الرئيسية / الأعداد / العدد الواحد والسبعون / أعمدة ثابتة / عبد الغني أبو العزم: المثقف الذي راهن على المعنى في زمن الضجيج. – عبد العزيز الخبشي

عبد الغني أبو العزم: المثقف الذي راهن على المعنى في زمن الضجيج. – عبد العزيز الخبشي

تأمــــلات فكريـــــــة

عبد الغني أبو العزم: المثقف الذي راهن على المعنى في زمن الضجيج. 

عبد العزيز الخبشي*

 

 

حين يُودَّع رجل من طينة عبد الغني أبو العزم، لا يكون الرحيل مجرد حدث بيولوجي عابر ينهي سيرة فردية محدودة في الزمن، بل يتحول إلى لحظة رمزية كثيفة الدلالة، تنكشف فيها هشاشة الحقل الثقافي حين يفقد أحد أعمدته الصامتة، ويُستشعر فيها حجم الفراغ الذي يخلّفه غياب صوت ظل، بإصرار نادر، يقاوم انحدار المعنى وسط ضجيج الاستهلاك الثقافي السريع، إذ إننا لا نرثي هنا شخصا في معناه الفردي الضيق، بقدر ما نستعيد مسارا فكريا متشعبا، ونفكك تجربة مركبة، وننصت إلى صدى مشروع ظل وفيا لقناعة عميقة مفادها أن الثقافة ليست ترفا يمكن الاستغناء عنه في لحظات الأزمات، بل هي شرط وجودي لتماسك المجتمع، وأن الإبداع، في جوهره، ليس ترفيها عابرا بل أفق مقاومة رمزية ضد كل أشكال التبسيط والابتذال التي تهدد الوعي.

لقد كان عبد الغني أبو العزم واحدًا من أولئك المثقفين الذين اختاروا الاشتغال في الظل، لا عن عجز عن الظهور، بل عن وعي نقدي عميق بطبيعة الحقل الثقافي الذي صار يكافئ الاستعراض أكثر مما يحتفي بالعمق، فآثر أن ينحاز إلى قيمة العمل الهادئ المتراكم، مؤمنًا بأن القيمة الحقيقية لا تُقاس بسطوة الحضور الإعلامي أو سرعة الانتشار، بل بمدى قدرة الفكرة على الصمود أمام الزمن، وبعمق الأثر الذي تتركه في البنية الذهنية للمجتمع، وهو ما يجعل الحديث عنه يستدعي تجاوز النزعة التأبينية السطحية التي تكتفي بالتمجيد، نحو قراءة نقدية جادة تضع تجربته ضمن سياقها التاريخي والثقافي، وتفكك رهاناتها المعرفية، وتستجلي ما انطوت عليه من إمكانات وما اعترى مسارها من حدود.

لقد تأسست تجربة أبو العزم على وعي مبكر ومؤلم بأزمة الثقافة العربية، تلك الأزمة التي لا تختزل في ضعف الإنتاج أو محدودية القراءة، بل تمتد إلى هشاشة البنية المؤسسية الحاضنة للفعل الثقافي، وإلى غياب مشروع مجتمعي يمنح للثقافة موقعها المركزي، ومن هنا جاء انشغاله مزدوج الأبعاد، حيث لم يكتف بإنتاج معرفة جادة تحاول مساءلة الواقع، بل سعى أيضا إلى الإسهام في خلق شروط تداولها داخل فضاء عمومي يعاني من اختلالات عميقة، وهو وعي مركب جعله يتجاوز حدود الكتابة كفعل فردي نحو الانخراط في الفعل الثقافي بمفهومه الواسع، باعتباره ممارسة جماعية تتطلب بناء شبكات من الحوار والتفاعل.

إن ما يمنح تجربة عبد الغني أبو العزم خصوصيتها هو هذا التوتر الخلاق بين الفكر والممارسة، بين التنظير المجرد والانخراط العملي، إذ لم يكن مثقفا معزولا في برج عاجي يكتفي بإنتاج خطاب نقدي منفصل عن شروط تحققه، بل كان فاعلا داخل الحقل الثقافي، مدركا أن الأفكار، مهما بلغت من العمق والجرأة، تظل ناقصة إن لم تجد طريقها إلى التحقق في الواقع، ولذلك انخرط في مبادرات متعددة، وسعى إلى ترسيخ تقاليد ثقافية قائمة على الحوار والانفتاح والتعدد، في مواجهة نزعات الانغلاق وإعادة إنتاج نفس الخطابات المستهلكة التي تعيق تجدد الفكر.

غير أن هذا المسار، بكل ما يحمله من طموح، لم يكن مفروشًا بالسهولة، بل واجه تحديات بنيوية كبرى، في مقدمتها هيمنة منطق السوق على المجال الثقافي، وتحول الإبداع إلى سلعة خاضعة لمقاييس الاستهلاك السريع، وهو ما دفعه إلى اتخاذ موقع مقاوم، رافضًا الانخراط في منطق التبسيط المخل الذي يفرغ الفكر من مضمونه، ومصرا على الدفاع عن قيمة المعرفة الجادة حتى وإن كان ذلك على حساب الحضور الجماهيري الواسع، وهو اختيار يكشف عن بعد أخلاقي في مشروعه، حيث تصبح الثقافة فعل التزام لا مجرد مهنة.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار مشروعه في جوهره مشروعا نقديا شاملا، لا يقتصر على تفكيك الخطابات السائدة، بل يتجاوز ذلك إلى اتخاذ موقف من العالم، إذ كان ناقدًا لواقع ثقافي مأزوم، لكنه في الآن ذاته كان ناقدا للذات المثقفة التي تساهم، بوعي أو بدونه، في إعادة إنتاج هذا المأزق، وهو ما يضفي على تجربته بعدًا أخلاقيا عميقا، حيث يتحول النقد إلى ممارسة مستمرة للمساءلة، لا للآخر فقط، بل للذات أيضا، في أفق بناء وعي أكثر اتساقا مع قيم الحرية.

لقد ترك أبو العزم أعمالا متعددة ومتنوعة، توزعت بين الكتابة الفكرية والمساهمة الفعلية في الحقل الثقافي، وكلها تشهد على إصراره على الدفاع عن فكرة الثقافة بوصفها مجالًا للحرية والاختلاف، غير أن قيمة هذه الأعمال لا تكمن فقط في مضامينها، بل في السياق الذي أُنتجت فيه، إذ جاءت في زمن كان فيه الصوت الثقافي مهددًا بالتهميش، وكان فيه المثقف مطالبًا بالاصطفاف إما إلى جانب السلطة أو داخل هامش العزلة، وهو ما جعل من اختياره للاستقلالية موقفًا صعبًا ومكلفًا.

وقد اختار عبد الغني أبو العزم، في هذا السياق المعقد، طريقا ثالثا يتسم بالصعوبة والالتباس، يقوم على الحفاظ على مسافة نقدية من السلطة دون السقوط في عزلة عقيمة تفقد الفعل الثقافي جدواه، وهو اختيار مكّنه من الحفاظ على استقلاليته الفكرية، لكنه في الوقت ذاته حدّ من حضوره داخل مشهد ثقافي يميل إلى مكافأة الأصوات الأكثر انسجامًا مع منطق السوق أو السلطة، وهو ما يطرح سؤالًا أعمق حول شروط الاعتراف داخل الحقل الثقافي العربي.

إن القراءة النقدية لتجربته لا تكتمل دون مساءلة حدودها وإبراز تناقضاتها، فكما أن له إسهامات وازنة لا يمكن إنكارها، فإن مشروعه لم يكن بمنأى عن بعض الإشكالات، لعل أبرزها هذا الميل إلى النخبوية الذي قد يجعل خطابه بعيدا عن فئات واسعة من المجتمع، كما أن رهانه على الفعل الثقافي، رغم أهميته، ظل محدود الأثر في ظل غياب سياسات ثقافية عمومية قادرة على احتضان هذا الجهد وتحويله إلى قوة تغيير فعلية داخل المجتمع.

غير أن هذه الملاحظات النقدية لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تقليلا من قيمة منجزه، بل بوصفها جزءا من قراءة تسعى إلى وضع المشروع في سياقه التاريخي والموضوعي، إذ إن المشاريع الفكرية لا تُقاس بكمالها أو خلوها من التناقض، بل بقدرتها على إثارة الأسئلة وفتح آفاق جديدة للتفكير، ومن هذه الزاوية يمكن القول إن أبو العزم نجح في أن يترك أثرا يتجاوز حدود إنتاجه المباشر، ليصبح جزءا من دينامية ثقافية أوسع تسعى إلى إعادة الاعتبار للفكر.

لقد كان، في عمق تجربته، مؤمنا بأن الثقافة فعل تراكمي طويل النفس، وأن كل جهد، مهما بدا محدودا، يساهم في بناء صرح أكبر يتجاوز الأفراد، وهو إيمان منحه القدرة على الاستمرار في العمل رغم الإكراهات البنيوية التي تحيط بالفعل الثقافي، مدفوعا بقناعة راسخة بأن المعركة من أجل المعنى ليست معركة ظرفية، بل هي معركة وجودية تتطلب نفسا طويلا وإصرارا لا يلين.

وفي زمن تتراجع فيه قيمة الفكر أمام سطوة الصورة، ويُختزل فيه الإبداع في منتج استهلاكي سريع الزوال، يبدو رحيل عبد الغني أبو العزم حدثا يدعونا إلى التأمل العميق، ليس فقط فيما أنجزه من أعمال، بل في ما يعنيه أن يكون المرء مثقفًا في زمن تتآكل فيه القيم، حيث يصبح السؤال ملحًا حول دور الثقافة، وحول قدرة المثقف على الاستمرار في أداء وظيفته النقدية في سياق يتسم بالضغوط والتسليع.

إن أفضل وفاء لذكراه لا يكمن في ترديد عبارات الرثاء أو استعادة مناقبه بشكل احتفالي، بل في استئناف الأسئلة التي طرحها، ومواصلة المسار الذي دشّنه، مع وعي نقدي بحدوده وإمكاناته، فالثقافة، كما كان يؤمن، ليست ميراثا جامدا يُحفظ، بل مشروعا حيا يُبنى باستمرار عبر التفاعل والتجدد.

لقد غادر الجسد، لكن الفكرة التي دافع عنها تظل حية، لا بوصفها حقيقة مكتملة ونهائية، بل بوصفها أفقا مفتوحًا للتفكير وإعادة التفكير، وهو ما يشكل المعنى الأعمق لأي مشروع ثقافي حقيقي، إذ يظل حيا لا في الذاكرة فقط، بل في الفعل والممارسة.

إن عبد الغني أبو العزم، بهذا المعنى العميق، لم يكن مجرد مثقف عابر في سياق ثقافي متقلب، بل كان واحدا من أولئك الذين حاولوا، بإصرار فكري وأخلاقي، أن يعيدوا للثقافة معناها الجوهري، وللإبداع دوره النقدي، في زمن كاد أن يفقد فيهما كل شيء قيمته، ولذلك فإن رحيله لا يمكن أن يُقرأ كنهاية، بل كلحظة وعي جديدة تذكرنا بأن المعركة من أجل المعنى ما تزال مفتوحة، وأن الحاجة إلى مثقفين من طينته تزداد إلحاحا في عالم يزداد فراغا.

كاتب من المغرب.

عن madarate

شاهد أيضاً

العدد الواحد السبعون السنة السابعة مارس 2026

 

اترك تعليقاً