الرئيسية / اهتزازات / مراكش التي… (الجزء الرابع) الحَسَن الگامَح

مراكش التي… (الجزء الرابع) الحَسَن الگامَح

 

 

لماذا الشعر…؟؟

(مراكش استقامت بين عيني أنثى

تمشي جنبي تحت المطرْ

وتسهر معي الليالي على ضوء القمر

وحين تغمرنا القصيدة بنورها

نمتد في الحياةِ نعشق المدى والمنتظرْ

نتيه كأننا لوحدينا في هذه المدينة

التي يكثر حجيجها يوما بعد يوم

ونحن في تباه نعانقها بعد كل سفرْ)

لم تكن مراكش إلا مدينة سأزورها مرة واحدة ثم أحمل حقائبي إلى مدن أخرى خاوي الوفاض، بل سكنتني ووهبتني أنثى عشيقة ستشاركني طريق الغد لسنوات ولا زلنا نمشي سوى، كأننا ما زلنا في أول الطريق بعد أن رحل طفلانا عنا إلى عالمهما بعد إنهائهما دراستهما، وبقينا نقرأ القصائد التي كتبتها مراكش سنوات وسنواتٍ، بنفس الفرح ونفس الشغف الأول. نزور مراكش الفاتنة من حين لحين، ونكتب من جديد قصائد الذكرى في ساحة جامع الفنا وفي السمارين والضوء المنفلت بين السقف الخزفي ينيرنا ونحن نجول بين الدكاكين انطلاقا من باب فتوح في اتجاه الرحبة القديمة إلى أن نتوغل في المدينة القديمة، وعبق التاريخ يعطرنا، ثم نعود إلى السطح العلوي بمقهانا المفضل في الساحة لنرتشف كأس شاي أو قهوة، ونحن ننتظر غروب الشمس عن الساحة من جهة الكتبية الصامدة رغم الحقب والعصور التي مرت:

(مَا زالت الْكُتُبِيَّةُ قَائِمَةً هُنَا 

رَغْم كُلَّ الظُّروفِ والعصورْ 

تُرَاقِبُ الْعَابِرينَ فِي عُمْرهمْ 

وَهُمْ يُسَارِعُون الْخُطَى 

مِنْ جِنَّان الْحَيَاة إِلَى ظُلْمَةِ القبورْ 

مَا زالتْ قَائِمَةً هُنَا 

وَصَوْتُهَا يُسْمَعُ مِنْ بَعيدٍ 

مُعْلِنًا الْفَلَاَح مِنْ جَدِيد 

وَالصُّلَاَّح لِكُلُّ قَرِيب أَوْ بَعيد 

وَهِي مَزْهُوَّةٌ بِذَاتُهَا الْعُظْمَى فِي حُبور 

هِي الْكُتُبِيَّة بَصْمَةُ مَرَّاكِشَ 

وَعَرُوسهَا الَّتِي رَفَضَت الْاِرْتِبَاط بِغَيْر مَرَّاكِشَ 

وَهِي قَصِيدَتُهَا الَّتِي تُكْتُبُ كُلُّ يَوْم بِحِبْر مِنْهَا يفورْ)

 

هنا في ساحة جامع الفنا، وأنت تجالس الجنب وترشف قهوة تعيد لك الذكريات التي حفرتها ذاكرة مراكش لأكثر من ثلاث عقود ونصف العقد أكثر من معنى، وأكثر من أن تستحضره في وقت وجيز وأنت تراقب شمس الأفول تمسح وجه الكتبية في سلام ثم تختفي تاركة قبلة الاعتراف بجمالها المتجدد مع كل إشراقة صبح، أو مع انبعاث ضوء متدفق من المصابيح الكاشفة التي تزيدها جمالا ساحرا ترى من بعيد كأنها تحرس مراكش بكاملها ولا بناء يعلو عليها، هي الصامدة والبوصلة التي لا يتغير مكانها… وهي فاتحة الطريق إلى جامع المدينة والمدينة القديمة.

(هِي الْقَصِيدَةُ الَّتِي لَا تُكْتُبُ إلَّا فِي مَرَّاكِشَ

عَلَى نَغْمَات الْجَمَالِ 

وَلَا تَسْتَوِي إِلَّا عَلَى عَرْشِ الْمَاءِ وَالْخُضْرَةِ 

بَهِيَّةً زَكِيَّةً تَعَطُّر النفوسْ 

هِي الْقَصِيدَة الَّتِي 

لَا يَحْلُو لَهَا التَّعَرِّي إِلَّا فِي حَضْرَة مَرَّاكِشَ

وَأَنْتَ تَسَابِقُ الْوَقْت كَيْ لَا يَنْتَهِي 

تَجوِلُ بَيْنَ الشَّوَارِع وَالْأَزِقَّةِ 

وَالنَّخْل الْبَاسِق

يَزِيدهَا فِتْنَةٍ بَيْنَ مَلْمُوس ومَحْسوسْ 

وَالْأَسْوَار تُحِيط بِكَ مِنْ كُلُّ جَانِب 

تُقْرِؤك سَلَام الْمُؤَسِّسِينَ مَنْ تَوَالَوا عَلَى مُرَّاكِشَ 

يَمْنَحُونهَا حَقَّهَا فِي أَنْ تَكونَ مَزْهُوَّةً كعروسْ)

 

هكذا كتب عنها زائر التقيته في فندق يخط بعض ما أوحت له مراكش من استعارات، وهو يدخن الغليون ذو العطر الزكي، ويرشف كأس شاي منعنع، يتماهى مع موسيقى الگناوي الجالس في ركنية مع صديقه يعزفان بهدوء على الهجهوج والقراقب، ومن حين لحين يصيحان صيحة مذهلة في شجون:

(هَذِهِ الْمَدِينَة تَسْحَرنِي 

كُلَّمَا زُرْتُهَا آتِيًّا إِلَيْهَا مِنْ بَعْدَ الْمُحِيط الْأَطْلَسِيّ 

تَمْنَحُنِي الْأُمَانَ وَالطُّمَأْنِينَة وَالْهُدُوء وَالسُّكُونْ 

هَذِهِ الْمَدِينَة لَا تُقَاس بِدِفْئهَا 

الَّذِي لَا يَنْتَهِي بَعْدَ الرَّحِيل عَنْهَا 

وَلَا بِمَا نَكْتُب عَنْهَا من أشعارٍ

بَلْ تُقَاس بِالنَّبْض السَّاكِنِ الْجَسَد وَالنُّفُوسْ 

يَأْخُذكَ إِلَى حَيْثُ لَا تَدْرِي 

مَهْوُوسًا بِالْحَنِين لِلْعَوْدَة إِلَيْهَا 

كَأَنَّكَ بِطَيْف خَارِجِيّ مَسْكونْ)

 

 

عن madarate

شاهد أيضاً

أكادير فتنة الدنى… (الجزء الثاني) الحسن الگامَح

أكادير فتنة الدنى… (الجزء الثاني) الحسن الگامَح   لماذا الشعر…؟ في وقت ما؛ قبل أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *