الرئيسية / أمازيغيات / محمد واكرار والإعلان عن الانتماء إلى الحداثة الشعرية – يوسف كوزاغار

محمد واكرار والإعلان عن الانتماء إلى الحداثة الشعرية – يوسف كوزاغار

مقدمة
تروم هذه الورقة تقريب القارئ من تجربة حقيقية واستثنائية، تجربة لها جسدها ومتخيلها الخاص، عبر إضاءة الجوانب التي اعتقدنا في نظرنا أنها الأهم، أولا عبر الوقوف عند مفهوم الجنون عند نيتشه، ومساءلته من داخل هذه التجربة، أي كيف استوعبته وكيف اشتغلت به شعريا، وثانيا عبر إعادة هذه التجربة كتابة المعرفة الصوفية من داخل النص الشعري، بما تتيحه هذه المعرفة من إمكانات لا حد لها، تزيد من قوة وصلابة النص، خصوصا في علاقة الشاعر بالكتابة والوجود في التصوف الأكبري، توقفنا كذلك عند القطيعة التي يمارسها الشاعر مع الكتابة، وما يصاحبها من قلق ويأس وتفكير.
لقد سعت هذه الورقة إلى قراءة هذه المواقع في ديوان»»تينيتين»» للشاعر الأمازيغي الكبير محمد واگرار، واعتبرنا أن هذه المداخل وبدءا من هذا الديوان قد أعلن الشاعر انتماء الشعر الأمازيغي للحداثة الشعرية، وتجدر الإشارة إلى أن هذه الممكنات التي توقفنا عندها هي ما أتاحته لنا قراءتنا ومصاحبتنا لهذه التجربة، على أن ثمة مداخل أخرى من قبيل الشكل، والتوسل بالتاريخ وشعرية الذات …، وهي مواقع لا تقل أهمية عند ما توقفنا عنده، وبالمقابل إن هذه المداخل الأخرى ستساعد على الكشف عن عمق هذه التجربة والإمكانات التأويلية اللانهائية التي تتيحها.
الحداثة الشعرية في ديوان تينيتين لمحمد واكرار
يشكل مفهوم إعادة الكتابة، أحدَ أهمّ المواقع القرائية المسعفة في الاقتراب من تجربة محمد واكرار، ف»»كل نص هو امتصاص أو تحويل لوفرة من النصوص»» ، ما يعني بالدرجة الأولى أن فعل الكتابة عنده يستحضر نصوصا ومجالات معرفية أخرى، من قبيل الفلسفة والتاريخ والمعرفة الصوفية…، إن نصوص محمد واكرار لا يمكن أن تدرك»»إلا في علاقتها بالأعمال الفنيّة الأخرى، وبالاستناد إلى الترابطات التي تقيمها في ما بينها»» ، إما عبر إعادة الكتابة أو الانفتاح أو التحاور، إن النص عنده «» شبكة تلتقي فيها عدة نصوص» ، وعدة مجالات معرفية أخرى، سنضيؤها قرائيا في ما يلي.
1.الفلسفة
نقرأ له في نص «» تيغرسي نتفيي:
«›فريديرك نيتشه
أبو تايري إيلّوزن
إقّانكيد أونوفل
ٱنگيس تاگت
ٱر أرواس»»
إن الشاعر هنا،»» يحتفي بجنون نيتشه، وينتصر لفوضاه اللازمة لسماد شعر راج ومخلخل»» ، والجنون سمة طبعت النصوص الكبرى، غير أن الجنون هنا -وكما في التجارب الكبرى- يحضر بالمفهوم الخلّاق للكلمة، أي «» بوصفه حالة وجودية يختارها الإنسان في سعيه إلى فهم العالم وأشيائه»» ، هذا السعي هو ما يؤكده الشاعر في الأسطر الموالية، يقول:
«» فاد ٱد إيدوي أوماضال
غ إيضسنس إيفرغن
ٱد إيدّر تاسگا أونوفل
غ تيلاوت نس»»
وجدير بالذكر أن سمة كهذه-وفي هذا النص- تستهدف الذات في علاقتها بالعالم، على أن الشاعر في ٱخر المطاف يحاول عبره -عبر الجنون- أن يبني عالمه الخاص، ووفق ذوقه الخاص، العالم الذي يعتقد أنه عليه أن يحيا وأن يتجه ناحية الجنون، كما تشير بذلك عبارة»»ٱد إيدّر تاسگا أونوفل»».
إنه تأسيس للوجود عبر الجنون، وتمجيد للجنون على حساب العقل، «»ولعل الدعوة إلى تأسيس رؤية الوجود على اللّاعقل، هي دعوة ترسخت في كثير من كتابات نيتشه، الذي يرى الحقيقة من زاوية الجنون»» ، نقرأ لمحمد واكرار :
«» هات، أنّيلّي ٱنّ إبادن
إي قانت تيد
ٱد إيسّوس تاولكت
غ أومنيد أونوفل»»

