الرئيسية / الأعداد / لماذا علقت الحداثة في المسرح العربي؟ قراءة في كتاب: “الحداثة العالقة، مأزق الطليعة في المسرح العربي” للدكتورة أمل بنويس (الجزء الأول) – كريم بلاد

لماذا علقت الحداثة في المسرح العربي؟ قراءة في كتاب: “الحداثة العالقة، مأزق الطليعة في المسرح العربي” للدكتورة أمل بنويس (الجزء الأول) – كريم بلاد

قراءات مسرحيـــــة

لماذا علقت الحداثة في المسرح العربي؟ قراءة في كتاب: “الحداثة العالقة، مأزق الطليعة في المسرح العربي” للدكتورة أمل بنويس (الجزء الأول)

كريم بلاد*

سؤال إشكالي سعت الدكتورة أمل بنويس إلى الإجابة عنه في كتاب مستقل يحمل عنوانا رئيسا “الحداثة العالقة”، وتحته عنوان فرعي: “مأزق الطليعة في المسرح العربي” الصادر عن روافد للنشر والتوزيع بمصر في طبعته الأولى بتاريخ 2019، ويتكون متنه النقدي إضافة إلى التقديم من مدخل مفاهيمي، وثلاثة فصول ينقسم كل واحد منها إلى ثلاثة مباحث رئيسة، جلها نظرية معززة بتمثيلات تطبيقية من واقع الممارسة المسرحية العربية والغربية، يضاف إلى ذلك تخصيص الباحثة حيزا مهما لملاحق توزعت إلى خمسة، وهي: ملحق الصور وملحق مسرحيات طليعية شكلت ذروة المسرح الحديث، وملحق مدارس الفن الحديث، وملحق أشكال جديدة في الفن المعاصر، وملحق أخير يتعلق بالبيبليوغرافيا.

هكذا يبدو تميز الكتاب على مستوى الشكل قبل المضمون، في قدرة الكاتبة على خلق اتساق بين فصوله ومباحثه، والزواج بين التنظير لمسرح الحداثة وما بعدها والتظهير له على حد سواء، بالإضافة إلى التمثيل على كل ذلك بما تراه مناسبا من نصوص مسرحية وعروض مسرحية، وثقت لها في جدول تركيبي[1] نهاية الفصل الأول. كما يتجلى التميز أيضا على مستوى دقة الإشكالية التي سعت الباحثة إلى الإجابة عنها، ويتعلق الأمر كما أسلفنا بأسباب وصول الحداثة في المسرح العربي إلى المأزق أو الباب المسدود، ولم يكن لها أن تجيب عن ذلك لولا انفتاحها على تجارب من المسرح الغربي الحديث، لكي تتمكن فعلا من تبين ملامح الأزمة وعوارض العلق، بعد تعرف الجماليات المسرحية في التجربة الغربية الخصبة.

كما يظهر تميز الكتاب أيضا على مستوى العنوان الذي حفل بالمتناقضات، بين الحداثة والعلق والمأزق والطليعة، فهما يشكلان وحدتين تركيبيتين متضادتين، إذا أخذنا الحداثة والطليعة من جهة والعلق والمأزق من جهة ثانية. فكل منهما قابل أن يشكل جملة بمحمول قضوي قد نستشفه من سياق الكتاب قبل قراءته، أو من توقع القراءة.

الجملة الأولى: المحمول = الحداثة/ الطليعة – الحدود = عالقة في تجربة المسرح المغربي؛

الجملة الثانية: المحمول = العلق/ المأزق – الحدود = علامة فشل الجماليات المسرحية في المسرح المغربي.

هكذا يبدو بأن الكاتبة كانت واعية بالمنحى الذي سيتخذه بحثها في إشكالية الحداثة المسرحية العربية منطلقة من عتبته، وهي العنوان.

توقفت الباحثة في المدخل المفاهيمي عند مفهومين اثنين، هما: الجماليات والحداثة. وبالرغم من أنهما مفهومان اثنان فقط، إلا أن الباحثة شعبت تشكيلاتهما؛ بحيث ارتأت أن تكون الجماليات بصيغة الجمع، لكونها تتضمن الجماليات الحديثة والجماليات المعاصرة وارتباط الجماليات المسرحية بها، كما تتفرع عنها مفاهيم أخرى كالفن الحديث والفن المعاصر والمسرح الطليعي والمسرح المعاصر وما بعد الدراما، وغيرها. مؤكدة على أن الجماليات المسرحية قلصت من حضور النص الدرامي في العمل المسرحي، وعلى ذلك الأساس قام لديها التحديد الدقيق للجماليات الثلاث التي شكلت في نظرها الجماليات المسرحية الحديثة، وهي: المسرح المعاصر والمسرح الطليعي ومسرح ما بعد الدراما.

ومن أجل مزيد تدقيق، عادت الباحثة إلى مفهوم الجماليات فتناولته في ارتباطه بالجمال من حيث الاشتقاق اللغوي، وفي مبادئه عند مجموعة من المنظرين، التي تقوم أساسا على نفي الواقع، كما في علاقته بالمتلقي، بالإضافة إلى انتهائها إلى أنه ليس هناك جماليات بالمفرد بل بالجمع، بل أكثر من ذلك تعد الجماليات المسرحية مشروعا لمَّا يكتمل، فتجزم بأنه ثمة جماليات مسرحية لا تزال في طور التشكل، والتعبير هنا مستعار من الباحثة الفرنسيةِ [2]Catherine Naugrette.

أما المفهوم الثاني، فهو مفهوم الحداثة، ميزت فيه بين شقه المتعلق بالحداثة تاريخيا وشقه الفني والفكري، وهو الأهم عندها. كما أن المفهوم تشعب أيضا إلى ما بعد الحداثة والحداثة المفرطة والحداثة الديجاتالية. وذهبت إلى أن الحداثة ظاهرة كونية ولم تكن يوما غربية أو شرقية، بالرغم من أن منطلقها أوربا الغربية[3]. واستندت إلى مجموعة من المفكرين الغربيين من أجل تمحيص مفهوم الحداثة، كما عند برينبيرغ، الذي يعتبر أن جوهر الحداثة هو استعمال طرق مخصوصة بفرع من فروع المعرفة لنقد تلك المعرفة نفسها. وانطلاقا من ذلك سعت الباحثة إلى ربط المسرح بالحداثة، من حيث تحديد مفهوم مقارب هو المسرح الحديث، الذي اعتبرته كل التجارب والاتجاهات التي أعلنت عن نفسها بعد ظهور الفوتوغرافيا والإضاءة والسينما أيضا، والتي سعت إلى رفض كل أشكال المسرح البورجوازي بواقعيته المفرطة.

ثم تناولت بعد ذلك مفهوما لصيقا بالسابق، وهو مفهوم “ما بعد الحداثة” الذي يفيد عندها تجاور المفهومين وتزامنهما، وعدم قابليتهما لتجاوز أحدهما للآخر، استنادا أيضا إلى مفكرين مغاربة خاصة محمد سبيلا الذي يصفها بالحداثة البعدية، بوصفها هي الحداثة نفسها ولكن في مرحلة لاحقة أو ثانية، أو هي سافرة من دون مساحيق. وهو التصور نفسه الذي بلوره ألان تورين في كتابه “نقد الحداثة”، عندما عرف “ما بعد الحداثة” بكونه إفرازا للنقد الذاتي الذي مارسته الحداثة على ذاتها باستمرار، حتى تصير أكثر مرونة وعمقا واتساعا[4].

الإحالات:

[1] جدول توضيحي لا ينبغي المرور عليه مرور الكرام، سنعود إليه في حينه.

[2] بنويس، أمل، الحداثة العالقة، مأزق الطليعة في المسرح العربي، روافد للنشر والتوزيع، ط. 1، 2019، ص. 20.

[3] المرجع نفسه، ص. 22.

[4] المرجع نفسه، ص. 28.

ناقد من المغرب

عن madarate

شاهد أيضاً

حميد بناني المخرج السينمائي الذي هـجر الوظيفة العمومية من أجل التفرغ للإبداع – محمد بشار

محمد بشار* أو المبدع المكناسي الذي وضع حجر الأساس لسينما مغربية ناضجة ومدركة لهويتها ورسالتها …

اترك تعليقاً