الرئيسية / الأعداد / العدد الرابع والسبعون / أعمدة ثابتة 74 / الحوز: جغرافيا الذاكرة بين صمت الحجر وبلاغة التراث الأمازيغي – محمد منير

الحوز: جغرافيا الذاكرة بين صمت الحجر وبلاغة التراث الأمازيغي – محمد منير

على سبيل البدء

الحوز: جغرافيا الذاكرة بين صمت الحجر وبلاغة التراث الأمازيغي

محمد منير*

 

ليس الحوز مجرد رقعة جغرافية ممتدة عند أقدام الأطلس الكبير، بل هو “مستودع أزلي” لذاكرةٍ أمازيغية ضاربة في عمق التاريخ، وفضاءٌ يختزل في تضاريسه حكايات الإنسان وتفاعله مع المكان. إن الحديث عن الذاكرة الثقافية والفنية في الحوز هو في جوهره حديثٌ عن “الاستمرارية”؛ عن تلك الخيوط الخفية التي تربط بين ماضينا الأمازيغي العريق، وبين تطلعاتنا الفنية المعاصرة

الحوز: تجليات الهوية والذاكرة الأمازيغية

إن الذاكرة الثقافية للحوز ليست طبقة واحدة، بل هي تراكم حضاري طويل جعل من الأمازيغية لغته الأولى وروحه النابضة. ففي كل زاوية، وفي كل ممارسة اجتماعية، تتجلى هذه الذاكرة كجزء لا يتجزأ من المكون الهوياتي؛ من خلال “أحيدوس” الذي يرقص على إيقاعات الجبل، إلى الحكايات الشفوية التي تناقلتها الأجيال، وصولاً إلى الفنون البصرية التي تستمد رموزها من “التيفيناغ” والزخارف الأمازيغية الأصيلة. إننا حين ننقب في ذاكرة الحوز، فنحن في الواقع نستنطق تاريخاً طويلاً من المقاومة الثقافية، حيث حافظ الإنسان هنا على هويته ولغته كدرعٍ ضد النسيان.

تنوع الجغرافيا الثقافية: فسيفساء الحوز

ما يمنح الحوز خصوصيته الفريدة هو هذا “التنوع الجغرافي الثقافي”؛ فمن السهول الممتدة التي تعكس ثقافة الاستقرار والزراعة، إلى أعالي الجبال التي تصوغ ثقافة القوة والتحدي والعزلة الإبداعية. هذا التباين ليس مجرد اختلاف في التضاريس، بل هو اختلاف في أنماط العيش، وفي الأدب الشعبي، وفي الطقوس الاحتفالية. إن التنوع في الممارسة الثقافية بالحوز – بين عوالم “الزجل” والملحون وبين التراث الشفوي الأمازيغي – يخلق فسيفساءً غنية تمنح الفنان والكاتب مادة خامة لا تنضب لاستكشاف تقاطعات الهوية والذاكرة.

الفن كفعل استعادة وحماية

في هذا السياق، يأتي الفن والعمل المدني كفعل مقاومة ضد الاندثار. إن تجاربنا الفنية التي تحاول التوفيق بين “الخط والفرشاة” ليست مجرد ترف جمالي، بل هي محاولة لربط هذا التراث الأمازيغي بآفاق الإبداع المعاصر. إننا حين نؤطر الشباب في جمعية “مدارات” أو ننشط الفضاءات الثقافية، فنحن لا نعلمهم الرسم أو الكتابة فحسب، بل نمنحهم مفاتيح “الذاكرة” ليدركوا أنهم ورثة حضارة أمازيغية شامخة، وأن عليهم استثمار هذا التنوع الجغرافي في إنتاج خطاب فني يليق بعبق التاريخ الذي يحملونه.

نحو وعي ثقافي متجذر

إن التحدي اليوم ليس في “حماية” التراث فحسب، بل في “تفعيله”. لا ينبغي للذاكرة أن تكون حبيسة المتاحف، بل يجب أن تخرج لتصبح جزءاً من يومياتنا. إن مشروعات مثل “الحوز يقرأ”، أو التوثيق البصري للذاكرة المحلية، أو حتى استكشاف الرموز الأمازيغية في الفن المعاصر، كلها مداخل لتأسيس “وعي ثقافي” يجعل من الحوز قبلةً للإبداع.

إننا في الحوز، نمتلك من المواد الخام الرمزية ما يكفي لنكتب تاريخاً ثقافياً مغايراً، تاريخاً يبدأ من “البيت” وينتهي بآفاق الكونية. إن الإبداع في هذه الأرض هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار للهوية، وربط أجيال الحوز بجذورها، دون أن يمنعهم ذلك من استشراف المستقبل بعين فنان واثق، وقلبِ كاتبٍ لا يغادر ذاكرة المكان، بل يتنفسها.

المدير التنفيذي 

عن madarate

شاهد أيضاً

الجمعية الإقليمية لرعاية الشؤون الثقافية تعقد اجتماعاً حاسماً لتنزيل موسمها الثقافي 2026 والتحضير لملحونيات

في إطار ديناميتها المستمرة وحرصاً على تنفيذ برنامجها السنوي الطموح، احتضن مقر الجمعية يوم السبت …

اترك تعليقاً