إنه خطاب شعري موجه للعقل، وانتصار للجنون على العقل، هذا الأخير الذي سيتحتم عليه في ٱخر المطاف، أن يفرغ ما في جعبته وما لديه في أرض الجنون، إنها نوع من المواجهة، والتي سنعثر في الأسطر الشعرية الموالية على حقيقتها، وهي عجز العقل في أن يوقف زحف الجنون، في بناء تصور العالم عند الشاعر، يقول واگرار:
«» تيفيكشت نس أور تزدار
ٱ تگ بايطّار»» .
ينفتح النص كذلك في مسعاه لتأويل العالم عبر الجنون على ميشيل فوكو، وعلى تنظيراته المهمة في حقل الفلسفة، وهو يحاول إرساء تاريخ للجنون، وهذه أهم المقولات التي قالها فوكو بهذا الصدد:»»لقد أصبح العقل يكمن في التنديد بالجنون في كل مكان»» ،»»فلقد كان الجنون في صلب العقل والحقيقة»» ، يقول محمد واگرار، في إشارة إلى ذلك :
تيدت تلا س اومزروي
أنيلّي إيلّا س أومزروي
أنوفل إلّا س أومزروي»»
2.المعرفة الصوفية
إن الكتابة عند محمد واكرار إقامة في حدود الخطر، عنده «» لا يبدأ النص لينتهي،ولكنه ينتهي ليبدأ»» ، إنها دعوة مستمرة إلى الانخراط في مجهول الكتابة وممكناتها، والاشتغال بتصورات معرفية قبلية تساعد الشاعر على بناء تصور متين ومتماسك ومغاير للعالم، وانطلاقا مما تقدم يغوص محمد واكرار في التجربة الصوفية، ويمتح منها ما يتوافق مع بنائه الشعري، هذا ما نعثر عليه حين يستحضر الشاعر المرٱة كما تشكلت في الخطاب الصوفي، ليبني رؤيته للوجود.
تتوجه المرٱة عند ابن عربي في سياقات مختلفة إلى إقامة واستنبات علاقة الإنسي بالإلهي، هذه العلاقة تتكشف في اعتبار المرٱة ممكنا وجوديا للإمساك بحقيقة المطلق عبر الصورة/الذات، وحقيقة الذات عبر المطلق، ونحن إذ نعبر بالمرٱة من تجربة خاصة(ابن عربي) إلى تجربة مغايرة(محمد واكرار)، فذلك لوجود تداخل بين التجربتين، فكلتاهما تعتبران المرٱة ممكنا وجوديا للوصول إلى غايتهما المنشودة، والتي تختلف، يتبدّى هذا في كون المطلق غاية ابن عربي والذات وحقيقتها غاية محمد واگرار.

يرجع السبب الأول في إقامة هذه العلاقة بين الذات والمرٱة عند محمد واگرار إلى الشوق، إنه شوق الشاعر إلى نفسه وإلى ذاته، يقول:
«»إيخف إينو ياغي
أومارگ نّون
ٱگغ ن سيس غ تسيت»»
لقد ترتب عن هذا الاشتياق إلى الذات وحقيقتها التوجه إلى المرٱة، والنظر فيها، وكما أشرنا سابقا كونها ممكنا وجوديا سيفضي لا محالة إلى ما يبتغيه الشاعر، فالمرٱة»» في البدء قد كشفت حسب ابن عربي عن الإنسان بوصفه صورة من أحب رؤية نفسه»» ، وفق هذا التصور يتوجه محمد واگرار إلى المرٱة للعثور على ذاته، غير أن هذا المسار حافل بالمخاطر والمجازفات. لقد خلص ابن عربي إلى أنه لا يمكن أن تفسر»»العلاقة بين الرائي والمرٱة على الانعكاس»» فقط، ويمكن أن نلحظ هذا في كون الشاعر لا يسمي الصورة التي تظهر في المرٱة بالانعكاس، بل يسميها «» إخفينو»،أي «ذاتي « إن صحت هذه الترجمة، «» فالمرٱة لا تتلقى الرؤية فقط، بل هي أيضا تنهض بفعل الرؤية»› ، هذا عينه ما حاول محمد واگرار أن يفعله، انطلاقا من خلق تفاعل بين الرائي والمرئي،غير أنه لم يفلح في ذلك، يقول:
«» گيغن ٱت سّودمغ
إكّد إييي
إگد أفوس ٱد إيّوت
تگ تيسيت إزلالّاين
إيدّم إييي»»
لقد ترتب عن هذا الاعتقاد بقابليّة لقاء الشاعر بذاته عبر المرٱة كما تقدم بشكل ملموس ما لا تحمد عقباه، على أن الرؤية يجب أن تكون قلبية وظاهرية في نفس الوقت، ولا يمكن أن تخضع للتصور الواقعي للأشياء فقط، ما ولد تنافرا وجرحا ليد الشاعر وكسرا للممكن الوجودي الذي هو المرٱة، «» فإمكان التقاط الحقائق في تماس الطرفين، واستساغة التضاد في العين الواحدة»» ، هذا التضاد هو ما لم تستوعبه الذات في تلك اللحظة، وسيتحقق هذا المسعى في ديوان لاحق .
لقد ولد هذا ما كان متوقعا، الانفصال والتفكك والتبعثر، واختلاف المسارات يقول محمد واكرار لذاته، ونحن نلمس نوعا من الخيبة والحسرة:
«» إيخف إينو نيك ديوْن
كويان ماغ تيگا
أودار نس»»
ورغم اختلاف أفق كل واحد منهما، يعود محمد واگرار في ٱخر النص ليؤكد شوقه واشتياقه لذاته الأخرى، يقول في ٱخر النص:
«» إيخف إينو، إينغايّي
أومارگ نّون»»
يتابع ابن عربي سفره نحو المطلق، ويتابع محمد واگرار سفره إلى نفسه، بالرغم من هذا الكم الهائل من الانفصال، فهذا من صميم التجربة الشعرية، والشاعر نفسه يدرك الأمر، يقول في نصه»» أبريد أخاتار»» وما لهذا العنوان من دلالات:
أوسيغ أوالك
حييّالغ إِ أوبريد أخاتار»»
ويقول في نص «» أزواگ»»
يان إسيگّيلن
طيطّ ن تيدط
ٱد إبيكس إِ أوزواگ»»
وهي إشارات هامة من الشاعر، نعثر فيها على إدراكه تبعيّات السفر، وما يتولد عنه، على أن القلق والتفكك واليأس مفاهيم ظلت دوما لصيقة بالكائن الشعري.
3.من الوعي بالكتابة إلى القطيعة مع الكتابة
عبر هذه المواقع يتبدى أن محمد واگرار كان واعيا بحقيقة تجربته، وما توسله بالمعرفة إلّا دليلا على ذلك، سنشير فقط إلى أن هذا الوعي بالكتابة ولد عند محمد واكرار قطيعة مع الكتابة، على أن القطيعة الخلّاقة هي قطيعة أفق، وليس قطيعة أصل كما يقول محمد بنطلحة في كتابه الجسر والهاوية، نلحظ هذا في كون زمن الكتابة نادر عند هذا الشاعر، فابتداء من 1984 إلى حدود 2004، سنة صدور الديوان لم يكتب واكرار سوى واحدا وعشرين نصا، مايعني نصا واحدا في كل سنة، وهو ما يؤكد القطيعة التي يمارسها الشاعر مع الكتابة، وما يتدخل في ذلك من تعديلات على النصوص، وإلغاء أخرى، ثم أشكال المحو التي تصاحب فعل الكتابة.
خاتمة
عموما ليست هذه الدراسة سوى إمكان بسيط داخل الإمكانات التي يمكن أن تفتحها تجربة محمد واكرار، التجربة التي يمكن أن نصنفها ضمن الشعريات الكبرى، التي تنظر إلى العالم برؤية كونية، تجاوزت حدود الجغرافيا، ورحلت إلى بقاع العالم، حاورت تجارب، وأخذت من أخرى، تلك هي سمة الشعراء، الذي يبحثون عن تشكيل حقيقتهم عبر الاستعانة بنصوص الآخرين.

 

 

 

 

 

 

الهوامش
1 حداثة السؤال:بخصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة، محمد بنيس، المركز الثقافي العربي، الصفحة 251
2 االمرجع نفسه. ص.185
3 المرجع نفسه.ص251
4 دوان تينيتين، محمد واگرار، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ص.25
5 مسالك العلامات،مقاربات في الشعر والفنون والتاريخ السياسي للأمازيغ، مرشيد أوتروحوت ،نشورات منظمة تاماينوت أيت ملول، ص.31
6كتابة النفري: بين المعرفة الصوفية والممكن الشعري وتمجيد الجنون، محمد تايشينت، مؤسسة مؤمنون بلا حدود. ص13
7 ديوان تينيتين، محمد واكرار ،ص.25
8 كتابة النفري، محمد تايشينت.ص.13
9ديوان تينيتين.ص.26
10 نفس المصدر.ص.26
11 تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ميشيل فوكو، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي.ص.38
12 ن.م.ص.35
13 ديوان تينيتين.ص.26
14 حداثة السؤال:بخصوص الحداثة العربية في الشعر والثقافة، محمد بنيس، المركز الثقافي العربي.ص.18
15 ديوان تينيتين، محمد واكرار.ص.8
16الكتابة والتصوف عند ابن عربي، خالد بلقاسم دار توبقال للنشر.ص71
17 نفس المصدر.ص.69
18ن.م.ص.70
19 تينيتين.ص.9
20 الكتابة والتصوف عند ابن عربي.ص.73
21سيحقق الشاعر مبتغاه، عبر استساغة التضاد في العين الواحدة، ليصل إلى ما كانت تبتغيه الذات، ألا وهي الطمأنينة، وذلك في ديوان»»أفنوز نس گر تانگا إيمان د تانگا»»ص.62،يقول: كّيغد أگنس إينو سونفيغ»»
22 تينيتين.ص.9
23 ن.م.ص9
24 ن.م.ص.37
25 ن.م.ص.41

كاتب من المغرب

 

عن madarate

شاهد أيضاً

مظاهر الهجاء في شعر الرحل الأمازيغ بوادي نون – أحمد بلاج

مقدمة إنّ الشيء الذي يميّز كلّ شعب ما هو ثقافته وتراثه، هذه الثقافة تعتبر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *