشترك اللغة وسنن التداول العام وإجماع الرموز التواصلية. ليست (الامنيزيا) غير انفلات من سطوة (النهار) ومن ذكريات الرماد وضباب الرؤيا. وحتى في التشخيص العيادي نلحظ ذات الحكاية: الهرب من (النهار) نحو العتمة المضيئة غير المشتركة حيث يقيم النسيان الراسخ والنسيان السحيق. وسواء تعلق الأمر بتعليل عضوي ما، أو بمجرد سياق سوسيو –مهني يراكم ما يكفي من دعائم الضغط العنيف والإرهاق النفسي المتواصل وأسباب الانهيار التام، فان صديق (الامينيزيا)، لكي لا أقول: المريض، يبدي عزلة شاملة وكليانية يؤثثها النسيان التام لسيرة الجسد و ذاكرة الدلالة. وأثر ذلك تنهار كل الوساطات الأليفة بين الكلمات والأشياء.

إنها العزلة حين تصير تعذرا للمشترك أو ممكنا للمستحيل أو إقامة سرية خارج معياريات (اللوغوس) وشرائع (العقل). ولا يجدر بنا ألا نشير إلى أن في النسيان هذه (النعمة) التي تحول (الماضي) إلى ابد نثري، وتجعل الماضي فائضا عن الحياة لدرجة لا يكون ثمة مستقبلا غيره. وهو ما قاله (جيرا ردي نير فال) لصديقته (Aurélia) في كتابه (Chimères d’’ Aurélia): ثمة طفح فائض من الماضي لكيلا يكون هناك الكثير من المستقبل.

النسيان شكل من أشكال الحرية كما قال (جبران خليل جبران) منذ فواتح القرن الماضي.

إن كل مفردات (الفاجعة) و (النسيان) و (الأمنيين) تدعم تفكيرا جديدا في الحياة بوصفها تدبيرا انطولوجيا للمخاطرة حيث يصبح العبور قدرا وجوديا ويؤول العيش كله إلى سلسلة مبادرات يائسة نحو مخاطر لا محيد عنها إذ الإنسان كله ليس غير (سبيل وأفق غروب). ولذلك لا مناص له من اجتراح الخطر تلو الخطر حيث يبقى المنفذ الوحيد هو (اختيار الموت في اللحظة المناسبة). وإذ لا يستدعي هذا الاختيار (ألقيامي) فكرة القتل ألعمدي أو أي نزوع انتحاري، فان (الموت المناسبة في الآن المناسب) لا تقوم دون تمايز جوهري بين (الحي) و (الدخيل على الحياة). فوحدهم (الدخلاء على الحياة) من يمنحون الموت / موتهم وموتاهم معا هالة المقدس الحزين وكآبة المأساة، أما (الأحياء الحقيقيون) فإنهم عارفون ب (بهجة الموت) ولذلك يحتفلون بموتهم احتفالا بموت جذابة تجتذب الأحياء بحوافزها وآمالها. لذلك يبقى السبيل الأوحد للموت المناسبة والمبتهجة والجذابة هي الموت التي تجعل الحياة (ظافرة) وتصبح هي نفسها موت (فضلى).

وليست هذه (الحياة الفضلى)، بما هي نظيرة ل (الموت الفضلى) و (موت القمم)، غير هذا الافتنان بالعزلة بوصفها وطنا. والعزلة، في هذا المقام، ليست (وحشة) لان المنعزل ليس مجرد (غريب مستوحش بين الناس)، بل المعتزل هو من يقيم في كينونة مختلفة وأصيلة وجوهرية لا تعير بالغ اهتمام ل (الطارئين على الحياة).  إنها (العزلة السعيدة) حيث (كل شيء مضيء) وحيث تتخلق المعاني الجديدة والمحاثة لوجود تشيده حكمة (الآبقين) و (الخارجين) عن (حكمة الناس) التي يهيمن فيها (العبث) و (الهراء) والسلطة. العزلة هي (مملكة الصمت المتصنت) بامتياز حيث تفارق، بصورة انطولوجية حدية، مملكة الآخرين حيث زعيق الكلام كدوي وحيث الكلمات تتسرب، بيسر، إلى (المياه الجارية) دون عمق ودون جدارة.

في هذا المقام، يبدو أستاذي محمد أبزيكا، قبل ما يدعى مرضا، من طينة الكبار ذوي الإقامة، الدائمة أو العرضية، في (العزلة السعيدة) على غرار العاشقين الفادحين الذين كانوا وحدهم، وكما المسيح في جبل الزيتون والحلاج في عزلة مرائيه ودونكيشوت الذي أشعل حرائق الأحلام والشعر في بسائط (المانش) وغيرهم كثير …

انه، ككل هذه السلالات الاستثنائية، منعزل وليس معزولا بالمرة. وثمة فائض كبير من الحكمة والبلاغة في المسافة الدلالية الفاصلة بين (العزلة) و (العزل). فهو لم يكن (مقصيا) بأي معنى من المعاني الاجتماعية والسوسيو – مهنية والرمزية، بقدر ما كان حريصا على عزلة تجعله متفردا وأصيلا. وعطفا على سيرته الوجودية والثقافية معا، كان محمد أبزيكا وفيا لهذا (الاعتزال الانطولوجي) الضاج بالتزام مبدأي وتفكير مختلف في كل تجارب الأقاصي. إنها العزلة حين تصير تحققا متفردا للحياة القصوى الذاهبة نحو اكتشاف نقائض الحياة ذاتها وحواملها السلبية. وأثر ذلك، أخال أستاذي نموذجا مغربيا خالصا، ليس لمثقف عضوي في نسخته الغرامشية ذات الارتدادات المدرسية، بل لمثقف (دونكيشوت) يروم ما لا يرام: الحفاظ على الحرية ضد أنظمة معيش لا تقود سوى نحو دهاليز ملونة لرقيق معاصر. ولذلك لا غرابة أن يصبح (المنعزل)، ليس نمطا آليا ونسخة من النسخ المكررة المتولدة عن انساق الصناعات المجتمعية للأفراد، ولكنه يصير كائنا (فريدا) مشرعا على (الندرة) من جهة وعلى (النشاز) من جهة أخرى. ولا يجب أن نغفل، في هذا السياق، عن البعد الجذري لهذا (الاعتزال) الذي ليس مجرد إيغال راديكالي في تعطيل الرابط الاجتماعي والخروج، تبعا لذلك، من كل توافقات الحس المشترك، ولكن هذا (الاعتزال) يملك، أساسا، مظهر الجسارة القصوى و مخاطر الاقتحام إذ اختيار هذه (العزلة السعيدة) ينهض على جرأة وجودية كبرى وعلى درجات فائقة من شجاعة الموقف والاستعداد (الدونكيشوت) للتحرر من كل وهم جماعي ومؤسساتي عنوانه الغنائم المادية والرمزية. وبهذا الشكل لم يكن أستاذي صديقا طيعا للمؤسسة، تربوية أو جامعية أو حزبية، ولا ذليلا أمام إغراءات مسارات مهنية هادئة ومطمئنة. بل انه، فيما اذكر، كان متحررا من جبروت (الاعتراف) عبر استدرار قبول مشترك وكان يبدي إزاء كل الرأسمال الاجتماعي والرمزي الذي كان يحوزه بوصفه شخصية عمومية لدى رأي عام ثقافي وأكاديمي وجمعي الكثير من التبرم وحتى السخرية السوداء حيث كان يذكرنا دوما بأن العلم أكبر من العلماء وان المعرفة عميقة وليس أبدا من قبيل الجاه الرمزي.

إن الخلاصة في هذا المقام، تفيد بأن كل تجارب هذا (الاعتزال الانطولوجي) تتشكل بوصفها عبورا من (الحاجة) إلى (الرغبة) ومن (سطوة المشترك الواقعي) إلى (رحابة الحلم الفردي). ولذلك يبدو المنعزل أشبه بالخائن، بتعبير (جيل دولوز)، إذ أن خيانة الإنسان ل (نوعه وجنسه وطبقته وأغلبيته) هي السبب الأول للكتابة.

إن العزلة، إذ تخون، بهذا التعبير، كل مواضعات المشترك، تصبح شرطا للكتابة نفسها: (وليبدع على المرء أن يفقد هويته ووجهه.. يجب أن يزول ويصبح مجهولا). وان تكون مجهولا ليس شيئا آخر غير أن تكون (منعزلا) دون مريدين ودون سلالة ودون الجحيم الذي اسمه الآخرون.

(أن نكون مجهولين مثلما هو حال القليل من الناس، تلك هي الخيانة). وتلك هي العزلة ايضا.

2- مقام في مديح العاهة وفداحات الألم:

لا شك أن المرض وكل مفردات العاهة والألم أضحت الآن من نافل القول وعموم الكلام المنشأ عن أستاذي محمد أبزيكا، بل إنني كنت متابعا، عن قرب وفي سياق جمعوي وجامعي خاص، للحظات الأولى لهذه المحنة الصحية وسفره الأول إلى الرباط قصد علاج دقيق. وبعد مجيء التشخيص الطبي تأكد الجميع أن الأعراض التي كانت بادية على الأستاذ قبل ذلك قد وجدت بعض بيانها العلمي.

حينما رايته آخر مرة وهو مقيم في امنيزيا شاملة، لم يكن الجسد حاملا لكل أعراض الألم الفيزيولوجي. لكني أحسست بغموض إن الأفول غير بعيد تماما. وإنا استعيد هذا اللقاء العابر، الذي أصبح الآن سرمدا حزينا، كنت أفكر فيما معنى أن يتألم الكاتب وما دلالة أن يمرض معتزل كان سعيدا في عزلته؟

لقد تأكد لي، في تلك الجلسة الخاطفة والأستاذ جالس أمامنا كأنه يركب معراجه الخاص، أن المرض ما يفتح الجسد على غيوبه الخاصة، والعاهة ما يمنح للعابر مظهر العجز والعلة. ولذلك استعدت ما قرأته ل (شارل بدولي)، الذي كان صديقا مزمنا لذات المرض، وهو يعتبر المرض ما يجعل الطبيعة، الفيزين (Physis) الإغريقي القديم، تنفتح على ما يتجاوزها حيث الخفي والسري والغامض. ورغم كل الادعاء العلموي بيقين (التشخيص الطبي)، يقيم المريض دوما، بفضل قوة معراجية تسعفه وحده في التحليق نحو مناطق عليا، فيما يفوق الطبيعة ذاتها.  ولذلك لم اعر، فيما تعلق بالحالة المرضية للأستاذ، كبير اهتمام لوثائق ملفه الصحي، بل كنت اعتقد وما أزال أن الالتباس هو أس المرض والعاهة غامضة بقدر فائق، بل إن غموض السبب يؤدي، في مثل هذه الحالات، إلى إغماض الوجود والطبيعة برمتهما.

كاتب وباحث من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

مظاهر الهجاء في شعر الرحل الأمازيغ بوادي نون – أحمد بلاج

مقدمة إنّ الشيء الذي يميّز كلّ شعب ما هو ثقافته وتراثه، هذه الثقافة تعتبر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *