أخبار عاجلة
الرئيسية / الأعداد / ملامح منهجية تأليفية في الختم الدعائي لقصائد يحجب (الجزء الأول) – المختار النواري

ملامح منهجية تأليفية في الختم الدعائي لقصائد يحجب (الجزء الأول) – المختار النواري

عطر الكلام وعبق الكتابة

ملامح منهجية تأليفية في الختم الدعائي لقصائد يحجب (الجزء الأول) 

المختار النواري*

الحمد لله الذي جعل للعيون ماء، وأجرى في العروق دماء، ونفخ في الشعب هواء، فأخرج من كلها حياة دفاقة، ونما منها مواهب براقة، ويسر لها قرائح فتاقة، والصلاة على النبي الذي حكم ولم يحجب، وغلب ولم يطلب، وأجرى ولم يعقب، وعلى آله الطيبين، الغرر الميامين، وقرر الناظرين، والأصحاب الأفاضل، والتابعين الأماثل، إلى يوم استحقاق الحق، ووضوح الفرق، آمين آمين آمين.

الدعاء فن قولي، يتميز بما لا يتميز به غيره من فنون القول، ذلك أنه يجمع، في علاقة متميزة جدا، بين المخلوق والخالق، يتوجه إليه مناجيا متوسلا متضرعا، وبكل ما حشي به فؤاده من تخشع، وضمته أضلاعه من ضعف، وحوته حناياه من تحنن، وأحكمه لسانه من ترقق وتبتل، وابتهال وتوسل. فإذا كان القرآن ـ النص الديني وفن قول الإلهي ـ منزلا من الخالق إلى المخلوق، ففن الدعاء يقاسمه الكثير من السمات، تماثلا وتقاطعا، وتقابلا وتعارضا، باعتباره كذلك نصا دينيا، وفنا قوليا، وإن كان بشريا، مصعدا من المخلوق إلى الخالق.

ويأتي فن الدعاء تعبيرا عن حاجة إنسانية قوية، ورصدا لرغبة بشرية ملحة، تحاول أن تتميز عن باقي السلوكات البشرية، التي تبتغي التقرب إلى الله، بحيث تتميز عن السلوكات ـ من قراءة وصلاة وزكاة وصوم وحج وغيرها ـ وتتميز عن المواقف في إقامة الشعائر، والحرص على السنن ـ من دعوة الى الله، وتسبيح وزهد ـ وتتميز أيضا عن العواطف، المتمثلة في إقامة المساجد وتاثيثها؛ ويختلف فن الدعاء عن كل هذا، ويعتمد فعل الكلام، ويتفنن في صوغه، بما يسمح له بنقل حقيقة المشاعر والمعاني بأجل لغة وأدقها، وأفصح عبارة وأوضحها، وأزين صورة وأبينها وآسر توليفة وأوثقها. إنه إقحام للفن الأدبي، كأرقى تشكل لغوي أبدعه المخلوق للتقرب به إلى الخالق، كما أنه تأدب مع الخالق، وبفنية عالية.

ولقد كان القرآن مصدرا أوليا لرسم الملامح الكبرى لفن الدعاء، وحصر المجالات الفضلى لجريان المتح منه، وعلى نهجها صار الرسول الأفصح، فوسّع وأبدع، وفرّع وأمتع، وبرع فألمع. وكان تجليا ثانيا لهذا الفن القولي، وعلى هديه سار المسلمون الأوائل، ولحقهم غيرهم من الأواخر، فتفننوا في ذلك تفننا، وأبرزوا منه ما لم يكن مبينا، وفتّقوا له نهوجا، وعرجوا به عروجا، ودرجوا في مهامه دروجا، وطرقوا منه ما لم يكن منهوجا. فحضر في الخطب والرسائل، والأمثال ، والمقامات والتصنيفات. ولم يسلم الشعر من ذلك، على ما قد يبدو بين الفنين من تباعد، وما يظهر عليهما من تجاحد، وأصر الشعراء على أن يكونا على تواعد.

الدعاء في الشعر

وقد حضر الدعاء في الشعر ما قبل الإسلامي، متأثرا ببقايا الحنيفية الإبراهيمية، وكان عنصرا من العناصر البنائية، ولكنه لم يكن عنصرا أساسيا، فقد يبدو قليلا، ويختفي كثيرا؛ ويتوارى طويلا، ويطل نزيرا؛ مما جعل الدارسين لا يستحضرونه ضمن المكونات الفنية لشعر تلك المرحلة، ولا من خصائصها المميزة. فلم يقفوا عليه، ولم يولوا عنايتهم لذلك.

ومن جملة الشعراء الجاهليين، الذين استعانوا به في بناء قصائدهم، واستحضروه ضمن خصائصهم، نذكر الشاعر لبيد العامري

ولكن فن الدعاء كان حاضرا، وبقوة، عند الشعراء المسلمين، بدءا من شعراء زمن الدعوة، نظرا للتأثيرين، الفني والروحي، الكبيرين، لكل من القرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف، على العقول والوجدانات، والنهوج الفنية.

فممن استعمله من شعراء الدعوة الإسلامية المخضرم لبيد العامري (أبو عقيل بن ربيعة الصحابي ـ41ه‍) بقوله:

اَلحَمْدُ لِلَّهِ إذْ لَمْ يَأْتِنِي أَجَلِي         حَتَّى اكْتَسَيْتُ مِنَ الإِسْلَامِ سِرْبَالَا

وحسان بن ثابت (أبو الوليد الخزرجي الأنصاري ـ54ه‍) بشكل واسع وجلي، وفي الكثير من أشعاره، ومن ذلك:

لكَ الخلقُ والنعماءُ، والأمرُ كلهُ             فإيّــاكَ نَسْتَهْــدي وإيّـــاكَ نَعْــبُدُ

وقوله:

يَا رَبّ! فاجْـــمَعْنَا مَعاً ونَـبِـيَّـــنَا            في جَنّة ٍ تَثْـنِي عُــيُونَ الحُــــسَّدِ

في جَنّــةِ الفِـرْدَوْسِ واكتُبْـها لَنَا             يا ذا الجَلَالِ وَذا العُـلَا وَالسُّـؤْدَدِ

وعلى هديه صار جملة من شعراء الدعوة، مثل كعب بن زهير وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك ومتتم بن نويرة اليربوعي وأخيه مالك وغيرهم.

وممن استتبعهم من شعراء الفترات الموالية أبو نواس (الحسن بن هانئ ـ198ه‍) بأبياته الاستغفارية الشهيرة:

يَا رَبِّ إنْ عَظُمَـتْ ذُنوبي كَثْرَةً             فلَقـدْ عَلِمتُ بِأنَّ عَفْوَك أعْظَمُ

إنْ كانَ لا يَرْجُـــوكَ إلَّا مُحْسِنٌ             فَبِمَنْ يَـلُوذُ وَيَسْتَجِيـرُ المُجْرِمُ

أَدْعُـوكَ رَبِّ كَما أَمَرْتَ تَضَرُّعاً            فإذا رَدَدْتَ يَدي فَمَنْ ذا يَرْحَمُ

مَالِي إلَيْكَ وَسِيــــــــلَةٌ إلَّا الرَّجَا            وَجَمِيلُ عَـــفْوِكَ ثُمَّ إنِّي مُسْلِمُ

وبسبب النزعة الزهدية عند أبي العتاهية (أبي إسحاق إسماعيل بن القاسم العيني العنزي الكوفي ـ211ه‍)، فقد شاع الدعاء في شعره، ومال إلى استعماله كثيرا، ومنه:

إلَهِي لَا تُعَـــذِّبْنِي فَإنِّي              مُقِرٌّ بِالَّذِي قَدْ كَـــــــــــانَ مِنِّي

فَمَا لِي حِيلَةٌ إلَّا رَجَائِي             لِعَفْوِكَ، إِنْ عَفَوْتَ، وَحُسْنُ ظَنِّي

وكان لرجال الدين فقهاء وأئمة حديث دور هام في ترويج الدعاء في الشعر، والميل إلى توظيفه في مختلف القضايا التي يعرضون لها. ويأتي الإمام الشافعي (أبو عبد الله محمد بن إدريس المطلبي القرشي المصري ـ204ه‍) فاتحة هاته البوابة، ومما قاله بهذا الصدد:

أَتَهْزَأُ بِالدُّعَاءِ وَتَـــــزْدَرِيهِ                   وَمَا تَدْرِي بِمَا صَنَعَ الدُّعاءُ

سِهَامُ اللَّيْلِ لَا تُخْطِي وَلَكِنْ                   لَهَا أَمَـــــــدٌ وَلِلْأَمَدِ انْقِضَاءُ

 

وما فتأ شأن هذا الحضور الفني للدعاء في الشعر يكبر ويتعاظم، ويعلو ويتفاخم، ويلتذ ويتناغم، حتى اقتحم على الشعراء عصرهم الحديث، واكتسح عليهم، وبدون إذن، عمودياتهم وتفعيلياتهم، لأنه أقوى من أن يُصد، وأثبت من ألا يُعتبر، وأجدر من ألا يُستحضر.

ولم يكن حال الشعر المغربي مختلفا عن صنوه المشرقي، فقد كان لفن الدعاء وجوه من الحضور في القصيدة المغربية، وعلى مختلف تشكلاتها، عمودية وتوشيحية وملحونية وزجلية. ولعل المهتم بالظاهرة لا يمكنه أن يتجاوز الدعاء الشهير بـ”الدعاء الناصري”، ومطلعه:

يَـا مَـنْ إلَـى رَحْـمَـتِـهِ المَـفَــرُّ               وَمَـنْ إلَيْـــهِ يَلْـجَـأُ المُضْطَـرُّ

وَ يَـا قَـرِيـبَ الْعَـفْوِ يَـا مَـوْلاَهُ                وَيَـا مُـغِـيـثَ كُـلِّ مَــنْ دَعَـاهُ

بِـكَ اسْـتَغَثْـنَا يَامُغِيـثَ الضُّعَفَا               فَحَسْبُـنَا يَـا رَبِّ أَنْـــتَ وَكَفَى

وهي ابتهالات شعرية منسوبة لمحمد بن ناصر الدرعي (أبي عبد الله ـ1085ه‍).

كما لا يمكن للمهتم أيضا أن يغفل عما تضمنته قصائد المديح النبوي، التي أُشتهر بها المغاربة، من ابتهالات واستغفارات ومناجاة وأدعية، وغير ذلك مما ليس هذا محل استعراضه، ولا مجال عرضه.

خاصية الدعاء في شعر ماء العينين يحجب (يتبع)

عن madarate

شاهد أيضاً

المقامة العربية القديمة: البنية والخصائص الأسلوبية – اسماعيل المركعي

اسماعيل المركعي* مقدمة اشتهر فن المقامة على يد بديع الزمان الهمذاني في القرن الرابع الهجري؛ …

اترك تعليقاً