الرئيسية / اهتزازات / مراكش التي… (الجزء الخامس) الحسن الگامَح

مراكش التي… (الجزء الخامس) الحسن الگامَح

 

مراكش التي… (الجزء الخامس) الحسن الگامَح

 

لماذا الشعر…؟؟

(مراكش فتحتْ لي طريقا إلى غد

لم أكن سوى ذاك الزائر من مكناسة الزيتون

أمشي بين العقبات والمنحدراتِ

وأتنفس عبق التاريخ بين الأسوار والبواباتِ

فإذا بي في مراكش

أمشي مستويا على منبسط

تلفني ظلال النخلات الباسقات المزهراتِ

مستمتعا بوقت يمر مسرعا

بين الدروب والساحات

أحاول أن أفك لغز هذا الجمال

وأنا أركب حلم المتاهات بين الممرَّاتِ)

 

مراكش قبلة للعشاق الباحثين عن الجمال التاريخي في القصور والرياضات… الفنادق ودور الضيافات… وفي المآثر والمزخرفات، مراكش كتاب الجمال الرباني منبسط على هذه الأرض منذ أن عشقها يوسف بن تاشفين، فعلى الفور قرر أن تكون قبلة عشاق البعاد وعاصمة البلاد، جاءها عابرا ففتنه فاستقر بها حاكما ومؤسسا لدولة ستتسع في كل الأنحاء، يوسف لم يكن سوى مؤسس مراكش، بل عاشقها المفدى ورافع عرشها إلى الأعلى… يوسف جاءها قائدا فاستوى فيها سلطانا وحاميها، وحين جاءته المنية على أرضها اختار أن يكون قبره في أرضها (رغم ما قيل عن قبره)، ليبقى يوسف أكبر من مؤسس لمراكش بل عاشقها الذي كتب القصيدة وهام بين استعاراتها منذ أن وطأت قدماه أرضها:

(مراكش يا أرضا فتنتني

أنا العاشق الولهانُ

فأردتني -في عشقها- متيما شهيدا

مراكش لك سيفي لا يغمد في غمد

حتى تزهرين بين أراضي الله فاتنة

وأكون أنا الحارث الوحيدا

آه يا مراكش

كلما ابتعدت عنك أشتاق إليك

ومهما وقت الغزوات يطولُ

أزيد فيك عشقا لا يحدُّ

فلا أرتاحُ إلا أن تحضنيني بطلا وقائدا سعيدا)

 

مراكش توالى عليها الملوك والسلاطين وكل واحد يكتب جزءا من القصيدة التي بدأها المؤسس يوسف، وكل يكتب من معين عشقها الذي لا ينتهي وما زالت القصيدة تكتب حقبة بعد حقبة… وعاما بعد عام…يوما بعد يوم، والكل يشارك لا فرق بين حاكم ومواطن عادي، كل يكتبها بدمه ونبضه المتواصل، ويترك وصية إتمام القصيدة للأبناء. لذا فمراكش قصيدة مكتوبة بعشق أبدي منذ أن خط يوسف الحروف الأولى بثباتٍ، وتواصلت الكتابة وستواصل إلى أن يأخذ الله الأرض ومن عليها.

(هِي الْقَصِيدَةُ في مراكش لا تنتهي

كل يوم ترشف قهوة صباحا

وتجول بالكوتشي بين النخلات العاليات

والأضواء تزيد المدينة ابتهاجا

ثم تعرج على جامع الفنا

مستمتعة بالأهازيج والأكلات

والدخان يعلو الفضاء اندماجا

ثم تأخذ في مطعم علوي

أو في إحدى الرياضات

مكانا لتقرأ الوجود انفراجا)

 

هكذا هي مراكش ترتدي فستان الجمال جمالا، وتستوي على عرش المدن أكثر عبورا واستقرارا، وهي المدينة التي يأتيها المرء زائرا فيكتوي بنار عشقها أعمارا… ما إن تفتح صدرها لكَ إلا وتستمتع بالخضرة الدائمة صيفا وشتاء… أشجار الزيتون والبرتقال المر والنخيل الممتد في الشوارع الطويلة جنب الأسوار العتيقة يزيدها الضوء الكاشف الآتي من مصابيح مثبتة على الرصيف بهاء… مراكش متعة لا توصف ولا تقاوم وأنت تجول بين دروبها الضيقة أو الأزقة الملتوية، وجامع الفناء قبلة عشاقها في المساء محتضنة الآلاف منهم محبة وأشواقا.

(آمنة ليلا نهارا

تعجُّ بالزوار وهي تعانقهم أحبابا

لا تملُّ منها العينُ 

والقلبُ يستريح في حضنها

ساعات وأعواما

يمُرُّ الوقت مسرعا

كأنه في سباق مع ذاته

لا يبالي بالعاشقين

وقد امتدوا على صدرها أجساما

هي مراكش القصيدة التي ما فتئت تخبرنا

أنها كتاب مفتوح على الكشف

فلا تبخلوا عليها بطيب العطر كراما)

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

ما جدوى الشعر إن لم يَكْتُبْ مأساتنا…؟ الحَسَن الگامَح

  لماذا الشعر…؟؟ (ما جدوى الشعر إن لم يعبر عن ذواتنا لما تصيبها الآلامُ قرحا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *