الرئيسية / اهتزازات / مراكش التي… (الجزء الثاني) – الحسن الگامَح

مراكش التي… (الجزء الثاني) – الحسن الگامَح

 

لماذا الشعر…؟؟

في مراكش تستريح الذات على أريج التاريخ، وتفتح لها بوابات الخضرة الدائمة صيفا وشتاء… حرا وقرا، والقلب ينبض عشقا للمكان الضارب في الأزمان… في مراكش يحق لك أن تتنفس الحرية وأنت تتجول بين شوارعها وأزقتها الضيقة في المدينة العتيقة أو خارجها… وفي الساحات وفي كل الأماكن يؤثثها النخل الباسق، أو أشجار الزيتون أو البرتقال، وأنت تتنفس الحرية منشرحا وسط مجموعات من السواح يتجولون بكل طلاقة منبهرين بالمدينة جمالا.

في مراكش يقول سائح لرفيقة دربه وهي تمشي جنبه، يداه في يدها:

هنا الحياة عبارة عن حلم أسطوري بكل ما تحمله الكلمة من معنى، كأننا خارج مدينة اعتيادية.

تجيبه بكل تلقائية:

لذلك أتينا إلى هنا، وأتى من قبلنا من أتوا محملين بعشق الاكتشاف والبحث عن حياة مخالفة تماما لما نعيشه في مدننا الأوربية: هنا دفء المدينة… ودفء الإنسان… ودفء التاريخ.

ويمضيان في ساحة جامع الفناء يكتشفان الحلم الأسطوري في سلم وسلام.

(افتح لي الطريق

كي أمضي أشق هذه المدينة طولا وعرضا

وأمنح ذاتي حرية البحث عن ذاتي في سلام

إني أتنفس العشق هنا

بين هذه الدروب محملا

بحلم أكبر مني

أنْ أمكث بين هذه الأسوار

عمرا أطول من عمري

يسكنني شوق الإلهامِ

هنا أرتاح من تعب أصابني دهرا

وأنا الشيخ من جال كل البلدان

فلم تستقم روحه

إلا هنا بعيدا عن شدة الظلامِ)

مراكش منتهى البساطة، لكل سؤال جواب، ولكل نظرة خاطفة تستقبل الجمال بكل أنواعه، تاريخا… عمرانا… بساتين في كل مكان. من الصعب أن تجد أرضا جرداء داخل المدينة، كل الأراضي الخالية من العمران تستغل خضرة كأن المدينة تشقها الوديان وممطرة طول السنة، لهذا من يزور مراكش من السواح في فصل الصيف يتفاجؤون:

كيف لهذه الحرارة المفرطة لا تأتي على هذه الخضرة من ورود وأزهار وأشجار، في أوربا بمجرد ما تتعدى الحرارة الثلاثين تتوقف الحياة، والكل يشتكي والورود تذبل؟؟

كما قال سائح سويسري يزورها لأول مرة ونحن نتجول بالسيارة في شارع محمد السادس، قلت له:

هي مراكش الحمراء الاستثناء في كل شيء.

مراكش قصيدة تفتح فيك استعارات الشوق بلا نهاية… ولوحة فاتنة تغير فيك فهمك للألوان… وقطعة موسيقية على مقامات عديدة تتحد فيها كل النوتات الموسيقية.

(في مراكش

يحلو لي أن أعانق المدى

كما أعشقُ إلى ما لا نهاية

كأني سرب من الحمامِ

أعلو عاليا

ثم أحط على الأسوار العتيقةِ

أراقب المارين يعزفون سمفونية الوئامِ

أو في ساحات جامع الفناء

وقد اكتظت بالأصوات والأنوار

والأجسام تمشي على إيقاعات الزحامِ)

هي مراكش القصيدة التي تواصل الحفر في الذاتِ عمرا… وتنقش على الجسد آيات الود والمحبة يسرا… وتعانق الآتي من قريب أو من بعيد شعرا، هي مراكش ومن غيرها تخلب النهى وتقيم في القلب عرشا…؟

صحيح أن مراكش مدينة عتيقة لكن يمتزج فيها التاريخي والحداثي في حلة غاية في الجمال، فقرها قاس لكنه دافئ… وحرها شديدٌ لكنه كذلك دافئ… لأنها بكل بساط تعانق فيك عشقك الدافئ.

(في مراكش يلتقي الغني والفقيرُ

يشربان كأس شاي

ثم يمضي كل واحد

إلى حال سبيلهِ في سلامِ

مراكش ذكرى

ووثيقة عشق معترفٌ بها

مكتوبة بنبض الآهات

حين ينتهي شريط الكلامِ)

 

أكادير: 30 أكتوبر 2020

عن madarate

شاهد أيضاً

أكادير فتنة الدنى… (الجزء الثاني) الحسن الگامَح

أكادير فتنة الدنى… (الجزء الثاني) الحسن الگامَح   لماذا الشعر…؟ في وقت ما؛ قبل أن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *